قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كتب كثيرة صدرت حول علاقة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر(1917-1970) غير أن الكتاب الذي احتوى على حوار مسهب أجراه الروائي يوسف القعيد مع الصحافي الكبير حسنين هيكل ،يظّل مرجعا أساسيّا في هذا المجال.وليس هذه بالأمر الغريب.فقد كان حسنين هيكل فاعلا أساسيّا في القرارات التي كان يتّخذها عبد الناصر في جميع المجالات، خصوصا في المجال السياسي والثقافي.وكان عارفا بأسرار الدولة ،ومؤسّساتها،وأجهزتها الخفيّة.وكانت مقالته الأسبوعيّة في "الأهرام" قادرة على أن تهزّ الرأي العام من المحيط الى الخليج مثل أيّ أغنية من أغاني "كوكب الشرق"،أم كلثوم.وعلينا ألاّ ننسى أن هيكل هو الذي أدخل أصحاب العقول الكبيرة من المثقفين المصريين من أمثال توفيق الحكيم،ويوسف ادريس،ونجيب محفوظ،ولويس عوض الى مؤسسة "الأهرام".كما أنه تمكّن في الأوقات الأشدّ قتامة أن يدفع شرّ أجهزة المخابرات على هذا أو ذاك من بعض المثقفين المناوئين للنظام الناصري.

وأول ما نستخلصه من قراءتنا للكتاب المذكور هو أن محمد حسنين هيكل لم يغيّر موقفه ولو قيد أنملة من صديقه الرئيس الراحل عبد الناصر.بل ظلّ دائم الوفاء له،ومدافعا شرسا عن مواقفه،وعن سياسته رغم ثبوت خسرانها، وتعدد أخطائها.وعندما سأله يوسف القعيد عن حرب حزبران-يونيو- 1967،تحاشى هيكل الخوض في تفاصيلها،واقتصر على الحديث عن الجماهير الغفيرة التي استقبلت عبد الناصر في الخرطوم بعد الهزيمة المذكورة بوقت وجيز، ورفعت سيارته على الأكتاف.فلكأن هيكل يريد أن يقنعنا أن تلك الرومانسية الشعبوية، رومانسية الجماهير التي دوّختها الشعارات الجوفاء لتصبح غافلة عن وجودها،وعن سيرورة التاريخ ، قادرة لوحدها أن تداوي الجراح العميقة والمؤلمة التي خلّفتها تلك الهزيمة النكراء.

وفي الكتاب يصف هيكل الرئيس عبد الناصر بأنه كان "عسكريّا واعيا ،وصاحب رؤية إستراتيجيّة ".لهذا كان قادرا حسب رأيه أن "يستوعب الكثير من الأمور المختلفة .وكانت له القدرة على فهم واستيعاب جوهر الأشياء".وأعتقد أن هذا الكلام مبالغ فيه الى حد كبير إذ أن نقطة الضعف عند عبد الناصر هو أنه لم يكن صاحب رؤية إستراتيجيّة .ولو كانت له مثل هذه الرؤية لجنّب بلاده،والعالم العربي برمته هزيمة مرة،ولما رمى بنظامه في أحضان المعسكر الاشتراكي بزعامة ما كان يسمّى بالاتحاد السوفياتي بمثلل تلك السهولة،ولتحاشى تلك العلاقات المتشنجة مع الدول الغربية،ومع الولايات المتحدة الأمريكية في عزّ "الحرب الباردة"،ولما تدخّل في الشؤون الداخليّة لما كان يصفها"ّالدول العربية الرجعية".

وبشأن الموضوع الأساسي لذي انصب عليه حوار يوسف القعيد مع هيكل ،يجدر بنا التوقف عند بعض النقاط الهامة والجوهرية .وقد سعى هيكل تبرير سياسة الرئيس عبد الناصر تجاه الثقافة والمثقفين، مُركزا على بعض الجوانب الإيجابية في تلك السياسة.وهو يقول مثلا بإن "الرّيس" كان قارئا جيّدا،وأن قراءته لقصة "مدينتان" للروائي البريطاني شارل ديكنز جعلته يرفض اعدام الملك فاروق، مُخيرا إرساله الى المنفى ذلك أن "الدم يفضي الى مزيد من الدم".كما أنه-أي عبد الناصر-كان يحرص على متابعة كلّ ما يكتبه المثقفون والكتاب المرموقون في مصر، وخارج مصر. وكان يكنّ ودّا كبيرا لتوفيق الحكيم الذي كان قد قرأ له "عودة الروح" قبل ثورة يوليو-تموز 1952،والذي سيكتب عنه بعد رحيله كتابه الشهير"عودة الوعي".

