قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

التّحوّل النوعي في تفاهمات وقواعد فك الاشتباك بين إسرائيل وإيران يفيد بأن ضبط أوتار المواجهات العسكرية لم يعد مُتاحاً وفق التناغمات والغمزات كما في السابق، وهذا يترجم نفسه في ساحات الحروب الإيرانية – الإسرائيلية بالنيابة وفي طليعتها لبنان والعراق وسوريا.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو صعَّد في الآونة الأخيرة ضد أهداف إيرانية بامتياز – المباشرة منها في مواقع إيرانية في سوريا، وشبه المباشرة عبر "حزب الله" على نسق استهداف تصنيع الصواريخ الإيرانية في لبنان، وتلك ضد "الحشد الشعبي" في العراق.

المعادلات على نسق "امتصاص" ردود الفعل مسبقاً، أو تحقيق "توازن الردع" و"توازن الرعب" معاً، أو إبلاغ الآخر بأن هذه أو تلك مجرد "ضربة كف" لا تستدعي الحرب، كل هذه لا ترقى الى ضمان ترجمة تكتيك التطمينات الى ضمان عدم اندلاع حرب نتيجة سوء الحسابات. قيادات "الحرس الثوري" هي التي تنفّذ تعليمات مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي وأبرزها قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني الذي يُشرف ميدانياً على ساحات الحروب بالنيابة. قد تكون المبارزة بين بنيامين نتانياهو وقاسم سليماني مضبوطة على إيقاع التهادنية التاريخية بين إيران وإسرائيل، وبالتالي لن تتطوّر الى مواجهة عسكرية بأبعد من حدودها الحالية.

في إطار مثل هذا الافتراض، إذا صحَّ، لن ينفّذ الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله توعّداته ذات السقف العالي ضد إسرائيل، وسيكتفي برفع معنويات قاعدته الشعبية عبر رد ما على الاعتداءات الإسرائيلية، يرافقه إجراءات تطمينية لإسرائيل في مسألة تصنيع الصواريخ. أما إذا ارتأت القيادة الإيرانية أن الوقت حان لصدّ الهجوم الإسرائيلي على المواقع والأصول assets الإيرانية في سوريا والعراق ولبنان، سيؤدي الرد الذي يتوعّد به حسن نصرالله الى استدعاء حرب إسرائيلية على لبنان. القرار سيُتخذ الأسبوع المقبل، حسب المصادر التي توقّعت اجتماعاً فائق الأهمية لقيادات "الحرس الثوري" الإيراني و"حزب الله" اللبناني – وربما "الحشد الشعبي" العراقي – ليس واضحاً تماماً أين، إنما بيروت مرشّحة لاستضافته إذا كان التوجه التصعيد ردّاً على الإجراءات الإسرائيلية والأميركية معاً والمُتمثلة في زيادة تضييق الخناق الاقتصادي عبر عقوبات جديدة على كيانات إيرانية ولبنانية.

ففي واشنطن أيضاً سيُعقد الأسبوع المقبل اجتماع مهم حول إيران يأتي في أعقاب قمة مجموعة الدول السبع في بياريتز حيث أثبتت فرنسا مرة أخرى أنها أكثر تجميلية في سياساتها مما هي جدّية. فالرئيس مانويل ماكرون تقدم بمبادرة جمع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والإيراني حسن روحاني بدون التهيئة الدقيقة الضرورية للقاء الرئيسين، فسقطت نشوة ماكرون بإنجازاته على وجهها فور انتهاء مؤتمره الصحفي المشترك مع دونالد ترامب. أما بدعة دعوة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الى بياريتز فإنها لم تكن صبيانية فحسب وإنما "غبية"، قال مصدر، نقلاً عن أجواء تقويم الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون لهذه البدعة. فدول الاتحاد الأوروبي تتخبط في سياساتها الإيرانية وتناقضاتها وهي مكبّلة بشركاتها وبنوكها وسط كراهية واضحة لدونالد ترامب وإدارته وشبه غرام مستمر مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر شخص وزير الخارجية.

