قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إن الذي تسبب بقوة في ان تكون هوية المثقف العراقي، أو عراقية المثقف، هوية إشكالية وغير مواكِبة لمستوى المفهوم في الأرض الواقع، لاسيما في الوقت الراهن وفي ظل الظروف السياسية والمجتمعية المُقَسِّمة التي يعيشها اليوم العراقيين، هوليس سوى النظام السياسي البائد في العراق.

فالبعث(1968-2003م) كونه كان السلطة القاهرة والمتحكمة بالدولة والمجتمع في آن واحد، هو أول من تجرأ على فرض أهدافه وشعاراته الآيديولوجية قسراً، لا على المثقفين الحقيقيين فحسب،وإنما على العراقيين عموماً، وهو من بادر مبكراً بتأسيس أجهزةإقصائية وقعمية في البلاد كانت مُكرسة تماماً للرقابة على كل هوية ثانوية وأي تعبير حر عن الإختلافات المجتمعية والثقافيةفي البلد، وذلك عبر وسائله وآلياته المختلفة، التي كان أخطرهاعلى الإطلاق ذلك الجيش الذي شكله لأداء وظيفة قذرة هي إنتاج الإرهاب الفكري في المجتمع وبث الآيديولوجيات القومية الطوباوية التي وصفها ماركس(1818-1883م) في عصره بأنها مُسببة لا محالة لتزييف الوعي لدى الإنسان.

ونقصد هنا طبعاً، الجيش المتمثل في الأقلام أو( المثقفين) المأجورين، أو الدعاة في الأجهزة الأعلامية المضللة، التي كانت تدعو دائماً، بمعرفة آيديولوجية متهافتة، لوحدة المجتمع من خلال تنظيرات ضمنية وممارسة فعلية لشتى أشكال الصهر والتذويب لأي إختلافات قومية ودينية وطائفية للمجتمع، قائمة على التناقض مع آيديولوجية الدولة الشمولية، الأمر الذي أدى بالنتيجة، كما رأينا ذلك بأم أعيننا، الى تحولات حقيقية في العراق، بل وقوع مردودات عكسية لم ينتبه اليها النظام، أي حدوث تغييرات جذرية في مضامين الكثير من المفاهيم لدى المثقفين العراقيين الحقيقيين، خصوصاً عند أولئك الذين لم يخضعوا لسياسات النظام البائد، أو لخطاباته الآيديولوجية، أو لمفاهيمه القسرية للإنسان والمجتمع، أو للسلطة والحكم.

وقد تُرجِم، عملياً، هذا التغيير في الفهم، للعديد من المفاهيم،كمفهوم الوحدة مثلاً، أو العروبة، أو الأشتراكية، من خلال إلتحاق اعداد كبيرة من مثقفي العراق بالقوى السياسية العراقية المُعارضة ولجوء بعض منهم الى مغادرة البلاد ورفض التفاعل مع الأفكار البعثية الشمولية، ذلك لأنه، كما عبر عنه الأديب العراقي المعروف" فاضل العزاوي" في حينه وبمنتهى التوصيف:( كانت ديكتاتورية صدام تختلف حتى عن الديكتاتوريات الأُخرى التي شهدها تاريخ العالم، فهي لم تكتف فقط بفكرة تحويل الشعب الى قطيع مؤمن بكل ما تجود به قريحة القائد من خرائد نظرية، وإنما سعت بكل دأب دائماً لتفرض على الناس الطريقة التي يعيشون بها)..

ولاشك ان لهذا الموقف آنذاك، الذي جسده المثقفين العراقيين الحقيقيين إزاء هويتهم وبالتالي تجاه دورهم ووظيفتهم في المجتمع، أسباباً نظرية ومعرفية علاوةً على الأسباب السياسية، دفعتهم في النهاية الى أن يكون العديد منهم ضد فكرة الوحدة القسرية، أو صهر الإختلافات المجتمعية والثقافية للشعب العراقي، فضلاً عن معارضتهم للسياسات العنصرية والتمييز الطائفي والعرقي، التي كان ينتهجها النظام، خصوصاً أن أغلبمثقفي العراق كانوا يعلمون أساساً أن شروط الإنتماء الى وطن ما، أو أي بقعة جغرافية- سياسية رسمية يجتمع عليها جميع المكونات الإجتماعية للمجتمع وتشكل هويتهم، هي مرهونة دوماًبمدى تحقيق مباديء حداثية من قبيل المواطنة أولآً، ونبذ الأفكار العنصرية والطائفية السلبية، أو القوموية والشمولية ثانياً، وهذا ما لم يؤمن به قط النظام البائد، وإنما كل ما فعله طيلة سنوات حكمه في العراق كان على عكس ذلك تماماً.