ويشير هيكل أيضا إلى ان عبد الناصر هو الذي وافق على مواصلة نشر كتاب توفيق الحكيم "بنك القلق" مسلسلا في "الأهرام" رغم أن المشير عامر كان قد اعتبره مسيئا للنظام، وللمخابرات المصرية تحديدا.كما أنه عاضد نجيب محفوظ لمّا شنّ عليه شيوخ الأزهر حملات شعواء إثر نشره أجزاء من روايته"أولاد حارتنا".ويؤكد لنا هيكل أ الرئيس عبد الناصر ظلّ يحترم ويقدّر كل من د.طه حسين،وعباس محمود العقاد رغم أنهما تعاونا مع النظام الملكي الذي أطاح به .لذا يمكن القول أن الفترة الناصرية لم تكن بحسب رأيه فترة عصيبة بالنسبة للثقافة والمثقفين،وأن عددا مهما منهم أنتجوا أعمالهم من دون أن يتعرضوا الى قلاقل.

مع ذلك ثمة حقائق غفل هيكل عن ذكرها،أو تجاهلها ،أو مرّ عليها مرور الكرام.وأول هذه الحقائق هي أن نظام عبد الناصر لم يكن رحيما بالمثقفين.كما انه كان يتعامل مع الثقافة من زاوية ايديولوجية ونفعية تماما مثلما هو الحال بالنسبة للأنظمة الشمولية.فالثقافة عنده لا بدّ أن تخدم سياسته،وأغراضه ،وأهدافه.فإن حادت عن ذلك ووجهت بالعنف والشدة.والأمثلة على ذلك كثيرة.ففي حملة "التطهير" التي أعقبت ثورة يوليو-تموز-1952،والتي كان الهدف منها القضاء على رموز النظام الملكي المطاح به،وقعت تجاوزات خطيرة أضرّت بالثقافة وبالمثقفين .وبسبب ذلك فقدت مصر العديد من مثقفيها،وأكاديمييها المرموقين بدعوى أنهم "رجعيّون"، ومكانهم جيء بالانتهازيين ،وبأنصاف الجهلة، وبأولئك الذين لا يتقنون غير التملق ليحتلوا المناصب العليا في الجامعات والمؤسسات الثقافية الكبيرة.ويذكر الراحل عبد الرحمان بدوي في سيرته أن المناصب الرفيعة داخل الجامعات المصرية صارت خلال الحقبة الناصرية حكرا على عملاء المخابرات ،والخدم الطيعين للنظام"، ولم يعد أحد يعيّن في أيّ منصب من المناصب المذكورة الاّ عندما توافق عليه أجهزة المخابرات .وبسبب تلك الطرق التعسفيّة التي إنتهجها عبد الناصر، فسد التعليم في الجامعات، وفي المدارس، وشهد مستواه تدنّيا لم يسبق له مثيل.

ومنتقدا سياسة عبد الناصر ،قال الروائي الكبير نجيب محفوظ:”لقد كانت أخطاء عبد الناصر كثيرة،ولكن خطأه الأكبر الذي أثار غضبي عليه هو أنه أضاع فرصة تاريخيّة نادرة لينقل مصر نقلة حضارية هائلة أشبه بما حدث في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية .كانت الظروف مهيّأة له ،وكلّنا نأمل منه الكثير الذي نتمنى تحقيقه على يديه،ولكنه أضاع الفرصة بمعاركه الكثيرة التي خاضها".ويضيف صاحب "ملحمة الحرافيش"قائلا:”والحقيقة أن مبادئ ثورة يوليو وأهدافها انسانية عظيمة وكلنا حلم بها وتمناها كلّ المصريّين.لكن ما حدث هو أن الثوّار لم يكونوا على مستوى الثورة ومبادئها".

