قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أطلق نائب عراقي سابق ومحلل سياسي حالي لقب (غاندي العراق) على مقتدى الصدر، ودعاه إلى مواصلة اعتصامه حتى تحرير العراق، ليس من 2003 وإلى اليوم، بل من 1958 وإلى اليوم. ودافعُه إلى ذلك طائفيٌ صرف. وذلك لاعتقاده الذي يجاهر به بأن مقتدى قد انقلب على إيران، ولن يعود إلى أحضانها ثانية، وبالتالي فإنه سينتصر على وكلائها العراقيين، وإذا ما انتصر فسوف يوافق على منح حلفائه (السنة) حرية إقامة الإقليم المستقل. ويروج صاحبنا المحل السياسي، منذ زمن طويل، لفكرة قيام اتحاد كونفدرالي مع حكومة أربيل، تحت قيادة مسعود البرزاني، وبرعاية أمريكا وتركيا وإسرائيل.
وإذا كان حقاً مشروعا لمواطن المحافظات السنية أن يسعى للتحرر من ظلم الفصائل المسلحة الطائفية وابتزازها واعتداءاتها على كرامته وحريته ورزق عياله، فليس من حقه أن يقابل الطائفية بالطائفية، والحقد الأعمى بالحقد الأعمى، وبالسعي إلى الانفصال والارتماء في الأحضان الموبوءة والمشؤومة، بدل الإيمان الحقيقي الراسخ بدولة المواطنة والعدل والمساواة وسلطة القانون.
طبعا، غاندي الهندي الأصلي لم يكن صاحب مليشيا، كما لم يكن صانع رؤساء وزارات ووزراء وسفراء وقادة عسكريين، منذ 2005 وحتى اليوم. ولم يكن له وكلاء يديرون له مكاتبه التجارية ومنافذه الحدودية ووزاراته الخدمية ومؤسساته التي كانت وما زالت من حصته الثابتة في عهود حكومات المحاصصة كلها.
وفيما يخص الصراع الدائر اليوم بين مقتدى وخصمه الشخصي، نوري المالكي، فإن ما ظنَّه زميلنا المحلل السياسي صراعاً بين حقٍ وباطل، وبين هويةٍ وطنية عراقية وتبعية، وبين نزاهةٍ وفساد، محضُ خيال.
فالثابت والموثق أن أمريكا، بإداراتها الديمقراطية والجمهورية، وحكومات الاتحاد الأوربي الفاعلة، ومعها إسرائيل، لا تريد من إيران غير التوقف عن سعيها لحيازة سلاح نووي، مقابل غض الطرف عن جميع أنشطتها العدوانية في المنطقة، وإطلاق يدها في العراق، واستمرارها في احتلاله وابتزازه، أرضا وسماءً ومياهاً، بشرا وحجراً، حتى لو قتلت نصف الشعب العراقي، وأفقرت نصفه الآخر، ونهبت موارده، وجعلت وطنه خرابة.
ويغيب عن بال زميلنا المحلل المُبشِّر بغاندي العراق أنَّ الصراع الجاري بين مقتدى ونوري المالكي، أو بين التيار والإطار، هو صراع الإخوة الأعداء داخل البيت الشيعي الواحد، ولكن تحت بصَر (أبيهم) وسمعه، وضمن الحدود المقررة. ومن غير المسموح لواحدٍ من هؤلاء أو من هؤلاء أن يتجرأ على مغادرة خيمة ولاية الفقيه، بأي حال من الأحوال.
يقول المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، للصحفيين، والذي أعلن فيه أن "بلاده تتجنب التدخل في الشأن العراقي"، ثم دعا القوى السياسية العراقية الى الإسراع بتشكيل "حكومة شاملة، والتمسك بالدستور العام للعراق".
ثم قال إن "نحن ننظر الى العراق كدولة واحدة، واستقرار هذا البلد مهم جدا بالنسبة لنا". و"في ضوء الاستقرار السياسي تتحقق التنمية الاقتصادية والتنمية الاقتصادية، على حد سواء، وستكون هناك إمكانية لتطوير العلاقات الاقتصادية مع إيران أكثر مما كانت عليه في الماضي".
