قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا أعرف لماذا خطر في بالي وأنا في طريقي إلى قرية "العالوك"، قريتي التي أخذت إسمها هذا منذ سنوات بعيدة من غابات شجر البلوط الـ (أورك) المحيطة بها والتي اعتدت أن أذهب إليها كل جمعة لأرتاح من صخب المدينة ومن زعيق الباعة وضجيج السيارات.. أقول لا أعرف لماذا خطر في بالي بيت الشعر، الذي جاء في قصيدة المتنبي الشهيرة التي هجا فيها كافور الأخشيدي قبل نحو ألف عام، وحيث قال فيه:

نامت نواطير مصر عن ثعالبها

فقد بَشِمنَ ولم تفن العناقيدُ

وبالطبع فإن مصر المقصودة هنا ليست مصر هذا الزمان وإنما مصر الأخشيدية قبل نحو ألف عام يوم كان حاكمها كافور الأخشيدي الذي هجاه "المتنبّي" في قصيدته هذه المشار إليها والتي أغلب الظن أنها هي سبب مقتله بعدما غادر أرض الكنانة قاصدا بلاد الرافدين وليس ما جاء في بعض الروايات وبعض الكتب المدرسية.

كنت في الليلة الماضية قد أجريت حواراً هامساً مع نفسي استعرضت فيه أموراً كثيرة من بينها كل هذه المآسي والويلات التي تحلُّ في الدول العربية ومن بينها الكثير من المتغيرات والتغييرات التي تشهدها بعض هذه الدول، وحيث كان الأردنيون قد استقبلوا قبل ساعات قليلة التعديلات التي أجريت على الحكومة "الرزّازية" بفرح غامر وصل إلى حد شدِّ شعر رؤوسهم و"قدِّ جيوبهم".

لقد قلت لنفسي وأنا أردّد بيت شعر المتنبي هذا:

نامَت نواطيرُ مِصرَ عن ثعالِبها

وقد بَشِمنَ ولم تفن العناقيدُ

ياليت "المتنبي" بقي حياً ليرى أن "عناقيدنا" قد فنيت كلها منذ سنوات باتت بعيدة وأن "نواطيرنا" قد حلّوا محل ثعالبنا وأنهم أكلوا الأخضر واليابس وأن لا الثعالب قد بشمْنَ ولا "النواطير" قد شبعوا واكتفوا بما التهموه وأن شاعر الأمة العربية لو أستعاده هذا الزمان ولو للحظة واحدة لكان أحلّ السيف محلّ الكلام واستبدل قوافي قصيدته برماح الجوعى

وأبناء السبيل الذين لم تترك لهم الثعالب والنواطير شيئاً يطردون به المسْغبة عن أنفسهم!

والمشكلة أن بعض شعراء هذه المرحلة الكئيبة والمخجلة وليس كلهم بالطبع لم يتذكّروا "المتنبي" ولا قصيدته العظيمة هذه ولا بيت شعره الخالد هذا وأنهم أصبحوا هم أنفسهم الثعالب وأكلوا العناقيد كلها وكرسوا كل "أشعارهم" وقصيدهم ونشيدهم لتمجيد "نواطير" بلدانهم ودولهم وأيضا لتمجيد "نواطير" بلدان غيرهم.. إن هناك الآن "نواطير" أسوأ من كافور الأخشيدي بألف مرة وأن بلادنا حفظها الله باتت الثعالب تسرح وتمرح فيها بالطول والعرض وهي قد التهمت العناقيد كلها ولم تبقِ ولا حتى عنقوداً واحداً.. آخ يا ويلتاه!!