وجعٌ أبيض يوقظُ الحزن الدّفين
مرارةٌ وأسًى أشعر بهما كطعمٍ في فمي
يا الله ما أشدّ تفاهة الدّنيا
وما أتعس جبروت الإنسان..
أفديه كلّما مرّ ببالي طيفه وهو يتشكّل على هيئة نسيان
أو بقايا إنسان
بلا ذاكرة
بلا بيتٍ للحنين دافئ
بلا جراحات
كومةُ نسيان


كطفلٍ بنى بيت أحلامٍ ثمّ لم يكبر بعد ذلك أبدًا…
أفديه وهو يتسرّب من أنفاسي
ثمّ يعود فيختبئ في قفصي الصدري
أفديه وهو ينهشني ببطء كلما تراءت لي ابتسامة والدي..!
يجتاحني الحزن كرئةٍ يتيمة..
تحاول أن تقبض على آخر شهيق لها..
ولكنّ الدموع تبتلعها فتجهشُ بالحزن والوحدة!


اختناق رهيب يوقظ عقلي وقلبي وتاريخ والدي من سباتٍ عميق.
رغم مشاهدتي لذات المشهد إلا أنه أوجعني مرّةً أخرى حينما أرسله لي أحد الإخوة بكلمات خالد الفيصل وصوت محمد عبده في لحنِ يمزّق نياط القلب .
يختصر الحياة في مشهد قصير!
كيف لممثّل أن يكون حقيقيًّا في وجعه الى هذه الدرجة؟
من غير عادل إمام يستطيع أن يكون سفيرًا لبكائنا من محاجره؟!
إنها رحمة الله التي تتجسّد في صورة ابتلاء كالزهايمر..
حتى الفنّان سعيد صالح رحمه الله المصاب بال زهايمر أدّى دوره ببراعةٍ غير عادية ربّما دون أن يشعر أنّه يمثّل .


أشاهد هذا المقطع وتعتصرني صورة والدي الذي كان سيّد المجالس وربّان اللقاءات وشيخ الحوارات ثم أراه الآن حبيس الفراش،والآلام؛طفلًا نقيًّا تتهاوى ذاكرته أمام عيني كل يوم، كنبع سخيّ جفّت معابره وانحسرت قطراته الأخيرة..
كجبلٍ أحنى ظهرَه المرض، وأوهى جسدَه الزمن..


أقف أمامه مجروح الأنا، مكسور الخاطر، مذبوح الخيال، زاهدًا بهذه الدنيا الدنيّة التي ينقلب فيها كلّ شيء

ناشدتك الله يا أبي،
ناولني ذاكرتك الطاهرة،
دعني أسافر في شتات الذكريات،
علني أجدك وأنت على عرش مجدك،
وأنا حول قدميك أمرح في الجنان،


أنّبني يا أبي
ثمّ احتضن وجعي
نزفي طويل لا يؤويه غيرك
وأنا متعبٌ حدّ الصمت…
حدّ احتباس الصوت!
حدّ انكسار الدمع وجفاف المحاجر
أحتاج أن أعود الى رياض حكمتك وظلّ نصحك


أحتاجك وأنت تمسح عن ذاكرتي تفاصيل الوجع كلّه
أحتاج أن أخبرك ما بي
أن أشكو إليك كيف جار الزمان عليّ
كيف خذلني بعض صحبي
كيف تحوّلت الألسنة الى سيوف
والقلوب الى أحجار
أحتاج أن أفضي إليك أمري
لعلّ الجمر واللهيب يبرد قليلًا
يكفيني أن تذكر أنّ لك ابنًا يحيا فيك
ويعيش على وجهك ورضاك ..


كم كنت كلّما ضاق بي فضائي أتمنى لو أنني أصبت بالزهايمر بدلًا منك
لو أنّ ذاكرة الخذلان والخيبة تمحى من ذاكرتي ووجدي
فأغرق في عطف أبوّتك وجنّة عينيك
أحتاج أن أبكي بين يديك وأن أنسى!
النسيان في كثير من الأحيان نعمة
وحين نرى الزهايمر نعمة فنحن بدأنا نذكر كل شيء!

سبحان ربّي حين قال:
{وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ}..



سبحان الله …
سعة رحمته .. كيف يضعها حيث لا يخطر على بال امرئٍ يومًا،
تقدّس ذكره كيف يهذّبنا بالبلاء، ويبتلينا بالنعم والمرض وتقلّب الحال، لنرى عزّ الشباب ينقلب بطرفة عين الى وهن الشيخوخة، ولكي نلمس هوان هذه الدنيا وتفاهتها ..


لنرى تبدّل الحال بين يومٍ وآخر فيَشْرَع أَمامَ نُفوسنا مسرحُ الحياةِ لِيُرِينا مشْهدًا مِن روائعِ أحداثه وحكمته …
ما يُضفي إلى أعيننا عبرات الحسرة
كدمعةٍ إنسانيّة اهتدى مرساها عند مصداقها التوأم …..



وإلى عقولنا إنكارًا وحكمةً من حوادثِ الزمنِ التي تُشعِلُ في الحشا نورًا وهّاجًا عند أولي الألباب..!!
ثمّ ماذا؟
هل سنعلّق حبال لهفتنا على كلّ هذا الوهم؟
هل سنبقى معلّقين بأطراف الحياة الواهية تقذفنا كلّما تقلّبت، وترمينا إذا ما أدبرت؟!
!!؟؟
{ومن نعمّره ننكّسه في الخلق،أفلا يعقلون}