قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الرأي لا يتجاوز مسألة التصديق الذي يعي عدم كفايته ذاتياً وموضوعياً تِبعاً لوصف الفيلسوف الألماني كانط. ونحنُ مهما بذلنا من جُهد لتصويب آراءنا، أو جعلها عملية على أقل تقدير، فلن نجد وسيلة تمنحنا القيام بذلك سوى "التجربة". فالرأي الذي تصوت عليه الغالبية أو الرأي الواحد (الاستبدادي)، هو في نهاية الأمر تصديق يبتعد عن أية موضوعية، لأن التجربة لم تُسعفه، أو بعبارة أخرى لم يسبق إخضاعه إليها، وبالتالي لن تظهر نتائج ذلك التصديق إلا بالتجربة وحدها. لكن حتى وإن أتت نتائج الآراء متطابقة مع الغايات فيما بعد، تظل مع ذلك مستندة إلى درجات عالية من التهور والمغالاة في قدرات العقل.

وبحسب الوقائع التاريخية بالإضافة إلى الكثير من الممارسات الراهنة، فإن السياسات والأنظمة التي استندت إلى "الرأي" معزولاً عن التجربة، باعتبار أن الأول كان وما يزال خليقاً بالتطبيق المُباشر دونما فحص، قد خلًف من الكوارث والمشكلات ما كُنا في غنىً عنه لو جرى حقاً إخضاع معظم أنظمتنا وسياساتنا للتجريب والفحص قبل إثبات مشروعيتها العبثية. فالاشتراكية التي نادت بالمساواة وتوزيع الثروة بالعدل بين الجميع، وإلغاء الطبقية الاجتماعية، كانت بلا شك تحمل مبادئ غاية في ذاتها، وتستحق الوقوف تقديراً لها، لكن سرعان ما أثبتت "التجربة" قصورها، وأدرك أصحابها عدم مقدرتها على الصمود في الواقع. وهذا لا يختلف في مضمونه عن الآراء الدينية التي امتلأت بها صفحات التاريخ القديم والحديث، والتي ترتأي بأن السعادة الأبدية لن توجد ولا يمكن لها الوجود إلا بإتباع منهجاً واحداً واستبعاد ما سواه، وهو خيال محض ساقه "الرأي"، وسرعان ما سطرت "التجربة" كوارثه الدامية.

ومعظم الأنظمة السياسية (الحزبية) والرؤى الاقتصادية التي استندت إلى رأي أصحابها بمعزلٍ عن كل تجربة، لم تقِل هي الأخرى ضراوةً في نتائجها. فالتهور الأمريكي في عام 2003 المستنِد إلى الرأي القائل بأن إسقاط النظام سوف يُنهي الأزمة العراقية، خلًف آلاف الضحايا الأبرياء الذين لم يطلبوا سوى العيش فحسب. كما بدد آمال معظم الأمريكان أنفسهم الذين صرحوا فيما بعد بالانسياق لذلك الرأي رغماً عنهم، لكن بعد فوات الأوان!

وفي الحقل الاقتصادي الذي من المُفترض أن يحترس زعمائه ومنظروه من الانزلاق في مغبات "الرأي" بفضل اعتماد هذا الحقل على الاستقصاء والتجارب، تظهر الكثير من التوجهات المستندة "للرأي" والتي تخونها التجربة لاحقاً. فسياسات الحد الأدنى للأجور، وتثبيت أسعار السلع، وفرض الضرائب على منتجات انتقائية ودعم قطاعات دون غيرها وما إلى ذلك، لا تكون بالضرورة صالحة للطرح في أي وقت. إذ أن فرض سياسات اقتصادية مُلاءمة لوضع اقتصادي بعينه وفق ظروفه المحددة، قد ينجم عند تبني السياسات ذاتها في بيئة اقتصادية مختلفة وفقاً لظروف مختلفة أيضاً، أضراراً تكلف الكثير عند محاولة تلافيها وعلاجها بعد أن تُصبِح تجربة.

إذن لابد للتجربة أن تقوم بتصويب آراءنا، ولكن لضِعف أمد ذاكرتنا العاطفية، فإننا ننسى كل الدروس التي من الواجب ألا تُنسى. فنحنُ ننجرف خلف آراء غير موضوعية سبق وأن أعطتنا التجربة سيلاً من دروسها. وظناً مِنا بأن الرأي المُتفق غالباً عليه هو الأقرب للصواب، ومع عجزنا في إخضاعه للتجربة، فإننا نعاود ارتكاب الأخطاء نفسها.

لعل من المنصِف القول بأن الآراء التي تُشكِل مواضيع تهمنا لا يُمكن إخضاع جميعها للتجربة، فهذا معقول جداً، لكن ماذا عن تلك المواضيع التي سبق وأن ساقت لنا التجارب بطلانها وزيفها؟ وفي مختلف الحقول التي تهم مصالحنا المعيشية!

لكن أليس من المعقول كذلك بأن المغالاة في تقدير تفسيرات العقل (الرأي) قد أفرزت الاعتقاد بأن التجربة يجب أن تكون لاحقة لا سابقة لمشروعية الرأي، وأنه لابد للمجتمع أن يقدم أعداداً ضخمة من الضحايا وحقول التجارب لآراء لا تستند إلا لخيال أصحابها، والذي نتيجةً له يظهر كم هائل من الآراء القاصرة، والتي في حقيقتها تخشى التجربة كميدان للفحص وإظهار محدوديتها؟

إذن من المنصِف تجاه أنفسنا أن نعترف بأن "الرأي" يبقى رأياً يجب أن نعي عدم صدقه موضوعياً، وبالتالي من الإجحاف بحق غيرنا أن نحاول إسقاط آراءنا وتمثيلها كأنظمة وسياسات على المواضيع التي تمس مصالحهم ومعيشتهم.