ما بين آلامنا وجراحنا الراعفة ، علينا ان نعي ونعرف اسباب موتنا البطيء في (الإقليم المديون باستمرار والموغل في العجز بلا توقف)(1 ) حتى ولو كان سردها مؤلماً وقاسياً .
ان قصة واقعنا اليوم في إقليم كوردستان تشبه نظريّة " خضّ شوال الفئران " , تلك النظريّة التي تكشف اسباب سكوت الشعب تجاه ما يحدث في الإقليم نتيجة السياسات الفاشلة للحكومات المحلية المتعاقبة منذ 1992 إلى اليوم .
فتعالوا في هذه الوقفة السريعة ان نقرأ القصة و نتعلم منها ونبحث ونتدارس مغزاها ودلالاتها.
يحكى أن مهندساً زراعياً كان يعمل فى إحدى قرى الصعيد فى مصر، ركب القطار فى طريقه إلى القاهرة، وجلس بجانبه فلاح مسن من أهالى القرية، لاحظ المهندس أن بين قدمى الفلاح كيساً (شوال)، وخلال الطريق كان الفلاح يقلب الكيس، ويخلط محتوياته كل ربع ساعة، ثم يعيد تثبيته بين قدميه، واستمر على هذا الحال طيلة الطريق.
استغرب المهندس الزراعى تصرف الفلاح،فسأله بفضول : ما قصة هذا الكيس ولماذا تقلبه وتهزه بين فينة واخرى ؟
أسند الفلاح ظهره إلى المقعد، وقال بهدوء يحسد عليه: أنا أقوم باصطياد الجرذان والفئران وأبيعها وأوردها إلى المركز القومى للبحوث بالقاهرة, ليستخدموها فى التجارب المخبرية.
وتابع الفلاح بهدوء : هذا الكيس فيه جرذان وفئران، ولو تركت الكيس من دون تقليب وهزّ لأكثر من ربع ساعة ستشعر الجرذان والفئران بالراحة والاستقرار,ولن يطول الوقت حتى يبدأ كل واحد منهم بقضم الشوال ومن ثم ثقبه وحينها ستكون كارثة ، لذلك أهزّه كل ربع ساعة كى أثير خوفهم وتوترهم، فتنشغل الفئران بالعراك مع بعضها منساقة بغرائزها وتنسى الشوال ريثما أصِل إلى مركز البحوث.( انتهى القصة )
وبعد ان استمعتوا إلى قصة الفلاح الصعيدى , عليكم ان تفكروا معي : اليس ما يحدث لنا فى إقليم كوردستان منذ عام 1991 ولحد كتابة هذه الكلمات ,هو تطبيق لنظريّة خضّ الشوال ؟
للإجابة على هذا السؤال علينا أن نعود قليلاً إلى الوراء، وذلك لنبين الحقيقة كما هي ونضع النقاط على الحروف وندع القاريء ان يفكر ويجب على السؤال المطروح اعلاه في مداخلته .
نفق مُظلم وموت بطيء : ـ
بعد انتفاضة اذار 1991 وانسحاب النظام الصدامي عسكريًا وسياسيًا من خلال سحب موظفيها المدنيين من منطقة كوردستان , اصبح المنطقة مستقلة ذاتيًا بحكم الواقع ـ de facto ـ ومحمية من قبل المجتمع الدولي . وأصبح للإقليم 13% من عوائد النفط العراقي وفقًا للقرارات الدولية وفي إطار برنامج النفط مقابل الغذاء.
وبدل ان تقوم القيادة الكوردية باعادة اعمار ما خلفته النظام البعثي الفاشي في مختلف الميادين , والنهوض بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في جميع انحاء كوردستان , قاموا بتقسيم كوردستان إلى إدارتين متحاربتين يتولى أحدهما الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاخرى الاتحاد الوطني الكوردستاني .
والاكثر من هذا , جرت الاستعانة من قبل الاخوة الاعداء في السليمانية واربيل بالقوى المعادية من خارج الإقليم لتبديل موازين القوى .اذ استعان الاتحاد الوطني بالدعم العسكري الإيراني , واستعانى الديمقراطي الكوردستاني بالدعم العسكري الصدامي .
وهكذا , بعد مرور سنوات على انتفاضة اذار والمكتسبات التي حققها الشعب بفضل تضحياته الجسام , ادخلوا الإقليم في نفق مظلم بسبب المصالح الحزبية والصراع على السلطة والنفوذ بين الاخوة الاعداء, طبعاً بدعم الاطراف الإقليمية (تركيا وإيران ) والمساعي التخريبية للنظام البعثي الفاشي .
ومنذ ذلك الحين, اصبح حال الشعب كحال (كالفئران الموجودة فى شوال الفلاح الصعيدى).
فكلما بدأ الشعب يتعافى من الصدمة التي اصابتة جراء ما آلت إلية الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية , تقوم القيادات الكوردية بتطبيق نظريّة خضّ الشوال و خلق ازمات مفتعلة , ليشغلوا الشعب عن فسادهم وتخبطهم وفشلهم في إدارة الإقليم من جهة ، و لإبقاء قبضتها قوية وغير متراخية لحكم الشعب من جهة ثانية .
وعلى هذا الحال والمنوال ما أن يقوم الشعب من أزمة مفتعلة الا ويقع في أزمة أخرى , بحيث يظل دائماً يلهث وراء لقمة العيش بعد أن دمرته السياسات الاقتصادية الفاشلة والصراعات الحزبية المقيتة ، وأسلمته للفقر والجوع وهشاشة القانون وشبح الفساد والبطالة والغلاء المعيشي , وهو اي الشعب ينتظر بفارغ الصبر موعد توزيع الرواتب المستقطعة و المساعدات والشفقة من هذا و ذاك ، وينشغل بسياسة خضّ الشوال :( الاقتتال الداخلي , تاخير واستقطاع الرواتب , البطالة , تفشي الفقر, ارتفاع اسعار الوقود , انقطاع الكهرباء والماء ,تفشي ظاهرة المخدارات , الغلاء المعيشي , انعدام الخدمات الصحية , زيادة الديون المترتبة عليه ..والخ ) .
اخيراً ..
استمرهذا الوضع ثلاثين عاماً بالكمال والتمام، نعم ثلاثون عاماً مضت ونحن ننشغل كحال الفئران في الشوال الفلاح الصعيدي وننسى النضال الحقيقي للخروج من الشوال .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أكد رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني في 5 نشرين الاول 2020 , ان إقليم كوردستان مديون بـ( 27 ) مليار دولار . وفي 29 حزيران 2021 قال سكرتير مجلس الوزراء امانج رحيم خلال رده على استفسارات اعضاء برلمان كوردستان ان : الديون المترتبة على ذمة حكومة إقليم كوردستان ارتفعت ووصلت إلى 31 مليار و 637 مليون دولار . إذا قمنا بتقسيم هذه الديون على عدد سكان الإقليم سيكون دين كل فرد والطفل حين يولد اكثر من 5 مليون دولار للخارج وللمصارف المحلية والشركات النفطية !









التعليقات