قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من يتابع المحللين والمعلقين والمذيعين في الفضائيات العراقية والعربية الذين راهنوا على قدرة مقتدى الصدر على طرد إيران من العراق وتحرير القرار العراقي وتجريد الفصائل المسلحة من سلاحها يجدههم محبطين غاضبين نادمين على نهاية بطلهم مقتدى وتياره، ومنزعجين بنجاح الحرس الثوري في إعادة الساعة إلى الوراء، إلى ما قبل انتخابات العام الماضي.

فقد عادوا، أخيران، واعترفوا بأن إيران هي الآمرة الناهية في العراق، وبأنها لن تسمح لقوة معادية أو معارضة، شيعية أو سنية أو كردية، بانتزاع السلطة من أولادها العراقيين، بأي ثمن.

طيب، ألم تكونوا تعرفون هذه الحقيقية من قبل؟، وما كان قد منعكم حث التياريين على ترضية التشرينيين، وإقناعهم بالعفو عن أخطاء الماضي الأسود بحقهم، وضمه إلى انتفاضتهم الجديدة التي لا يوجد غيرها لكسر إرادة الحرس الثوري، وإعادة السلطة إلى الشعب ليطرد الولائيين، ويحيل القتلة منهم وأصحاب السوابق إلى القضاء؟.

بتاريخ 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أي في أعقاب الانتخابات بشهر واحد فقط كتبت في (العرب) اللندنية قائلا،

إن ذهاب مقتدى الصدر إلى أعلى سقوف مطالبه التعجيزية في معاركه اللغوية على النفوذ مع خصومه وإخوته الولائيين الخاسرين في انتخابات 2021 لا يدل على حنكة سياسية، ولن يقود إلى نتيجة تساعد على تفادي العراق للانسداد الكامل الذي لا خروج منه، وقد يطول ويطول، وقد تصاحبه صدامات دامية لا يعرف أحدٌ حجمها أو مقدار خسائر الشعب العراقي من تداعياتها.

فإيران، وهي صاحبة الأمر والنهي في العراق من الآن وإلى أمدٍ بعيد مع الأسف الشديد، لن تسمح بحكومة (وطنية) تُفصَّل على مقاس طموحات مقتدى أو غيره تقوم بحلّ الفصائل المسلحة وتصفية الحشد الشعبي من العناصر غير المنضبطة، وتفعيل قانون من أين لك هذا، ودعوة الراغبين في المشاركة بالحكومة من الخاسرين في الانتخابات إلى تطهير أحزابهم من المتهمين بالفساد.

ورغم أنها لا تريد أي تصعيد في هذه المرحلة في مواجهة الهزة العراقية الأخيرة المباغتة التي كشفت عن حجم النقمة الشعبية على أحزابها وعلى تدخلها في تفاصيل الشأن العراقي الخاص، إلا أنها أيضا وفي الوقت نفسه لن تسمح بتصفية أذرعها المسلحة تحت أي ظرف، وبأية ذريعة.

ولكن زيارة إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني بقصد التهيئة لامتصاص الصدمة تمكنت من لجم أعوانها الذين لجأوا، فور اكتشافهم الخسارة المجلجلة، إلى العنف والاغتيال والتهديد بحرق الأخضر واليابس، وجعلتهم يتصاغرون ويتراجعون ويلجأون إلى الاحتيال، ويحاولون الالتفاف على نتائج الانتخابات لاستعادة مواقعهم في السلطة القادمة من خلال توزيع أدوار في ما بينهم، واقتراح الحلول التي يتوهمون بأنها قد تنجح في استعادة مقتدى، وإجباره على الانقلاب على وعوده النارية، والعودة إلى البيت الشيعي بخُفّيْ حُنين.

ومن تلك المحاولات الساذجة التي ولدت ميتة مقترحاتُ عمار الحكيم التي دعا فيها إلى "إلغاء قانون الانتخابات الحالي، وإلغاء مفوضية الانتخابات، والأجهزة الإلكترونية، والتعامل بالفرز اليدوي، وإجراء انتخابات مبكرة بعد سنتين، بالإضافة إلى اختيار رئيس وزراء توافقي، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على الحشد الشعبي، وعدم المساس به أو بقانونه، وتشكيل مجلس استشاري سياسي يكون من مهامه رسمُ القرار السياسي".

وكما كان متوقعا، فقد استخف بها التيار الصدري، على الفور، على لسان رياض المسعودي القيادي في التيار. ثم تطوع مقتدى الصدر ورد على ذلك بنفسه بخطاب تلفزيوني من مقره في مدينة النجف خاطب فيه خصومه الخاسرين قائلا "عليكم أن تراجعوا أنفسكم لتعيدوا ثقة الشعب بكم مستقبلا، وإن ما تقومون به حاليا سيضيع تاريخكم ويزيد من نفور الشعب منكم، وفي حال أردتم الاشتراك بتشكيل الحكومة فعليكم محاسبة المنتمي". ودعاهم إلى قطع كل العلاقات الخارجية مع بلدان الخارج بما يحفظ للعراق هيبته وعدم التدخل بشؤون دول الجوار.

إذن، فأطراف الإطار التنسيقي الشيعي حائرة، محبطة، متخبطة، تعاني من عدم وضوح الرؤية.

ومن مظاهر ذلك اضطرارُها إلى ممارسة أقسى الضغوط على الطرف الكردي البارزاني ملوّحة بقوتها التسليحية والمالية، وبتبعيّتها للنظام الإيراني القادر على الانتقام، لمنعه من ارتكاب خطأ الانضمام إلى التيار الصدري، وتشكيل حكومة أغلبية برلمانية قد تمكن مقتدى من تنفيذ تهديداته الانتقامية التي وعد باتخاذها فور تشكيله الوزارة.

والتقى عمار الحكيم، خلال زيارته إلى كردستان، برئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني ورئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني ورئيس حكومة الإقليم مسرور البرزاني، واتفق معهم على ضرورة عدم دخولهم بتحالفٍ مع طرف سياسي شيعي على حساب طرف آخر، وأن يعملوا على تهدئة الصراع الحالي.

وأعلن القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، ريبين سلام، أن مسعود أكد للحكيم أن الحزب الديمقراطي الكردستاني لن يدخل منفردا مع طرف شيعي معين، وأن التوافق هو الحل.

وهنا توقفت العربة عن المسير. فمعسكر الإطار التنسيقي الخاسر، ومن خلفه إيران، لا يستطيع تحمل تبعات نجاح مقتدى في تولّيه حكم العراق، وبالمقابل يعرف مقتدى وتياره المنتشي بالفوز أن تراجعه عن قطف ثمار الفوز يعني سقوطه جماهيريا وسياسيا وأمنيا كذلك.

وبين هذا وذاك سيظل حزب البارزاني وتجمع الحلبوسي مُحرجيْن وخائفين من الميَلان ذات اليمين أو ذات الشمال.

وهذا هو الذي حصل يوم الأربعاء الماضي في البرلمان، ويقال إن الآتي أعظم. لقد خسرنا مقتدى، بجد، ولكن ما زال أمامه نصيب في العودة ظافرا، فقط على أكف التشرينيين، هذه المرة، فهل يقرأ الرسالة ويفهم المقصود؟