قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في العشرين من شهر فبراير من هذا العام، رحل عن الدنيا جان دانيال عن سن تناهز مائة عام. وهو واحد من ألمع المثقفين والصحافيين الذين عرفتهم فرنسا في النصف الثاني من القرن العشرين، وفي العقدين الأولين من الألفية الجديدة. وكان قد احتفل بعيد ميلاده يوم 21 تموز -يوليو 2015، بمرور 95 عاما على ميلاده في "البليدة" قرب الجزائر العاصمة.. ورغم تقدمه في السن،ظل يتمتع بالحيوية وبالصفاء الذهن، مواظبا على كتابة افتتاحياته الأسبوعية في مجلة "لونوفالأوبسارفتور" (أصبحت تسمى :لوبس) التي أنشأها في الستينات من القرن الماضي لتكون الى حد الآن واحدة من أرقى المجلات الفرنسية الجامعة بين السياسة والثقافة. كما أنه لم ينقطع عن المشاركة بجديته المعروفة في الجدل القائم في فرنسا حول مختلف القضايا، محافظا على لغته البديعة، وعلى أسلوبه الرفيع. وفي كل ما يكتب تتجلى ثقافته الواسعة، ومعرفته الدقيقة بالتاريخ وبالفلسفة والعلوم الإجتماعية وبالآداب الإنسانية في مختلف العصور. كما تتجلى فيها حنكته السياسية. وليس ذلك بالأمر الغريب .فقد التقى هذا الرجل الذي اخترق القرن العشرين، و وعقدين من الألفية الجديدة بمشاهير الزعماء السياسيين في الغرب والشرق، بل وكان صديقا للبعض منهم من أمثال الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، والعاهل المغربي الحسن الثاني، والزعيم الجزائري أحمد بن بلة،وآخرين. وكانت يرتبط بعلاقات وثيقة بكبار الفلاسفة والكتاب خصوصا بألبير كامو الذي ولد مثله في الجزائر.لذلك لم يتردّد في الوقوف الى جانبه في فترة احتدام المعارك بينه وبين جان بول سارتر.

وينتمي جان دانيال الى عائلة يهوديّة متواضعة. وكان والده الذي كان يرأس مجلس بلدية "البليدة" يتباهى بانتمائه الى الثقافة المتوسطية مظهرا نوعا من النفور من الهوية اليهودية، ورافضا ممارسة الشعائر الدينيّة. وفي سنوات المراهقة، دأب جان دانيال على قراءة المجلة الأسبوعية "فاندردي"(الجمعة) التي كانت تعكس أفكار وأطروحات اليسار الإشتراكي. وتحت تأثير ذلك، أصبح يعتقد أن ما كان يسمى بالإتحاد السوفياتي يمثّل "جنة على وجه الأرض”. في الآن نفسه، كان يقبل على قراءة مؤلفات الكاتب الكبير أندريه جيد . لكن بعد أن قرأ كتاب هذا الأخير "العودة من الاتحاد السوفياتي" الذي فضح فيه الوجه البشع لاشتراكية ستالين، ولسياسته القمعية تجاه المعارضين، ،كفّ جان دانيال عن اظهار اعجابه بالماركسية، وعن قراءة الكتب المدافعة عن الإشتراكيةبحسب مفهومها الماركسي -اللينيني. غير أن كلّ هذا لم يمنعه من الانتصار للبرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي للجبهة الشعبية التي حكمت فرنسا في أوساط الثلاثينات من القرن الماضي، لكن لفترة قصيرة للغاية !

