قد تكون حرب غزة الأخيرة هي إحدى أكثر الحروب (تلفزة)، ونستطيع القول إنها تنقل على الهواء مباشرة عبر كاميرات قنوات التلفزة العالمية. من أجل هذا، نرى ذاك العدد الكبير جداً من الصحفيين والمراسلين، لأنهم يتواجدون هناك مباشرة حيث يكون القصف.

من خلال هذه القنوات نشاهد الدمار الكبير والهائل الذي تعرضت له المنشآت المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمنازل ودور العبادة. هذه المشاهد أفزعت العالم، وجعلت حتى المتعاطفين والمساندين لإسرائيل بالمطلق يتراجعون، أو يتحفظون، أو يعتبون عليها ويستعجلونها إنهاء المهمة.

وكان الرد أو الذريعة الإسرائيلية أن مقاتلي حماس يتخذون من المدنين ومن المساجد والمدارس والمستشفيات مراكز للقيادة ومعسكرات للمقاتلين، وأنه من الصعوبة تفادي ذلك الدمار الهائل أو التقليل من أعداد القتلى المدنيين.

هذه الأحداث والمشاهد أعادت لنا وللعالم (رغم فارق المقارنة) صعوبة الحرب التي قامت بها قوات دول التحالف العربي وقادتها المملكة العربية السعودية ضد الانقلابين الحوثيين، والذين كانوا يتخذون من المنشآت المدنية بأنواعها، ومن الأسواق ومدارس الأطفال أماكن لتخزين الأسلحة وإطلاق الصواريخ والمسيرات.

ولأن ليست هناك حرب نظيفة بالمطلق، فإن أخطاء قليلة كانت تحدث، إما نتيجة لما يسمى بضباب الحرب، أو لأن الهدف المقصود (Target of Opportunity) يكون قد تحرك أو غادر المكان قبل القصف بلحظات، لكن تلك الحوادث كانت توظف إعلامياً وتصور على أن المملكة تقصف المدنين والمنشآت الوطنية.

إذا فماذا نسمي ما تفعله إسرائيل الآنو وفي مساحة صغيرة جداً مقارنة بمساحة اليمن؟

لقد كانت مقاتلات التحالف تذهب وتعود محملة بالذخائر لأنها شاهدت هناك أبرياء أو مدنيين حول الأهداف، ولكن ذلك لم يكن ليشفع للمملكة رغم أن ذلك أدى إلى إطالة أمد الحرب، وحاول أيضاً النيل من سمعة وقدرات المملكة العربية السعودية الاستخباراتية والعسكرية.

إن حرب المدن (Urban warfare) من أصعب وأعقد الحروب الحديثة، لأن العدو غير معروف ضمن الحياة المدنية اليومية، إضافة إلى استخدام المقدرات المدنية لخدمة آلة الحرب. وها هي اسرائيل، وبعد أربعين يوماً وهي تقصف وتحرق الأخضر واليابس، لم تحقق أهدافها حتى الآن.

لعل الدرس الأهم، حتى وإن يكن متأخراً، مفاده أن العالم أدرك الآن أن الحوثيين جماعة إرهابية، وأضيفت الجماعة الحوثية (Houthi movement) إلى قائمة الجماعات الارهابية في المنطقة، وأصبح اسمها يتردد باستمرار، فيما كانت توصف سابقاً بمكون يمني خالص عندما كانت المملكة ودول التحالف تخوض ضدها الحرب.

إن مقايس العالم تختلف من حين إلى آخر ومن دولة إلى اخرى، إلا أنه كان درساً للعلم يفيد أن المملكة لم تكن معتدية يوماً، حتى وان كان هذا الدرس قد تأخر.