إذن، فإيران، دون شك، وبصراحة، لا ترى في الصراع المحتدم بين التيار والإطار خطرا على مصالحها الحيوية ووجودها الاحتلالي في العراق، لا من قريب ولا من بعيد. وعليه فلا مانع لديها من ترك (أولادها) يتصارعون ويتخالفون ويتشاكسون، إلى أن تقرر هي نهايةَ اللعبة، وفي الوقت المناسب الذي تحدّده وتراه.
كما أن إيران الحرس الثوري المتأهب لغزو العراق عند الضرورة لن تسمح لـ (أولادها) العراقيين، لا اليوم ولا غداً ولا بعد عمر طويل، بأن يتقاتلوا بسلاح خفيف أو ثقيل، لأن في ذلك إضعافا لنفوذها في العراق.
وغداً، حين يقرر الباب العالي في طهران أن تتوقف لعبة جر الحبل بين الصدريين والإطاريين، سيعود كلُ مجاهد صدري أو إطاري، فجأة، إلى منزله بصمت وهدوء، وتعود الأمور إلى سابق عهدها، دون تعديل ولا تبديل من أي نوع ومن أي لون.
شيء آخر. إن (غاندي العراق) المدجج بسلاح سرايا السلام، وبالمال والسلطة، والقادر على إطعام أتباعه المعتصمين في مبنى مجلس النواب لحمَ الغزال والسمك المسكوف والخراف، والسامح لهم بالأراكيل والطهي واللعب والحلاقة واللطم، قد جعل من اعتصام أتباعه المخلصين رحلةَ سمر ومرح وتغيير جو، حتى لو عطلوا حياة وطنٍ دون خوف ولا حياء.
ويتذكر شبابُ الانتفاضة التشرينية، باندهاش، وهم يراقبون إقامة الصدريين الدائمة داخل المنطقة الخضراء وحول مبنى البرلمان، يوم حاولوا الاقتراب، ذات مرة في العام 2019، من بوابة المنطقة الخضراء، فداهمتهم قوات الحكومة والفصائل المسلحة والطرف الثالث المجهول بالهراوات وخراطيم المياه الساخنة والسياط، ثم بالرصاص الحي والكواتم، فاستشهد منهم العشرات، وجُرح المئات، ولم يتمكنوا من الاقتراب من البوابة سوى أمتار.
وهم، اليوم، عاتبون على مقتدى. لأنه، بالصيغة التي اختارها لمحاربة الفساد، قد أغلق عليهم سبيل الانتفاضة الجديدة المنتظرة، خصوصا وأن الغضب الشعبي المختزن في كل منزل عراقي، في جنوب الوطن ووسطه وشماله، شرقه وغربه، قد بلغ أقصى مدَياته، وأصبح قابلا للاشتعال في أية لحظة.
ترى لو سمح غاندي العراق بعودة نوري المالكي إلى قيادة السلطة التنفيذية، بكل تاريخه المثقل بالجرائم الطائفية، وبالكراهية والتبعية والفساد، وبتلفيق الملفات، وتزوير الشهادات، فضمَّ تياره الصدري إلى جموع الشعب العراقي المتحرِّق شوقا إلى اجتثاث الفساد والفاسدين، وإقامة النظام الديمقراطي الحقيقي الآمن العادل العاقل المستقل، أما كانت الدنيا، اليوم، قد أصبحت غير الدنيا، والوطن غير الوطن، وإن كره الكارهون؟.
سؤال، هل يعقل أن يكون العراقيون أقلَّ رجولة وأصالة وشجاعة وصلابة من التوانسة الذين قالوا وفعلوا، واختاروا النظام الذي يشاؤون، وأجبروا دول الجوار وحكومات العالم الخاجية، كلها، على احترام هذه الإرادة؟.