قد يصح القول: إنه لا أحد يستطيع معرفة أسرار المدن دون أن يعرف تاريخها وفضاءها الثقافي والقِيَمي. فهي ليست تجمُّعًا سُكانيًّا للبشر؛ وإنما هي أسلوب حياة مليئة بضجيج الروح والتاريخ والحضارة. فلا تتوقَّف المدينة على بهرجة المكان دون أن يتوهَّج روحها، وتنتصر للحياة من أجل البقاء حيّة، وتصير قلبًا نابضًا لآدمية الإنسان، وحريته، وكرامته.

خليجي (25) أعاد لي شريط الذكريات الجميلة في بداية الستينيات، حول البصرة التي بناها الصحابي عتبة بن غزوان -رضي الله عنه- في السنة الرابعة عشرة للهجرة. عِشتُ في محطة المعقل، حيث كان والدي يعمل بها ناظرًا لمحطة السكك الحديدية. وجدتُ نفسي في مكانٍ آخرَ، لا يُشبه الأمكنة التي عشتُ فيها.
فهناك ثقـافةٌ لا تُميِّز بين الناس، وطِيبةٌ استثنائية، وبحرٌ يعطي جمالاً للمدينة -رغم رطوبة الصيف العالية ودبقه-، وعمارةٌ بصْريَّةٌ تتميز بالشناشيل، وتراثٌ غنائي وموسيقي وشعر؛ كأغاني البحر والهيوة والليوة والخشابة. إضافةً إلى نخيلها وبساتينها، فضلًا عن شط العرب الذي يشق مئتي كيلومتر من بساتين النخيل والشناشيل والقصور على ضفافه، من شمال البصرة إلى جنوبها.

تميَّزت البصرة التي تحمل الأسماء العشرة (أم العراق، خزانة العرب، ذات الوشامين، البصرة العظمى، البصرة الزاهرة، قُبَّة العلم، عين الدنيا، ثغر العراق الباسم، الرعناء، والفيحاء) بتمدُّنِها في الستينيات، فكانت مدينة التسامح؛ حيث تجد الكلداني والآشوري والسرياني والصابئي واليهودي والمسلم (الشيعي والسني)، في أقوى تآخٍ ومحبةٍ وتعاونٍ بينهم.

وأم العراق قدَّمت واحدًا من أكبر فلاسفة عصره، ألا وهو الحسن البصري، صاحب نظرية العدل والتوحيد. ومنها خرج المعتزلة الذين دَعوْا إلى حرية العقل والأخذ بالمنطق في التشريع، وكذلك خرج إخوان الصفا بمزيجٍ من الفكر الإسلامي واليوناني، وظهر أبو نواس والفراهيدي والحسن بن الهيثم وبشار بن برد والفرزدق والجاحظ والأصمعي. وفي عصرنا، ظهر بدر شاكر السياب وسعدي يوسف ومحمد خضير وغيرهم.

شعَرت في البصرة، بأُلفةٍ قوية معها كمكان، وتفاعل قوي مع أهلها؛ فأهل البصرة يُسجِّلون رقْمًا قياسيًّا عراقياً في الطيبة والتسامح والكرم؛ لذلك لم أجد صعوبةً في اختراق المجتمع، وتكوين علاقات قوية مع الأصدقاء في المدرسة وفي الحي الذي أسكنه.

كنت سعيدًا جدًّا في طفولتي بهذه المدينة التي تطفو على النفط، وأهلها يُعانون الحاجةَ والفقرَ على مرِّ العصور!!، إلا أن سعادتي نبعَت من أنها أعطتني الأمل بالبشر، وعرَّفتني معنى التسامح، وفتحَت أُذنيَّ على تذوُّقِ الموسيقى والغناء، وعشق الجمال.

ومن حسن حظي، أنني بقيت فيها ثلاثة أعوام مليئة بالذكريات التي ملأت خزانة العقل بكنوز المعرفة الحياتيَّة، وبالاستدلال على فهم المستقبل، وأسرار فك تشفير العشق؛ “مركب هوانا من البصرة جانا"
وما بين سنوات الماضي والحاضر، بقيت البصرة تفوح منها رائحةُ طَلْع النخيل، وبلح المحبة والطيبة، رغم أحزان الحاضر ومآسيه، وتجوُّلِ مافيات القتل والمال في حاراتها وشوارعها. لكن معادلة الحياة مازالت ثابتة؛ طيبة البصراوي تُعادِل أطنانًا من الذهب، لكنه مازال يعاني الإهمال ونقص الخدمات والفقر رغم طوفان مدينته بالنفط!

