هناك العديد من النصوص الدينية من القرآن والسنة النبوية لن يستطيع الإنسان المؤمن فهمها بشكل كامل ويعطيها حقها من الإشباع دون أن تكون لديه خلفية فلسفية، لذلك نجد أن العديد من الفلاسفة المسلمين وعلى رأسهم الفيلسوف الكندي كانوا يرون وجوب تعلم الفلسفة.

بل إن الله حثَّ على إعمال العقل في كل شيء ومن ضمنها إعمال العقل في النصوص الدينية، الله يريد الإنسان الباحث عن الحق، لذلك لم يعتب الله على إبراهيم عليه السلام عندما أراد براهين مادية تدل على وجود الله تتلاشى معها جميع الظنون والأفكار، الله لا يريد إنساناً بإيمان مُزيَّف، لأن هذا النوع من الإيمان يخلق شخصيات منافقة ويقود غالباً إلى الإلحاد.

سأضرب مثال بحديث معروف ومشهور لإيضاح مدى أهمية الفلسفة في فتح الآفاق لفهم النص الديني بصورة أوسع وأشمل وأكثر عمقاً، يقول عليه الصلاة والسلام (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه مالم يصب دماً حراماً)، هذا الحديث عندما ننظر إليه نظرة دينية خالصة سنرى أنه يدل على تجريم القتل والعقوبة العظيمة المترتبة عليه في الدنيا والآخرة. لكن لو أطلنا التأمل في هذا الحديث سنستخلص منه العديد من الرسائل الفلسفية والنفسية والاجتماعية، منها: أن الإنسان لا يزال بخير، لا تزال الدنيا جميلة وواسعة، باب الله مفتوح ورحمته لا حصر لها، كل المشكلات لها حلول، مالم يرتكب هذا الإنسان جريمة قتل.

وهذا الحديث يوضح أهمية الحياة وقيمة الإنسان، إلى درجة أن تديُّن الإنسان وأعماله الصالحة جميعها تسقط عند إراقة دم بريء!

قد يقول أحدهم: هل القرآن الكريم والأحاديث النبوية قاصرة وناقصة حتى نلجأ إلى الفلسفة؟

بالتأكيد ليس الأمر كذلك، فكل مسلم يعلم أن القرآن الكريم هو كلام الله المعصوم، والأحاديث النبوية الصحيحة المنسجمة مع روح القرآن والتي تقبلها الفطرة السليمة، نؤمن بها وبما ورد فيها. لكن بعد أن برزت تيارات مختلفة ومتنوعة في تاريخنا الإسلامي حتى عصرنا هذا، بين من يرى تعطيل العقل في النصوص الدينية، ومن يرى الاكتفاء بالقرآن والسنة ورفض كل ما سواهما، ومذاهب أخرى متطرفة ترى أن الحياة لا تكون إلا للمسلم...إلخ؛ من هنا أصبحت الفلسفة ضرورة يجب أن تكون جنباً إلى جنب مع الكتب الدينية، وهذا الأمر لا يتعلق بدينٍ معين، بل جميع الأديان والمذاهب خصوصاً في ميدان التعليم تستلزم وجود الفلسفة بأدواتها ومناهجها والتي من خلالها ستتلاشى ثقافة التلقين بتعلم النقد والمناقشة والنظر وارتفاع مستوى الوعي، وبالتالي تقل حدة الخلافات بإداراك وجود اختلافات طبيعية بين بني البشر، فلا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة وكل شيء خاضع للنسبية. وبالفلسفة يصل الفرد إلى مرحلة يلتمس فيها الأعذار لكل من يختلف معه، ومن دون الفلسفة سيبقى النص الديني يحكم الفرد في رؤيته وتصرفاته مع الآخر ويصبح منقاداً بذلك النص ولو أودى به أو بغيره إلى الهلاك! سيبقى الشيعي يرى أن السني خارج عن الإسلام، والسني يرى أن الشيعي منحرف ومبتدع، والمسيحي واليهودي والهندوسي...إلخ، وجميعهم يمتلكون نصوص دينية، لذا فإن الفلسفة ليست ترفاً أو خيار إنما ضرورة وإجبار.