قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

على نحو مفاجئ، دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في تصريح أخير لها، إلى ضرورة وأهمية قيام بلادها بلعب دور حاسم في حل الأزمة الليبيةوإنهاء الحرب في ذلك البلد.

تلك الدعوة التي جاءت متأخرة كثيرا حيرت المراقبين للشأن الليبي، فلماذا الآن تتحرك ألمانيا؟ وما هو الخطر القادم الذي تراه ألمانيا من استمرار الحرب بهذا الشكل وبتلك الوتيرة؟

لا شك أن سياسة ألمانيا الخارجية تبدي اهتماما كبيرا بدول جنوب المتوسط، فهي أحد روافد تغذية الهجرة غير الشرعية إلى أوربا التي تصب غالبا في ألمانيا، هذا فضلا عن ارتباط ألمانيا بعدة مشاريع اقتصادية مهمة مع كل دول جنوب المتوسط ابتداء من مصر وانتهاء بالمغرب.

إذن هذا الجنوب يعتبر بعدا استراتيجيا إلى أوربا بشكل عام وإلي ألمانيا بشكل خاص، فأي قلاقل في تلك الدول قد ترمي بظلالها على دول الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر، لهذا رأت المستشارة الألمانية أن الوقت قد حان لتدخل ألمانيا لوضع حد للحرب التي استعرت في الفترة الأخيرة مهددة بزعزعة استقرار القارة الإفريقية كلها، ومهددة للمصالح الألمانية في القارة.

الجميع يعرفون أن ثمة مخاطر كبيرة تتولد من استمرار الحرب الليبية، خاصة بعد أن انتقلت الحرب إلى حرب بالوكالة، وهذا ما حذرت منه المستشارة الألمانية، التي قالت: أن ليبيا أصبحت على وشك أن تصبح مسرحا لحرب بالوكالة بعد أن اتسع نطاق الدول التي تتدخل في الشأن الليبي.

لكن السؤال كيف ستقنع ألمانيا أطراف النزاع المتحكمين في ملف الأزمة خاصة فرنسا وإيطاليا؟.. قد يكون الدور المحايد لألمانيا هو احد أسباب قوتها في حل الأزمة، فألمانيا ليست منافسا للسياسة الفرنسية أو الإيطالية المؤججة للصراع في ليبيا، ووفق مقربون من غسان سلامة الوسيط الأممي في حل الأزمة الليبية، فهم يرون قدرة ألمانيا الكبيرة على القيام بجهود وساطة لكونها طرفا محايدا في الصراع على عكس دول أخرى مثل فرنسا وإيطاليا اللتين تتنافسان على النفوذ،ولهما مصالح تتعلق بالنفط والغاز في ليبيا! .

الدبلوماسية الألمانية لها باع طويل في حل الصراعات بشكل سري، فقد سبق وأن دخلت في وساطات ناجحة بين حزب الله وإسرائيل، وبين إيران وإسرائيل، كذلك ساهمت في حل أزمة اللاجئين في أوربا التي كانت تفاقمت بشكل غير مسبوق إثر رفض دول من أوربا الشرقية استقبال المهاجرين بعد تدهور الأوضاع في سوريا، ولعبت ألمانيا دورا كبيرا في عقد مفاوضات صعبة مع تركيا واليونان للحد من تلك الهجرة، ومن ثم أوقفت مبيعات الأسلحة إلى السعودية إبان إندلاع الحرب اليمنية فجاء كل ذلك في صالح الدبلوماسية الألمانية، وعزز من دورها في فض النزاعات الدولية.

معروف أيضا عن السياسة الخارجية الألمانية بأنها سياسة إطفاء الحرائق، وهي تهتم أكثر بالمصالح وعقد الصفقات الاقتصادية، وهي سياسة مبنية على معطيات تهم المصالح الألمانية الأوربية، وفي الحالة الليبية ستهم ليبيا أيضا، خاصة وأن تصريحات ميركل تزامنت مع تراجع في الصادرات الألمانية، وهو الأمر الذي بدأ يسبب قلقا للشركات الألمانية التي تريد فتح أسواق جديدة لها، ولن يحدث ذلك إلا بانخفاض حدة التوترات العالمية.

الأمر سيصبح سهلا في المصالحة الليبية إذا استطاعت ألمانيا عقد تفاهم بين إيطاليا وفرنسا، فكلاهما تتنافسان بشدة من اجل مصالحهما الذاتية، وهو أحد أسباب إطالة أمد الحرب، فالدولتان تتنافسان سياسيا واقتصاديا على حساب الليبين، فكلاهما يضع نصب عينية على النفط الليبي، والصراع يدورعلى اشده بين شركتي البترول ايني الإيطالية وتوتال الفرنسية على بسط النفوذ على مساحات اكبر من التراب الليبي، أما من الناحية السياسية ففي الوقت الذي تسعي إيطاليا فيه إلى إقامة قاعدة عسكرية للمساعدة في الحد من الهجرة عبر الحدود الجنوبية فإن فرنسا تسعى إلى ربط وجودها بليبيا بالوجود العسكري لها في تشاد والنيجر المتاخمتان للحدود الليبية، وهو أمر جيوسياسي فعال لآنه سيعزز القوة العسكرية الفرنسية بشكل كبير في القارة الإفريقية.

إيطاليا المستعمر السابق لليبيا تري أن ليبيا تقع في نطاق نفوذها في عرف التقسيمات السياسة غير المعلنة، لذلك يحتدم الصراع بين البلدين بشكل غير مسبوق، في حين أن ماكرون كان قد فشل في ايجاد حل للأزمة بعد أن دعا لمؤتمر اتفق فيه الرفقاء الأعداء في ليبيا على ضرورة إجراء انتخابات مبكرة لكن لم يتم شئ منه حتي الآن!!

الحل الوحيد وفق ما تراه ألمانيا يكمن في عقد مؤتمر دولي يحضره اللاعبون الأساسيون مع تكثيف الضغط على فرنسا وايطاليا من اجل إنجاح هذا المؤتمر، ومن ثم عدم اللف والدوران، ووجود مكاشفة حقيقية بين أطراف الصراع لحل الأزمة من أجل صالح الجميع، وقد تكون أهم الآليات قبل عقد هذا المؤتمر هو تطبيق حظر السلاح، وبذل جهود حقيقية لوقف إطلاق النار، وتهيئة الظروف لاحقا لاجتماع فرقاء الأزمة الليبية .

معروف أن الأزمة الليبية بدأت منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011 عندما تدخل حلف الناتو بشكل مباشر وقصف موكب القذافي مما أدى إلي مقتله بعد أن وقع في أيدي أعدائه، ومرت منذ ذلك الوقت ليبيا بأزمات مستفحلة وانقسامات حادة، ومنذ الرابع من أبريل الماضي تصاعدت العمليات العسكرية ووقعت اشتباكات عنيفة على تخوم العاصمة وفي أطرافها بين قوات الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر وقوات حكومة الوفاق الوطني الذي يرأسها فايز السراج.