وفي جامعة الجزائر، انتسب جان دانيال الى حلقة أطلقت على نفسها اسم :”أصدقاء مجلة أسبري”(الفكر).وكان يرأس تحرير هذه المجلة الفيلسوف ايمانويل مونييه(١1905-1950) الذي كان يدعو إلى ضرورة بلورة فلسفة انسانية سمّاها "الشخصانيّة" بهدف السعي الى "معالجة أزمة الإنسان في القرن العشرين، ومواجهة الفوضى التي حدثت في الغرب بسبب تنامي النازية في المانيا، والفاشية في ايطاليا، وبروز انحرافات ستالين. وعند اندلاع الحرب الكونية الثانية، انضم جان دانيال الى حركة المقامة الفرنسيّة بزعامة الجنرال ديغول ليساهم في تحرير الجزائر العاصمة من الاحتلال النازي، ممهدا لدخول الجيش الأمريكي إليها. وفي نهاية الحرب، عاد لمواصلة دراسته في جامعة السربون العريقة في قسم الفلسفة. في الآن نفسه عمل في مكتب رئيس البرلمان .كما شغل وظائف أخرى ساعدته على التعرف على خفايا السياسة الفرنسية الجديدة، وعلى الشخصيّات الفاعلة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر. غير أنه لم يلبث أن اكتشف أن العمل في المجال السياسي لن يكون مفيدا له، بل قد يفسد مسيرته الثقافية والفكرية. لذلك تعلقت همته بتأسيس مجلة أسبوعية كان الهدف منها "تثقيف الجماهير العريضة"، و"تعريفها بالتوجهات السياسية والفكرية في فرنسا وفي العالم. وقد أطلق على هذه المجلة اسم"كاليبان" فاتحا صفحاتها لكل التيارات التي كانت تنشط في فرنسا آنذاك. وفي هذا الفترة تعرف على ألبير كامو، ومعه ارتبط بعلاقة صداقة وثيقة. وبسبب الضغوطات المادية التي كانت تزداد استفحالا يوما بعد يوم ،توقفت المجلة المذكورة عن الصدور وذلك عام 1952.

وقبل ذلك ،وتحديدا في شهر ديسمبر عام 1947،أصدر جان دانيال بيانا أمضاه مشاهير المفكرين والكتاب من أمثال جان بول سارتر، وايمانويل مونييه، وجان-ماري دومناش، ومارلو بونتي للمطالبة بحيادية أوروبا في الصراع الدائر بين القطبين الكبيرين الذين برزا للوجود في نهاية الحرب الكونية الثانية، أي الولايات المتحدة الأمريكية وما كان يسمى بالإتحاد السوفياتي. وعند اندلاع الحرب التحريرية الجزائرية ،أرسل الى جبهة القتال من قبل مجلة "الاكسبريس" ليكتب مقالات مساندة لنضال الشعب الجزائري من أجل الإستقلال، منددا بعمليات التعذيب الوحشية التي كان يمارسها الجيش الفرنسي ضدّ المناضلين الجزائريين، ومُظهرا ميلا لأطروحات الزعيم الإشتراكي منداس فرانس الذي سيمنح استقلال تونس الداخلي في صيف عام 1954. وبسبب مواقفه المدافعة عن حرية الشعوب في تقرير مصيرها، حوكم جان دانيال مرتين بتهمة المس من أمن الدولة. كما صودرت بعض اعداد مجلة "الاكسبريس" بسبب مقالاته. وأما المناهضون لاستقلال الجزائر فقد هددوه بالقتل. وعند اندلاع حرب مدينة بنزرت التونسية في صيف عام 1961 ، انطلق دانيال الى تونس ليكون على جبهة القتال. وبعد مرور يوم واحد على وصوله الى هناك، أصيب بجرح بليغ كاد يؤدي الى وفاته.

انطلاقا من مطلع الستينات من القرن الماضي، أصبح جان دانيال صحافيا عالميا يشهد له بالكفاءة وبالمقدرة العالية. وفي هذه الفترة، أجرى حوارات مسهبة مع شخصيّات سياسية عالمية من امثال الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي، والزعيم الكوبي فيدال كاسترو. وللمحافظة على استقلاليته الفكرية والسياسية، سارع بتأسيس مجلة "لونوفال اوبسارفتور" التي ساهمت في اذكاء الجدل في فرنسا حول القضايا الكبيرة والحارقة التي تشغل الرأي العام الفرنسي والعالمي. ومن خلالها عبر عن مواقفه الشجاعة تجاه النزعات العالمية، وتحديدا تجاه الصراع الإسرائيلي -الفلسطيني مطالبا بضرورة نشوء دوبة فلسطينية مستقلة ،ومنددا في كل مرة بسياسة الحكومات الإسرائيلية التي تقوم على العنف وعلى الترهيب وعلى حرمان الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره.

