قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أحب بلادي "تونس الجميلة" كما وصفها الشابي، لكن للأسف الشديد هناك كثيرون من أبنائها لا يحبّونها، بل ويتفنّنون في إيذائها، وتشويه صورتها كلّما أتيحت لهم الفرصة لذلك.

وهذا ما تبيّنته مرة أخرى في فترة الحكومات التي تولت السلطة بعد انهيار نظام زين العابدين بن علي، والتي لم تتمكن الى حدّ آلآن، وبعد مرور خمس سنوات على "ثورة الكرامة والحرية"، من فرض هيبة الدولة، وقطع الطريق على الذين يتربصون بها لبث الفوضى، وتحويل تونس الى بلد تتحكم فيه المافيات، والعصابات المتسترة وراء الشعارات الثورية الكاذبة.

ولا يكاد يمرّ يوم واحد من دون أن أتجرع الالم وأتوجّع بسبب ما يرتكبه التونسيّون من جرائم ومن أفعال دنيئة تلحق ضررا فادحا ببلادهم. ولولا الكتب والموسيقى والقليل من الأصدقاء الاوفياء لما تمكنت من العيش في بلادي التي يستبسل ابناؤها في تدميرها يوميّا، وبقسوة لا مثيل لها. قسوة العدوّ مع عدوّه. فلكأنهم ليسوا منها، وانما وفدوا عليها غزاة ولصوصا ومجرمين وقتلة.

وهم متوترون طوال الوقت. ونادرا ما تسمع منهم كلمة جميلة، أو تراهم يقومون بعمل يدلّ على قيمة واحدة من القيم الانسانيّة، أو ألأخلاقيّة النبيلة. والحرية بالنسبة لهم هي أن يراكموا الاوساخ والفضلات حتى أامام بيوتهم، وان يحرقوا الغابات، ويقتلعوا الأشجار، وينشرون الخراب على طريقة أجدادهم الهلاليين الذين قال عنهم ابن خلدون إنهم "لا يبقون حجرا على حجر". والكذب هو أفضل أداة يتعاملون بها في ما بينهم.

والمثقفون فئة ساقطة ومنحطة. كلّ واحد منهم يسعى الى تأمين سلامته، وتوريط آلآخرين في ما يسيء لهم، ويضرّهم، ويحطّ من قيمتهم.

والسياسيّون الجدد الذين فرّختهم ما سمّي بـ”ثورة الكرامة والحرية" منافقون وجهلة. وهم لا يفعلون شيئا آخر غير إغراق البلاد في الوحل، ونهبها ماديا، وتفقيرها معنويا لتكون من "دون حسّ ولا معنى"بحسب تعبير المؤرخ أحمد بن أبي الضياف.

وقد يكون المؤرخ الروماني Sallust على حقّ حين أشار في كتابه الشهير: ”حروب يوغرطة" الى ان شعب افريقيّة (الاسم القديم لتونس) شعب متحوّل لا يثبت على حال. وفعلا ها نحن نرى ذلك في واقع اليوم. فالتونسيّون كانوا في غالبيتهم مع الحبيب بورقيبة. فلما أطاح به بن علي، آنقلبوا عليه. وحالما آنهار حكم بن علي، أصبح هذا الاخير رمزا للشر. وألصقت به كل الصفات السيّئة والمهينة. بينما أصبح الحكام الجدد رمزا للخير والبركة. وكثرت الفتن والفتاوي الصفراء، وتحولت المساجد الى أوكار للتحريض على العنف والكراهية. وثمة نساء تنكّرن لحقوقهن وللحرية التي كنّ يتمتّعن بها في عهدي بورقيبة وبن علي ليصبحن سوداوات مثل غربان الشؤم. وفي ظرف أشهر قليلة، فقدت تونس كلّ ما آكتسبته منذ الاستقلال لتصبح على أسوأ حال!

***

كعادتي استيقظت في السادسة صباحا. وعندما بدأت ملامح شروق الشمس تبرز على جبهة بحر الحمامات، وقفت في الحديقة الصغيرة متاملا المشهد الطبيعي الساحر الذي يتبدّى أمامي، وفي الحين انشرح صدري بالامل في ان تستعيد تونس بهاءها الذي فقدته بسبب ربيعها الثوري الكاذب!