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسية الأمنية، فيديريكا موغيريني، طرحت شروطها هي باسم الاتحاد الأوروبي على أية محادثات أميركية – إيرانية إذ قالت ان الاتحاد الأوروبي يؤيد المحادثات شرط الحفاظ على الاتفاق النووي بين إيران والدول الخمس زائد واحد. هذا الطرح المدهش الذي يقحم شروطاً أوروبية على محادثات أميركية – إيرانية إنما يبيّن سذاجةً وانحيازاً في آن. واشنطن تريد إعادة التفاوض على الاتفاق النووي، وطهران ترفض أي لقاء أو محادثات أو تفاوض قبل رفع العقوبات عنها. ليس من الحكمة لموغيريني أو الاتحاد الأوروبي اقحام الشروط سيما تلك التي تدعم موقف طرف دون آخر في محادثات أميركية – إيرانية.

ماكرون أراد إعادة إحياء المجموعة التي فاوضت ووقّعت على الاتفاق النووي التي تضم الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، زائد المانيا 5+1 لتضمن السماح لإيران بيع نفطها تحت سيطرة دولية جازمة وذلك كآلية بديلة عن آلية "انستيكس" الأوروبية للالتفاف على العقوبات. ترامب رد عليه بالقول ان هذا ممكن إذا وافقت إيران على تغيير سلوكها الإقليمي سيما في مضيق هرمز الى جانب تلبية المطلوب منها نووياً وفي إطار الصواريخ الباليستية. وهذا ما لم توافق عليه إيران. بل ان روحاني، بعدما أوحى الى ماكرون أنه مستعد للقاء ترامب بدون شروط، عاد وطرح شرطه الأساسي وهو رفع العقوبات أولاً قبل المحادثات. إذاً، سقطت مبادرة ماكرون كما تعرّت البدعة الصبيانية.

الأخطر هو ما يتعلق بموقفيْن أوروبيين يثيرا التساؤلات. الأول، وهو: لماذا لا تحتّج دول الاتحاد الأوروبي على إصرار طهران على انشاء وإدارة جيوش غير نظامية في دول سيادية هي لبنان والعراق بل ان الدول الأوروبية تكاد تعترف بحق شرعي للنظام في طهران ان تكون له جيوش وميليشيات تابعة له في دول مستقلة. أوروبا سمحت لإيران بالتدخل العسكري في سوريا بموجب شروط الاتفاق النووي بين إيران ودول 5+1 لأن إيران اشترطت استبعاد أدوارها الإقليمية عن المفاوضات ولأن الاتفاق نفسه قام على إبطال قرارات لمجلس الأمن منعت إيران من التوسع والتدخل عسكرياً في دول المنطقة. ثانياً، ان البلبلة الأوروبية واضحة فيما يتعلق بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز إذ تبيّن تناقضاً آخر بتمسك أوروبا بضمان الملاحة وسط تحفّظ على قيادة أميركية لعملية حماية الشحن البحري. المانيا وفرنسا تريدان حضوراً بحرياً أوروبياً يشكّل "ردعاً" في مياه الخليج شرط أن يكون دون "استفزاز" إيران.

إذا ثابرت دول الاتحاد الأوروبي في تناقضاتها، انها ستشكل ضرراً أكبر لفكرة وجهود التفاهمات الأميركية – الإيرانية. ولعل من الأفضل لو تراجعت أوروبا قليلاً عن جهود الوساطة الدعائية لتتركها لليابان. فلا يجوز أن يصدر موقف عن الاتحاد الأوروبي يؤيد محادثات بين واشنطن وطهران لكنه يتمسك بالاتفاق النووي. هذا غير منطقي على الإطلاق بل انه سذاجة خطيرة.

