قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

رغم إننا مع مبدأ تشجيع أي خطوات أو مبادرات عراقية بإتجاه إحتواء التحديات التي تواجهه من كل مكان وفي كل أزمان، إلا إننا نعتبر أنه من واجبنا أيضاً أن نُذَكّر المسؤولين في البلد بأن ثمة تحديات حقيقية ذات طابع بنيوي لايمكن مواجهتها بهذه بسهولة كما نتخيل، أو من خلال تنظيم بعض المناسبات المعنوية كالمؤتمرات والقِمَم، أو الحصول على تعهدات ووعود سياسية لا أحد يعلم كيف ستُتَرجم على أرض الواقع!، لاسيما مع التجارب المريرة التي مر بها العراق منذ سقوط النظام البائد الى يومنا هذا.

من التحديات التي نعتبرها بنيوية وغير قابلة للتغيير على المدى القريب، هو التحدي الجيوسياسي Geopolitical challenge، ونعني بها إكراهات قدرية الموقع الجغرافي السياسي للعراق، الذي تحيط به دول إقليمية متعددة أظهرت لنا التجارب الماضية والحية بأن بعض منها- إن لم نقل معظمها!- لا تريد الإستقرار للعراق بصيغته العراقية الخالصة للأسف أو كما يتطلعون اليه أبناء هذا البلد، وأنما تتدخل هذه الدول دوماً في شؤون العراق الداخلية بشتى الأشكال، وتستغل التمايزات المجتمعية والهويات الثقافية للبلد لتحقيق أجنداتها السياسية والإقتصادية الخاصة بها، وكل مرة بمسوغات ضمنية أو مُفارقات مواقفية، هي إما إدعاء الدفاع عن هوية طائفية أو عرقية ما، أو الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً!.

ومع السوسيولوجي الفرنسي الإيراني "فرهاد خسرو خافار" يمكننا أن نستدل على ذلك بمثال، يفيد:" أن صحراء كربلاء والمدن المقدسة، كالكوفة والنجف والشام كانت ولاتزال تمثل جزءاً مكملاً للمتخيل الإيراني.

كما وأن كثرة الحديث المخادع للأتراك عن المكون التركماني وحقوقه، أو مشاركتها في تحرير الموصل من الداعش، لاتأتي، هي الأخرى، إلا من منطق ادعاءات تاريخية خاصة بالموصل وكركوك، أي المدينتين اللتين لم تغيبا، على حد قول الباحث التركي، بولند آراس، عن المخيلة الوطنية التركية.

ومعلوم لنا أن هذا التحدي الجيوسياسي الذي يشكل تهديداً دائماً لإستقرار العراق وهويته كدولة مسؤولة عن إدارة تعددياتها الثقافية والمجتمعية، لم يطرأ عليه أي تغيير بتَغَيُّر حكومات وأنظمة الدول التي تحيط بالعراق، وأنما ظل ولا يزال تحدياً قائماً وسارياً بحيث أقل ما يستوجب على العراقيين فعله، هو توخي الحيطة والحذر منه في كل الأوقات والأزمان، ذلك لأن الحاجات والمصالح السياسية والإقتصادية، أو الهواجس الأمنية والثقافية ليست هي وحدها التي تحدد مسار سياسات ومواقف تلك الدول المحيطة بالعراق، وإنما ثمة أسباب بنيوية حقيقية تحرك ذلك المسار وتوجهه، وذلك كله من خلال إستثمار الواقع الجيوسياسي للدولة العراقية ولضرب هذه الأخيرة ضمنياً وعلانيةً!.