قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

غياب الحوار بين فئات المجتمع المختلفة، يؤدي إلى إحداث نوع من الجفاء ورفض الآخر على أرض الواقع، فالحوار يعني تبادل الآراء، الإنصات إلى الآخر واستيعابه، احترام وجهات النظر التي تختلف معك دون أن تشكك في نوايا المتحدث أو تخونه.. الاستفادة من أفكار من تتحدث معه بلا استعلاء أو تقليل من شأنه..

كل هذا قد ينمي ثقافة الاختلاف التي نفتقدها في مجتمعنا، ما أدى إلى رفع شعار "حوار الطرشان" والعمل به في الأوساط المختلفة، فالمثقف لم يعد يختلف كثيراً عن الجاهل أو الأمي، حيث نرى بعض المثقفين اليوم لا يحترمون الرأي الآخر، لا يجيدون لغة الحوار القائمة على البناء والحلول بقدر ما يسعون إلى الهدم والجدل..&
لذا نرى الأمور تسير بنا في كثير من الأحيان إلى طريق مسدود، فقط الثرثرة هي التي تقود سفينة الحوار، لتبحر بها وسط أالأفكار المتلاطمة والمتضادة، لا أحد يفكر في الركون إلى العقل لإنقاذ هذه السفينة، بل هناك كثيرين يفكرون فقط في خرقها..
هذا يحدث في أغلب أوطاننا العربية، لأن المثقف اليوم لم يعد يحمل هموم وطنه، لم يتحمل مسؤولية التوصل إلى حلول علمية أو عملية تجاه قضية ما، فقط نلاحظ الصوت المرتفع هو السائد دون فهم أو تعقل، الجميع يريد خرق السفينة وإغراق الأوطان، أصبح المثقف في زماننا هو من يمتلك القدرة على الصراخ، دون أن يمتلك أدوات المعرفة والدعوة إلى التفكير المشبع بالمنطق، لذا تراجع دور المثقف في الوقت الراهن، نتيجة عدم إقناع مجتمعه بآرائه البناءة الخالية من المصالح.. البريئة من سوء النوايا..
الدليل على ذلك، أن الرحلة في مواقع التواصل الاجتماعي- خاصة فيسبوك وتويتر- على سبيل المثال، قد تكلف المرء الكثير، وتصيبه بالاشمئزاز والغثيان، فقد نرى أشخاصاً من أنصاف المثقفين يريدون قيادة الرأي في مجتمعاتهم، دون امتلاكهم للأدوات الثقافية والقدرات المعرفية التي تؤهلهم للقيام بهذا الدور، ويا ويل من يختلف معهم أو يسير ضد تيارهم المتخلف، لأنه سيرى ما لا يتوقعه من سباب وشتم يصل إلى الأب والأم والأهل جميعاً، وكأن "الأدب" اختفى من حياتنا، وحلت محله الوقاحة والتطاول.. ولا تتعجب عندما ترى شعبين كاملين على "تويتر" مثلاً وهم يتلاسنون بأقذع الشتائم، ويدخلون في حرب كلامية تعتمد على "قلة الأدب" وعدم الحياء، وكأن هذه المواقع ليست من أجل الترفيه أو التعارف أو اكتساب معلومة من ذوي العلم، بل تحولت إلى "مراحيض عامة"، لكل من هب ودب.. الجميع لا يحترم آراء الجميع، الاختلاف مع الآخر تحول إلى حقد وعداء..
مثلاً في مصر، لو أنت انتقدت القيادة أو الحكومة، فأنت إخواني وعميل وخائن للوطن، أما إذا مدحت القيادة والحكومة فأنت انقلابي وفلول وعدو للديمقراطية والرأي الحر.. حتى انقسم الشعب بين فريقين، القاسم المشترك بينهما هو الحقد والكره، الأمر الذي انعكس على الولاء والانتماء للوطن.. دائماً المصري كان ينتصر للوطن، لكنه منذ أن أصبح المواطن ينتصر لأشخاص أو جماعة، أصبحت مصر تعاني من أزمة انتماء، فهل تغلبت المصالح الشخصية على المصالح الوطنية..؟، لو حدث هذا ستكون الكارثة، لأن الوطن هنا سيكون قابلاً للمساومة، وسوف يصبح رخيصاً في قلب المواطن، فالوطنية لو أصبحت عرضة للمساومة، معنى هذا أن الوطن في سبيله للضياع، لأنه افتقد من يحمله في قلبه ويحميه من أعدائه، افتقد الإنسان الذي يستظل به وقت الشدة، لذلك فإن مثل هذه المعارك، الجميع فيها خاسر، لأن الإنسان في حالة افتقاد الوطن، لا أعتقد أنه سوف يبكى على أي شيء آخر قد يفقده.. لأنه سوف يعيش في دائرة الفقد ذاته..
لذا لابد من حضور الحوار على طاولة الشعوب، كي تبدع وتتوصل إلى حلول تصب في مصلحة الوطن، بعيداً عن الثرثرة والصياح التي تدخل بنا في دائرة "حوار الطرشان" الذي يهدم ولا يبني، ويبعد المسافات بين أصحاب الرأي، بذلك تكون النتيجة "صفر"، بعد أن تغلبت خلافاتنا، على حوارنا المثمر..
لا شك أن كل إنسان بالفطرة لديه ولاء وانتماء لوطنه، لكن ليس معنى هذا أن نقلل من قيمة وكبرياء واحترام الأوطان الأخرى، يمكننا أن نختلف، لكن دون تجريح أو تشويه أو تقليل من شأن الآخر، لعل وعسى أن نصل يوماً لامتلاك ثقافة الاختلاف، حتى نختلف سوياً دون أن نخسر بعضنا البعض، لنصبح على الأقل، من الشعوب التي تحول اللحاق بالعالم المتقدم والمتحضر..!!
&
سلطان الحجار&كاتب صحفي
&