من الأفضل لو تقوم دول الاتحاد الأوروبي بدور تشجيع القيادة الإيرانية على تعديل نهجها وضبط سلوكها الإقليمي والكف عن التهديدات الخطيرة التي قد تساهم في انفجار الوضع. فعراقياً، ان طهران مستمرة في تعطيل جهود رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي منح الفصائل شبه العسكرية التابعة لـ"الحشد الشعبي" المدعومة من إيران فرصة الإندماج الكامل مع القوات المسلحة العراقية وإمهالها شهراً لمغادرة الحواجز الأمنية وقطع صلاتها بالكيانات السياسية. طهران تعطّل إمساك الحكومة العراقية بالقرار الأمني والسياسي والسيادي وهي تصرّ على الاستمرار في استخدام "الحشد الشعبي" التابع لها لغايات التخريب عراقياً والتوعّد أميركياً. فأين الدور الأوروبي في دفع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالكف عن التدخل في شؤون العراق عبر جيوش غير نظامية، أي فصائل شبه عسكرية ذات الولاء لطهران؟

ثم هناك لبنان وخطورة الوضع فيه سيما في هذا المنعطف عقب اختراق طائرتين مسيّرتين اسرائيليتين الضاحية الجنوبية لبيروت الأسبوع الماضي وتوعّد حسن نصرالله بالرد واستنفار إسرائيل للرد على الرد. الجيش الإسرائيلي اتهم إيران بأنها تكثّف جهود تصنيع منشآت للصواريخ دقيقة التوجه لـ"حزب الله"، كما جاء على لسان المتحدّث بإسم الجيش الإسرائيلي الذي أشار الى قرار إيران عام 2016 إحداث تغيير جوهري بانتقالها الى مشروع تحويل صواريخ موجودة الى صواريخ دقيقة على الأراضي اللبنانية، بدلاً من نقل صواريخ كاملة لـ"حزب الله". وقال ان هناك مواقع إنتاج وتحويل للصواريخ الإيرانية في عدة مناطق في الأراضي اللبنانية، كاشفاً أسماء "الشخصيات المسؤولة عن مشروع الصواريخ الدقيقة في لبنان".

أمين عام "حزب الله" هو الذي يَحبس الأنفاس في هذه الفترة لأنه أبلغ الجميع في خطابه الأحد الماضي أنه هو الذي يقرر متى وكيف يرد وبأي حجم على اختراق الطائرتين المسيّرتين الإسرائيليتين الضاحية، وانه هو الذي يملك قرار الحرب والسلم في لبنان. الحكومة اللبنانية اختبأت وراء الأصبع في دعمها تناول "حزب الله" المسألة. فبدلاً من إمساك زمام الأمور سيادياً، زجّتْ الدولة اللبنانية الناس في حرب أعصاب وزايدت على المزايدات بلا خطة ولا شرح وأحياناً بعشوائية خطيرة.

لبنان مهدد أميركياً أيضاً وليس فقط إسرائيلياً وإيرانياً في إطار حربهما الباردة أو تلك الساخنة بالنيابة. واشنطن أوضحت انها عازمة على تشديد العقوبات على كل من إيران و"حزب الله" وكل من يؤمِّن لهما التغطية السياسية أو المالية أو الأمنية، وأوضحت ان في حال قام "حزب الله" بعملية ضد إسرائيل استدعت الرد عليها، ستكون إدارة ترامب معها كلياً وستحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية.

وزير خارجية تركيا تشاووش أوغلو صرّح بأن ناقلة النفط الإيرانية الموضوعة تحت العقوبات الأميركية تتجه الى لبنان، لا الى تركيا. إذا استقبلت الموانئ اللبنانية هذه الناقلة، سيكون لبنان موضع عقوبات أميركية مباشرة عليه نتيجة مثل هذا الاستخفاف والاستغباء.

فالرهان على حتمية استيعاب الهفوات والمزايدات والمساومات والمواجهات بين إيران وإسرائيل أو مع الولايات المتحدة سيضع لبنان في عين العاصفة. بنيامين نتانياهو أكد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان إسرائيل لن تتوقف عن اتخاذ إجراءات قاسية لإيقاف مشاريع إيران بالذات في لبنان الى جانب مشاريعها في سوريا والعراق. فلاديمير بوتين حاول أن يثني نتانياهو عن عبور الحدود، لكن الرئيس الروسي ليس في وارد تبني مواقف معادية لإسرائيل لأن هذا ليس في المصلحة الروسية. فعلى لبنان أن يراجع حساباته قبل التهوّر الى المواجهة.