ومعرفا بالفلسفة التي يعتمد عليها لتوجيه حياته، وبلورة أفكاره، كتب جان دانيال يقول :”أنا أنتسب الى تقليد يقوم على الشك والتعقيد. وكان مونتاني وجيد يمتلكان التعقيد الخصب والمفيد، والميل الى الشك، والتعلق بالتردد. بل أن جيد ذهب الى حدّ القول :”أنا أنطق بجملة غير أنني لا أمضي الى نهايتها خشية أن أشكّ في الحقيقة التي كنت قد أطلقتها في بدايتها". لكن يوجد نوع من العقوق في التعقيد. فطالما نحن لم نلمّ بمختلف جوانب مشكلة معيّنة، نحن نظلّ عاجزين عن الخوض فيه. وممارسة الصحافة التي تناضل ضدّ زمن ممنوح ، يسهّل الكاريكاتور، واطلاق اللعنات والاتهامات. والضرورة القصوى في التوضيح التي تحتاجها مهنة الصحافي تقود أحيانا الى التبسيط ،أي الى تجنب التعقيد".

ومتحدثا عن صديقه ألبير كامو، كتب جان دانيال يقول:”لوقت طويل دافعت عن ألبير كامو في وحدة كبيرة أمام الانتلجنسيا المنتمية الى الماركسية الجديدة ،حتى من دون أن أشير الى الاحتقار الذي كانت تظهره نحوه البورجوازية الأدبية اليمينية. وقد وجدتّ لدى كامو فكرا صلبا وحساسية مرهفة لكي أشحن نفسي منهما باستمرار .وعندما يقول كامو في الخطاب الذي ألقاه في الاحتفال الذي أقيم على شرفه بمناسبة حصوله على جائزة نوبل للآداب في ديسمبر عام 1957:”أنا لا أرغب في اعادة تشكيل العالم، بل أرغب فقط في منع من يعملون على تخريبه وتفكيكه". أو عندما يستشهد بقولة سيمون فايل في الحرب الأهلية الإسبانية :”في كلّ مرة ترفع فيها الأسلحة باسم العادلة، نكون قد وضعنا قدما في الظلم". وكان كامو هو الذي ساعدني على انتهاج اخلاق راديكالية ضد العنف الذي يستهدف المدنيين حتى ولو تم ذلك ردّا على عنف سابق. وأنا معه أيضا عندما يقول بإنه"اصلاحي راديكالي". وهذا يعني:عليّ أن أذهب الى نهاية عملية اصلاحية معيّنة قبل أن يتحوّل الإتفاق الى تساهل ومهادنة".

وفي الفترة التي شهدت فيها فرنسا انقلاب العديد من مثقفيها الكبار على اليسار، كتب جان دانيال يقول :”إذاما أنا أشدّد راهنا على أني سأظل يساريا دائما، وعلى التنديد بمن ينفضّون عن اليسار، كما لو أنه تقليعة من تقليعات الموضة، أو لباسا معيّنا، فلأنني أعتقد اعتقادا راسخا بأن اليسار مفعم بطموحات المساواة، بل يمكنني أن أقول بإنه "عاطفي". نحن نراكم أشكالا عديدة من الحنين تجاه أزمنة الإيمان بمستقبل أفضل وبأيام أسعد.واليوم نحن لم نر من قبل أبدا أناسا جد أشقياء لكنهم يبدون مع ذلك قادرين على منحنا شيئا من الأمل. غير أني لست يساريا فقط كمثقف يحن الى العائلة ، بل كطفل مناضل .والشيء الذي يثيرني ويغضبني في عالم اليوم هو الإهانة في كل المجالات. والنضال ضد الإهانة لا يتطلب منّا معارف معيّنة، بل اليقظة الدائمة والمستمرة على اليسار أن يبتكر قيما أخرى لكي يواجه المستجدات والتحولات الجديدة".

برحيل جان دانيال تكون فرنسا قد فقدت آخر عمالقة الصحافة الحرة والفكر المستنير في عالم أصبح مهددا بظلاميات من صنف جديد... ظلاميات زمن ما يسمى بثورة وسائل الاتصال الجديدة.