قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

بدايةً، أود أن أُمارس في ساحة هذه السطور، لعبة فلسفية جديدة بعض الشيء عن عالمنا الثقافي، هي لعبة النقد والتفكيك الفلسفي إزاء عبارة معينة أخترتها من بين العبارات والمفاهيم، التي عادة ما نُسلم بها في أوساطنا الإعلامية، أو في خطاباتنا الكلامية دون تناولها نقدياً، أو مقاربتها تفكيكياً. أعني هنا عبارة (المثقف العراقي) التي سرعان ما توحي الى وجود هوية عراقية خالصة للمثقف، في الوقت الذي نعلم أن ما نسميه بالمثقف العراقي، هو في الحقيقة كائن متعدد الإنتماءآت والهويات، أو أنهعلى الأقل حامل لهواجس سياسية وإجتماعية وثقافية مختلفة ومغايرة، لا يمكننا حصرها، أو إختزالها في دائرة هوية واحدة، إلا إذا ما أردنا أن نبسيط ما لايحتمل التبسيط ونسهل ما هو أعقد!.

فالمثقف العراقي، هو أساساً ذلك الكائن الذي ينتمي، قومياً، الى العرب أو الكورد أو التركمان، أو ينتمي، دينياً، الى الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو ربما أديان أخرى غير سماوية، أو ينتمي، آيديولوجياً، الى القومية أو الماركسية أو الليبرالية، أو ربما آيديولوجيات أخرى ثانوية و ما الى ذلك..

هذا، طبعاً، رغم أنتماءآته الطائفية أو المناطقية أو المُدُنية أو حتى العشائرية والريفية أحياناً، وذلك بدليل الألقاب المرتبطة والمتباهى بها بأواخر أسماء العديد من المثقفين..! فهذا الكائن، هو في آخر الأمر، لا ينفك ينتمي الى كل هذه العوالم المختلفة من الإنتماءآت والهويات الإجتماعية دون أن يقدر على إلغاء أي منها،وبخاصة إلغاءها على المستوى الأنطولوجي.

و لهذا السبب بالذات، يستحيل على المرء تخيل هوية واحدة صافية للمثقف العراقي، وإنما كل ماهو ممكن في هذا الخصوصوما هو موجود في ارض الواقع حالياً – دعك من التبسيطات الإعلامية غير الواقعية في نظام التسمية إزاء عالم الأشياء- هو ليس إلا التسليم لأمرين فقط، الأول هو الأعتراف بهذه الحقيقة لهوية المثقف العراقي المركبة ذات الأوجه المختلفة والمتعددة، والثاني، هو: الإقرار بأن تعريف المثقف العراقي بالمعنى الحرفي للعبارة، يعني الإشارة الى بعد آخر من أبعاد هوية المثقف والذي يتمثل في كونه فاعلاً إجتماعياً يعيش على مساحة جغرافية معترف بها دولياً عبر تسمية جيوسياسية Geopolitics، هي العراق.

وهذا يعني، بكل بساطة، أن ما نسميه بالمثقف العراقي، هو في آخر الأمر، ليس إلا ضرباً من الوهم، أو هو ليس سوى وقوع في عمومية النظر الى عالم الأشياء والتغطية على الواقع العملي، ذلك لأن البعد الجغرافي- السياسي الرسمي لهوية المثقف لا يعادل البعد الثقافي أو الديني أو الإجتماعي الطاغي، الذي يلعب كل منه دوراً رئيسياً في إستقطاب الكائنات البشرية أو إجتماع الإنسان وتنظيمه، وبالتالي توجيهه نحو أهداف سياسية وآيديولوجية أو إجتماعية أو رمزية معينة، ولايمكن أيضاً للبعد الجغرافي - السياسي لهوية المثقف أن يُملي على المثقفين العراقيين أدواراً أو وظائف إجتماعية تلزمهم بفعل أي شيء إذا لم تكن هذه الأدوار أو الوظائف مدعومة سلفاً بخطابات آيديولوجية وعقيدية أو ثقافية ورمزية، لاسيما في ظل غياب أي مشاريع حقيقية بإتجاه بناء نظري وثقافي وسياسي وتوعوي لمفهوم الوطنية والمواطنة في العراق.

بمعنى آخر، أن عراقية المثقف باتت اليوم هي مجرد مسألة جغرافية –سياسية بحتة لا تساندها ولا توازيها، على أرض الواقع ثقافة عراقية واحدة خالصة، أو أية عقيدة أخرى إجتماعية موحدة، بل أنها قبل كل شيء مسألة قانونية أو مُقننة، رسمية أو مرسومة، تتبناها الدولة، أو يثيرها التساؤل عن جنسية المرء وإنتمائه التقليدي لبلد معين يكون معترفاً به عالمياً، وإلا ليست ثمة شروط قوية تصادق على هذه الهوية المفترضة، فما بالك إذا ما قلنا أن حتى معظم المثقفين العراقيين أنفسهم لايجيدون كل اللغات الرسمية للبلد( العربية، الكوردية، التركمانية..الخ) ما يعني جهلهم في النهاية بتفاصيل وخلفية ثقافة المجتمع الفسيفسائية وبالتالي إنعدام القدرة على تمثيل كافة الثقافات العراقية المرتبطة بمكونات المجتمع.

*كاتب وأكاديمي من كردساان العراق