قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يُعرّف العنف ضد الأطفال بأنه إساءة معاملة الطفل، وهو الفرد الذي لم يتجاوز عمره 18 عاما، وذلك بتعريضه للعنف الجسدي، أو الايذاء النفسي، أو الإهمال، أو الاعتداء الجنسي، من قبل أفراد الأسرة، أو أفراد آخرين في المجتمع، أو في بيئة مؤسسيّة أو تعليمية، وقد يكون الشخص المعتدي على الطفل شخصاً بالغا أو قاصرا.

تعتبر الأسرة في الدين الإسلامي بمثابة المدرسة الأولى للطفل، ولذا فإن على الوالدين أن يهيئا الأجواء المناسبة في محيط الأسرة لتنمية الطفل جسديا وعقليا وروحيا ونفسيا تنمية صحيحة. وقد جاءت النصوص الدينية لتؤكد المسئولية العظمى للوالدين في تربية الأطفال، وتسدي إليهم النصائح المفيدة في هذا المجال. روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: إن الله عز وجل ليس يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان.

ويرفض الإسلام رفضا قاطعا أن يتوقف دور الأبوين بالنسبة إلى الطفل عند حد إنجابه وتغذية جسمه فقط، وإنما يتجاوز ذلك فيجعل عليهما مسؤولية تنمية شخصيته الإنسانية المتكاملة والسليمة عن طريق التربية الصحيحة. فليست تربية الأطفال تربية صحيحة واجبا إنسانيا فحسب، بل إنها – أولا وقبل كل شيء – فريضة دينية مقدسة، وواجب شرعي لا يمكن إهماله وتخطيه. وها هو الإمام "علي بن الحسين، زين العابدين (ع) يقول في رسالته الشهيرة المعروفة برسالة الحقوق: "وأما حق ولدك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، ومعاقب على الإساءة إليه". وأنا أتساءل هنا: هل هناك إساءة أكبر للطفل الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه من إيذائه جسديا ونفسيا من أقرب الناس إليه؟

نحن دائما نعتقد أن حماية الأطفال هي من مسؤولية الوالدين، وهذا هو الواجب، ولكن الدراسات التي تطرقت إلى موضوع العنف ضد الأطفال في العالم العربي تشير – للأسف الشديد – إلى أن العنف الجسدي الذي يتعرض له الأطفال غالبا ما يأتي من الآباء، بينما التحرش الجنسي يأتي غالبا من الأقرباء (الأعمام والأخوال). ولا أزال أتذكر قصة ذاك الطفل البريء الذي تعرض للتحرش الجنسي من قبل "عمه"، حينما كان في زيارته الأسبوعية لأبيه – كون الوالدين منفصلين عن بعضهما – وحين رفعت الأم القضية إلى القضاء، ورغم الإثبات الطبي، فإن الأب تنازل عن القضية خوفا من اتهامه بالإهمال في المحافظة على الطفل، ومن ثم حرمانه من الزيارة الأسبوعية، وكذلك ليتستر على تصرف أخيه المنحرف أخلاقيا، وربما للانتقام من الأم التي طلبت الطلاق وحصلت عليه.

في الدول المتحضرة التي تحترم حقوق الإنسان، إذا لاحظ المعلم أو المعلمة أن الطفل (ولدا أو بنتا) به كدمات أو خدوش في وجهه أو أي جزء من جسمه، أو يعاني من الشرود وعدم التركيز، يحول هذا الطفل إلى الاختصاصي الاجتماعي والنفسي في المدرسة لمعرفة السبب، وقد يدعى الوالدان للتحقيق معهما في حالة الاشتباه في تعرض الطفل لإيذاء جسدي أو نفسي، وفي حالة الإنكار يبقى الطفل تحت المراقبة في المدرسة. وإذا تكررت الحالة وواصل الوالدان الإنكار يتم الضغط على أحدهما، وخصوصا الأم، التي قد تعترف في النهاية بتعرض الطفل للإيذاء الجسدي من قبل الأب في أغلب الأحيان، حينها يستدعى الأب ويوبخ، وإذا واصل الأب الاعتداء على طفله ترفع عليه دعوى قضائية ويحرم من حضانة الطفل. وفي حال انفصال الزوجين يقرر القاضي لمن تؤول حضانة الطفل بعد دراسة الحالة النفسية والصحية والاجتماعية والمالية لكلا الوالدين، وفي حالة عدم صلاحية كل منهما تؤول حضانة الطفل إلى الدولة من خلال دور الرعاية. يعتبر الاعتداء الجسدي أو الجنسي على الأطفال والقصر في هذه المجتمعات المتحضرة من الجرائم الكبيرة، وقد يصل الحكم فيها إلى السجن المؤبد.

إن ظاهرة العنف الجسدي والجنسي على الأطفال في المجتمعات العربية والإسلامية هي في صعود، وما يصل منها الى القضاء إلا أقل القليل، فأغلب الحالات لا يكشف الأهل عنها خوفا مما يسمونه الفضيحة، وحماية الأقرباء المعتدين على حساب هؤلاء الأطفال الأبرياء الذين يبقون يعانون فترات طويلة إما بسبب إصابات وعاهات مستديمة، وإما جروحا نفسية عميقة يصعب علاجها نتيجة تعرضهم لسوء المعاملة في سنوات عمرهم المبكرة. القاضي في الدول المتحضرة يضع نصب عينيه مصلحة الطفل وحقوقه أولا وقبل كل شيء، وهذا ما يشدد عليه الدين الإسلامي. أما في المجتمعات العربية والإسلامية فتعطى الأولوية لما يطلقون عليه الأمن الاجتماعي، وأغلب الأحكام التي يصدرها القضاة في هذا الشأن لا تتناسب وحجم الجرائم المرتكبة بحق الأطفال.

إن الإسلام يولي اهتماما خاصا بالطفل، وتدعو توجيهاته الى حمايته منذ تكوينه في رحم أمه، مرورا بولادته وحضانته ورعايته وتأهيله حتى مرحلة الشباب والفتوة، ولكن الهوة واسعة جدا بين المثالية والواقع. وينبغي ألا نكتفي بأن تكون قيمنا رائعة، وإنما المطلوب أن يكون واقعنا رائعا أيضا وهو الأهم.