ولا مراء من أن بسبب العوامل المذكورة أعلاه مجتمعةً، طرأتتدريجياً على ماهية المثقف وهويته في العراق تغيرات كبيرة، حوَلت معها حقيقة المثقف الى عبارة عن كائن محكوم عليه إما بالرضوخ الى كل ما تمليه الدولة عليه، أو الإنتماء الى واقعه السياسي وفضائه الإجتماعي المُهَدَّد من قبل الدولة!، وقد كان للخيار الأخير دعوة واضحة، هي ضرورة دفاع المثقف أولاً عن تركيبة المجتمع الفسيفسائية أمام هيمنة الدولة، ومن ثم الدعوة الى وحدة البلاد والعباد من خلال قيم ديمقراطية متمثلة في إحترام الإختلافات المجتمعية الفطرية، وهذه التحول في مفاهيم و وظائف المثقف العراقي أضفى هو الآخر بدورها على هوية المثقف طابعاً قومياً أو دينياً أو طائفياً، بحيث لم تبق معه لعبارة المثقف العراقي أي معنى فيزيائي على أرض الواقع!، وهنا أتذكر جيداً مقولة جميلة للمثقف العراقي(علي عبدالأمير) مفادها: أن شعار " نموت ويحيا الوطن " ينتمي الى فترة الإنحطاط التي أثمرت قادة وطنيين جعلوا شعوبهم خارج التاريخ..

أما أنا فأقول: من الممكن تأويل هذه المقولة على أن عراقية المثقف لا تنبع أبداً من نفي كردية المثقف أو سنيته وشيعيته مثلاً أو تركمانيته، بل العكس هو الصحيح، فالهوية القومية أو الطائفية لا تلغي في أي حال من الأحوال هويته الوطنية الرمزية، بل إنها وجه آخر من وجوهه أو بعد آخر من أبعاد هويته المركبة، ذلك لأنه كما يقول لنا السوسيولوجي الفرنسي المعاصر(الآن تورين)، "الوعي بالإنتماء الى طائفة معينة لا يتعارض مع مبدأ الحد من السلطة" والذي يعتبره( تورين) الجانب الدفاعي من وعي ديمقراطي إذا هو ساهم في تخليص الفرد من هيمنة مجتمعية وسياسية ما.

بهذا المعنى نختصر القول لنستنتج نقطة جوهرية هي بمثابة عبرة، وهي أن هوية المثقف في العراق لم تعد هي ما تحددها أو تؤطرها الدولة أو السلطة السياسية أو آيديولوجيا ما، وانما باتتالآن بل منذ عقدين على الأقل منفتحة على كافة أبعادها الديمقراطية دون التعصب لأي منها أو التفاضل السلبي بينها. وهذا هو الخيار القويم والمناسب ووالواقعي اليوم أمام المثقف العراقي في أية مراجعة نقدية حقيقية لهويته ولدوره السياسي والإجتماعي المعرفي في حاضر ومستقبل المجتمع العراقي.

بجملة، أنه محكوم عليه بالتصدي للأفكار الشمولية والدفاع عن التعددية الثقافية وطبيعة التركيبة الإجتماعية للمجتمع ومساندة التطلعات السياسية المشروعة لأي قومية أو طائفة عراقية تعرضت للقمع والإستبداد نتيجة مطالبتها بالحقوق السياسية، أو التعبير عن هوياتها المقموعة.

وأعتقد أن هذه هي الرسالة الحقيقية وذروة القيم الوطنية والإنسانية العليا للمثقف والتي لابد أن يكون حاملاً لها ومحافظاً عليها أثناء أداء واجبه الفكري والنظري، أو السياسي والإجتماعي في البلد الذي يُفترض ان يكون اليوم حاضر في تاريخ جديد وينتظر مستقبلاً أفضل.

• كاتب وأكاديمي – كُردستان العراق