قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

تعود ولادة أيام قرطاج السينمائية التي تعيش تونس على وقعها في فصل الخريف من كل عام إلى أوسط الستينات من القرن الماضي. وقتها كان النظام يواجه عزلة سياسية على المستوى العربي. فبعد الخطاب الشهير الذي ألقاه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في أريحا أمام اللاجئين الفلسطينيين، في ربيع عام1965 ، وفيه طالب بضرورة القبول بحلّ التقسيم، قطعت مصر والدول التي تدور في فلكها، علاقاتها بتونس. ولفك تلك العزلة، بادرت وزارة الثقافة التونسية التي كان على رأسها الأستاذ الشاذلي القليبي، ببعث أيام قرطاج السينمائية لاحتضان الأفلام العربية والإفريقية. وقد أشرف على تلك الأيام على مدى عقود طويلة، مثقف تونسي لامع، عارف بالسينما العالمية، هو الراحل الطاهر الشريعة-1927-2010) الذي يرقد الآن أمام البحر، في ظلّ شجرة زيتون في صيادة مسقط رأسه، بمنطقة الساحل. ولنشر الثقافة السينمائية في تونس التي كانت قد أكملت العقد الأول من استقلالها، بادر الطاهر الشريعة أيضا بتأسيس نوادي السينما لتكون فضاء ثقافيا متميزا، ومنفتحا على السينما العالمية. وفي كل أسبوع، كانت تلك النوادي تعرض أفلاما مهمة عربية، وافريقية، وعالمية. وبعد انتهاء العرض، يفتح نقاش حول الفيلم. وكان الحاضرون، جلهم من الشباب المدرسي والجامعي، يشاركون فيه بحماس كبير، طارحين قضايا ثقافية وفنية وسياسية واجتماعية ونفسية.

ولم تكتفي وزارة الثقافة بذلك، بل كانت تحرص على عرض أ فلام على الجدران في مختلف القرى النائية لتثقيف الناس، وانارة عقولهم إذ أن السينما كانت إلى جانب المسرح والموسيقى، أداة لإقناع التونسيين بأنهم باتوا يتمتعون بما يضمن لهم مكانا تحت الشمس مثل كل الشعوب الحرة والمتقدمة.

والآن وقد تقدمت بي السنّ، أشعر بحنين جارف إلى تلك الأيام، أيام الزمن الجميل الذي سمح لي أنا القادم من ريف جاف وعار أن أكتشف العالم من خلال السينما التي فتنتني منذ أن شاهدت أول فيلم في حياتي على جدار في قرية العلا حيث كنت أدرس الابتدائية. ولم يكن ذلك الفيلم سوى " صراع في الوادي " ليوسف شاهين، والذي لعب دور البطولة فيه النجمين الكبيرين فاتن حمامة وعمر الشريف. وعندما انتقلت إلى العاصمة في أواخر الستينات، ازددت اقبالا على مشاهدة الأفلام، متعرفا على مشاهير المخرجين ، وعلى نجوم كانوا يثيرون اعجاب الملايين في مختلف أركان الكون.

وكانت أيام قرطاج السينمائية تسمح لي لا بمشاهدة الأفلام فقط، بل بحضور الندوات والنقاشات التي يحضرها المخرجون والممثلون والنقاد. وبذلك كان لي شرف التحدث مباشرة مع المصريين يوسف شاهين، وأنور الشريف، وتوفيق صالح، ومع الفلسطينيين برهان علوية، وميشال خليفي، ومع السوري محمد ملص، ومع الجزائري مرزاق علواش، ومع المالي سليمان سيسي، ومع السينغالي عثمان سمبين، ومع آخرين كثيرين.

ولم تكن أيام قرطاج السينمائية تقتصر على التعريف بمختلف موجات السينما العربية والإفريقية، بل احتفت أيضا بالسينما اليابانية، والسينما الروسية، والسينما الصينية، والسينما في بلدان أمريكا اللاتينية، وبلدان شرق أوروبا. وفي كل دورة من دوراتها، تحتفي أيام قرطاج بمخرجين عالميين أمثال الإيطالي بازوليني، والياباني أكيري كوروزوا، والأمريكي جون فورد، والفرنسي فرانسوا تريفو، والسويدي انغمار برغمان، والمجري بيلا تار...

وأذكر أن أيام قرطاج السينمائية كانت بالنسبة لي، ولجميع أبناء جيلي، وللتونسيين عموما، حفلا جماهيريا هائلا، يثير البهجة والفرجة في القلوب وفي النفوس. وعلى هامشه كانت العاصمة تعيش أبهى وأجمل أيامها ولياليها. وكانت السهرات تستمر حتى الفجر في المقاهي، وفي المطاعم، وفي أروقة وصالونات الفنادق.

وبسبب الشهرة والإشعاع اللذين أصبحت تتمتع بهما، لم تعد أيام قرطاج السينمائية تنتظم مرة كل سنتين، بل مرة كل سنة. ورغم تزامنها أحيانا مع أزمات حادة على المستوى السياسي أو الاقتصادي فإنها ظلت محافظة على رونقها، وعلى شبابها، وعلى دورها في جعل السينما وسيلة أساسية لتثقيف الجمهور العريض، وتعريفه بما يجد في عالم الفن السابع، وتنويره بما يساعده على نبذ التطرف والعنف، ومده بثقافة المحبة والتسامح بين مختلف الشعوب والثقافات والأديان والمذاهب...لهذا السبب تغيض أيام قرطاج السينمائية الأصوليين الكارهين للحياة، والناشرين لثقافة الحقد والكراهية، والمحرضين على التباغض والتنابذ، والمذكّين لنيران الفتن. وخلال السنوات الماضية، قام متطرفون بالهجوم على قاعات السينما في العاصمة بهدف إفساد عروض، وترويع الجمهور. وقبل أيام قليلة من انتظام دورة خريف عام 2018، قامت شابة بتفجير نفسها بجادة الحبيب بورقيبة، القلب النابض للعاصمة، والمحتضنة لأهم التظاهرات والاحتفالات الثقافية والفنية. ولعل الذين حرضوها على ذلك كانوا يبتغون افساد الدورة إلاّ أنهم مخطئون. فما تأسس على ترسيخ ثقافة المحبة والانفتاح على الآخر القريب والبعيد، وعلى تنوير عقول الناس، لن يذبل ولن يموت...

وكم أن سعيد أن تحمل دورة أيام قرطاج السينمائية لهذه السنة اسم المثقف اللامع نجيب عياد الذي توفي قبل شهرين وهو يعد برنامجها. وأنا كنت قد تعرفت عليه غي بداية السبعينات من القرن الماضي، أي في الفترة التي كان يدرس فيها الآداب الفرنسية في الجامعة. وكان من أشد المولعين بالسينما، وبدراية واقتدار النقاشات التي كانت تنتظم في نوادي السينما، وأيضا خلال أيام قرطاج السينمائية. وفي التسعينات من القرن الماضي أصبح من أكبر المنتجين في مجال السينما، إليه يعود الفضل في ظهور العديد من الأفلام للأوضاع السياسية والاجتماعية في تونس خلال العقدين الماضيين. وبالنسبة له كانت السينما وسيلة فعالة للتثقيف والتنوير ومقاومة كل أشكال التطرف والعنف والتزمت. لذا ظل مخلصا ووفيا لها إلى أن خانه القلب من فرط الجهود المضنية التي كان يبذلها في خدمتها على أفضل صورة...

على روحه السلام.