لقد مر زمنٌ طويل، ولم نرَ العراقيَّ يعيش لحظات الفرح، ويرتدي ملابس السعادة، ويتلألأ بوهج الحياة، ويتمسك بفرص الزمن السعيد؛ إلا عندما دخل من بوابة كرة خليجي (25)، كأنه عاش حلمَ "ألف ليلة وليلة"، وتجوَّل مع السندباد البحري في تَنقُّلاته البحرية لمعاشرة شعوب دول الخليج؛ ليجسِّد الحكايات الأسطورية في التراث العراقي؛ وكأن الكرة حباتُ دواءٍ لتسكين أوجاعِ بصرة العراق.
فالبصرة مشتى الخليج، تاريخها من حكايات ألف ليلة وليلة، والسندباد البحري الأسطوري؛ لكنها مدينة ظُلِمت بالجوع والعطش، وذبلت بالفقر، وسُرِق نِفطها ونخيلها، وأُغلقت منافذُ تنفُّسها، ورغم كلِّ ذلك لم ينفد صبرها، ورفرف عَلَمُ طيبتها، ووسِعَ حلمُها الكبير بحرَ شط العرب.

جاء أهل الخليج للبصرة بمحبة، ومعهم صورٌ نمطيّة مُسبقة بسبب الإعلام، وبلبلة القيل والقال؛ فبعضهم راقبَ المدينة بعينٍ عوراء، وضَخَّمَ الأحداثَ، لحاجةٍ في نفس يعقوب! وعينٍ أخرى كانت تنظر بمحبةٍ، واشتياق العشاق، وأهملت ضعف التنظيم، وفوضى الزحام الكبير، وتعطُّلَ أجهزة "الباركود" للتحقُّق من التذاكر، ومشاجرات بعض صِّبية الحراسات في منطقة جلوس كبار الشخصيات.
وضجة المطرب الذي يأتي ولا يأتي؛ سيوف التخوين والتشكيك ضد كاظم الساهر. كأن كلَّ من يغرد أصبح له الحق في أن يحتكر الوطنية في نفسه ويوزعها على من يشاء. فوضى التصريحات والعواطف، حيث الفاصل بين الفوضى والحرية شعرة دقيقة يراها المبصرون بالبصيرة لا بالبصر!

كما اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بالآلاف التغريدات من قبل العراقيين والخليجيين، حول احتجاج أيران لتسمية الخليج العربي بدلاً من "الخليج الفارسي"، وكان الرد الشعبي تحت هاشتاك: الخليج –العربي. بينما تصدر وسم (#البصرة-ديرتكم) ترند العراق على منصة تويتر، و"عين غطة وعين فراش". وكان الرد الشعبي الخليجي: "أتعبتمونا بكرمكم وضيافتكم يا أهل البصرة "

لكنَّ المشهدَ الأقوى الذي طغى على البطولة؛ هو الإنسان (صانع الحدث)، البصراوي الطيب والكريم؛ فالمحال التجارية والمطاعم كانت ترفض تَقاضِيَ الأموال من الضيوف "عيني على حسابي". وبُيوت البصريِّ كانت مأوىً لمن لا يقدر على المبيت، وسائقو سيارات الأجرة يرفضون تَقاضِيَ أُجرتِهم!... كانت البصرة تُغني بوذيّات الأمل والترحيب بالضيف: "نحن الضيوف، وأنت ربُّ المنزلِ".

علَّمتنا فيحاءُ العراق درسَ النجاح؛ بأن الخروج من اليأس والإحباط هو العودة إلى الهوية الوطنية العراقية، المميزة بإرادة الإنجاز والتفوق والتميز، وصناعة قصص ناجحة في مختلف ميادين الحياة، والكفّ عن جَلْدِ الذاتِ والنحيب.
قصة نجاح خليجي (25) هي الدرسُ الأوَّل للتحدِّي. فما رأيناه في افتتاحية البطولة كانت جميلة ومُدهشةً، وترفع الرأس. والبصراوي رفع رأس العراق بشهامته، وأتعب أهل الخليج بكرمه.
البصريون كانوا مركز البطولة، وأبطال الخليج، والفريق الفائز الأول بالبطولة. خليج 25 بصراوي بامتياز.


[email protected]