وصحيح أن النظام الناصري لم "يعاقب" عملاقي عصر النهضة ،أعني بذلك د.طه حسين،وعباس محمود العقاد بسبب علاقتهما بالنظام الملكي ، غير أنه تعامل معهما بجفاء واضح مرة، وخفيّ مرة أخرى.ومبررا ذلك يقول هيكل في حواره مع يوسف القعيد بإنه لمّا قامت ثورة يوليو ،كان دور د.طه حسين وعباس محمود العقاد والجيل الذي اليه ينتميان قد إنتهى!.وهذا كلام غير مقبول على الإطلاق.فعندما قامت الثورة المذكورة كان د.طه حسين ،والعقاد في أوج عطائهما.وبعد الثورة عاشا وقتا طويلا قدّما خلاله أعمالا وخدمات جليلة للثقافة المصرية والعربية .

والشيء المؤكد أن النظام الناصري بحكم طبيعته المعادية عداء مطلقا للديمقراطية ،وللحرية ظلّ ينظر الى د.طه حسين والعقاد وإلى مثقفين آخرين من صنفهما من زاوية واحدة، زاوية التعامل مع النظام الذي أطاحت به ثورة يوليو،متجاهلا الدور الطلائعي الهائل الذي لعبوه من أجل نهضة ثقافية وفكريّة شاملة بهدف ترسيخ أسس صلبة ومتينة لعصر جديد ينتصر فيه التنوير والحرية ،والتقدم والتطور.ثم كيف يسمح عبد الناصرلنظامه بمحاسبة الآخرين بسبب علاقتهم بالنظام القديم في أنه حين يعلم جيدا هو ورفاقه أنهم كانوا ضباطا كبارا في جيشه؟؟.ثم هل يمكن أن ننسى المئات من المثقفين والمبدعين والفنانين التقدميين وغير التقدميين الذين ألقي بهم في السجون بمقتضى أحكام جائرة،وبسبب مواقفهم،وأفكارهم المتعارضة مع توجهات النظام الناصري،أو منتقدة له ليمضوا في الزنازين ،وفي المحتشدات الرهيبة سنوات طويلة ذاقوا خلالها ألوانا من العذاب والإهانات،بل أن البعض منهم قضى تحت عصيّ وهراوات الجلاّدين!.ثم هل يكفي أن يعاضد عبد الناصر نشر رواية"أولاد حارتنا" ،أو أن يقلد وسام "النيل" لطه حسين،وأن يستقبل سارتر وسيمون دو بوفوار لكي تتم تبرئة نظامه من كلّ الجرائم التي ارتكبها في حقّ الثقافة والمثقفين؟؟

ويتباهى هيكل بأن عبد الناصر كان "أسطورة" .لذا فإن ألسنة البعض من الشعراء والكتاب من أمثال صلاح عبد الصبور،كان تنعقد في حضرته،فلا تستعيد قدرتها على الكلام الاّ عندما ينتهي اللقاء معه.ورأيي ليس على هذه الصورة .فالشاعر لا يخاف الأسطورة ولا يخشاها لأنه صانعها ،ومبتكرها ،وانما هو يخشى ويخاف الديكتاتور والحاكم المستبد لأنه يعلم جيّدا أن القلم ليس بإمكانه أن يعادل السيف.وظني أن الذين إنعقدت ألسنتهم في حضرة عبد الناصر لم تكن بسبب كونه "أسطورة"،وانما لأنهم كانوا يعلمون أن زلّة لسان واحدة قد يدفعون ثمنها غاليا!

ويحاول هيكل أن يوهمنا بأن عبد الناصر كان رجلا متواضعا ،يكره عبادة الشخص،ويمقت المتزلفين من الكتاب والفنانين الذين كانوا يكتبون أو يغنّون لتمجيده والاعلاء من شأنه.غير أن هناك أشياء كثيرة تتناقض مع مثل هذا الكلام.والتاريخ يقول لنا بإن عبد الناصر لم يكن يستمع الاّ لمن لا يعارضه في رأي،أو فكرة ،وأنه لم يفعل أي شيء لتعطيل حركة أولائك الذين كانوا يتسابقون ،بل يتقاتلون للتقرب منه ومن نظامه.وربما لهذا السبب إندثرت الناصرية حال رحيل صاحبها،ولم يتبقّ منها ما يمكن ان يضمن لها شرعيّة الوجود ،والتواصل مع التاريخ ومع الحياة.