تتناقض السياسة الإيرانية بين الحق في الرد والتحديات الإقليمية، وتعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع التوترات والصراعات السياسية التي تشمل مختلف الأطراف في المنطقة، وفي هذا السياق تبرز بعض التناقضات في سياسة نظام الملالي الذي يحتفظ بحق الرد على الصهاينة ويقصف غيرهم في الوقت ذاته، ويثير استخدامه للقوة تجاه العراق وسوريا وحتى ضد باكستان تساؤلات حول تلك السياسات.

لقد تأسست ما تسمى باسم جمهورية إيران الإسلامية على ادعاء أنها إسلامية شيعية، وسارت وفق شعارات راحت تُطلِقها هنا وهناك، تارة من أجل التوسع الداخلي، وطوراً من أجل التوسع خارجياً، ولكل وجهة شعارها. ومن ضمن الشعارات الرئيسية لهذا النظام هو شعار الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين وتحرير القدس في مواجهة الصهاينة، وبالرغم من الشعار الذي يرفعه الملالي بمعاداة الصهاينة، إلا أنه بات واضحاً للعيان مدى التناقض بين الشعار والحقيقة والممارسة على الأرض، عندما نشهد استخدام الملالي قوتهم في مناطق أخرى بعيدة عن إسرائيل، حتى وإن مست هذه الأخيرة بكرامتهم ومسحت بها الأرض. وفي الوقت الذي يعلن فيه النظام الإيراني احتفاظه بحق الرد على إسرائيل، فإنه ينفذ هجمات على دول أخرى بما في ذلك العراق وسوريا وباكستان. ففي الشهر الماضي، شن النظام الإيراني غارة جوية على قاعدة عسكرية عراقية مما أسفر عن مقتل خمسة جنود عراقيين، وكذلك شن الملالي هجمات على أهداف سورية مما أدى إلى مقتل عشرات السوريين، وفي وقتٍ سابقٍ من هذا العام قام نظام الملالي بشن هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية باكستانية مما أسفر عن مقتل سبعة جنود باكستانيين، وتتناقض هذه الهجمات العدوانية مع مزاعم نظام الملالي بأنه يحترم سيادة الدول الأخرى، كما أنها تثير تساؤلات حول نوايا وطبيعة نظام الأفاعي الحاكم في إيران، ومدى التزامه بحق الرد على إسرائيل التي تطئه بين حين وآخر، ويمكن تفسير هذه الهجمات بعدة تفسيرات... فلربما قد تكون هذه الهجمات محاولة من النظام الإيراني لإثبات قوته، وردع أي هجوم إسرائيلي محتمل، وقد تكون هذه الهجمات محاولة من النظام الإيراني لتوسيع نفوذه في المنطقة.

ماذا لو كان عراق صدام حسين حاضراً
من غير المرجح أن يتجرأ الملالي على الاستخفاف بسيادة العراق كما يفعلون الآن في كل وقت وظرف بمبرر وبدون مبرر لو كان عراق صدام حسين حاضراً... لا لشيء سوى أنهم يعلمون أن الرد سيأتيهم فوراً من قبل دولة في حينها كانت تعرف معنى الكرامة والسيادة ولها إرادتها ووجودها، وبالرغم مما جرى على العراق في حينها من كوارث، كان يتمتع بعلاقات وثيقة مع العديد من الدول العربية والإسلامية، ولم ينعزل عن أمته وقضاياها، ودولة مكتملة الأركان والمؤسسات يخشى النظام الإيراني ردود أفعالها حتى في ذروة ضعف العراق بسبب الحصار الذي كان مفروضاً عليه، وعلى عكس الواقع الحالي قدرات مالية عالية وضعف اقتصادي وغياب الدولة مفهوم وجيشاً وقيادة ومؤسسات وإرادة وقرار؛ وهو ما يجعل السلطة العراقية غير مؤهلة للحفاظ على سيادتها ويجعل الملالي يتجرأون بين الحين والآخر على إساءة الأدب (ومن أمِن العقاب أساء الأدب).

الملالي في إيران يمنون على العرب بالخلاص من داعش
صنع ملالي إيران داعش وحملوا العرب تبعات ما صنعوا، ويمنون عليهم بالخلاص من داعش وهي صنيعتهم.. هدموا من خلالها دولتين عربيتين العراق وسوريا، والسؤال الآن هل بقيت لداعش باقية حتى يتحجج بها الملالي؟ هل بقيت لها باقية أم أنها قطعان مرتزقة للإيجار ويدفع تمويلها العرب من أموال عامة مُختلسة كما حدث في العراق لكي يتم استدعاء تلك القطعان لخلق أزمات وإنقاذ أنظمة فاسدة من مأزق الزوال؟ والمشكلة في الشركاء الذين صنعوا داعش وسوقوها وفرضوها ودعموها لإهلاك المنطقة وشعوبها أنهم يناقضون أنفسهم إذ يؤسسون داعش ثم يأتون ويرفضونها ويحاربونها في حين يقبلون بما أسسه نظام الملالي من ميليشيات إرهابية ارتكبت ما ارتكبته داعش ولا زالت، بالإضافة إلى قيامها اليوم بتصدير وترويج المخدرات التي أغرقوا بها دول المنطقة. لذا يمكن القول إنَّ الدور الذي يستعرضه نظام الأفاعي في إيران في القتال ضد داعش دور مفضوح ومكشوف... فهم من أسسوا داعش ومن خلالها دمروا أهل السُنة ومناطقهم في العراق وشردوهم بالملايين في الداخل والخارج وسلبوا أموالهم واستباحوا كرامتهم ومكنوا النظام السياسي التابع لهم في العراق من الهيمنة والسيطرة الكاملة وإسكات أي دور أو حراك سياسي وطني عراقي، بالإضافة إلى بيعهم السلاح للعراق في تلك الفترة، وبسطوا نفوذهم على كل العراق وحولوه إلى سلطة ميليشيات، وهنا ليس من الحياء أن يأتي الملالي ويمنوا على العرب أنهم خلصوهم من داعش بل على الملالي أن يعتذروا عما فعلوه ضد الشعوب العربية.

ملالي إيران يعلنون عن اكتشاف خلايا إرهابية تتعلق بتفجيرات كرمان والقضاء عليها
أعلنت سلطات نظام الملالي في 20 كانون الثاني (يناير) 2024، مدعية، تفكيك خلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش في محافظة كرمان، وأن قوات الأمن قد ألقت القبض على سبعة أعضاء من الخلية منهم خمسة إيرانيين واثنين من الأجانب، وكالعادة الإبهام يطبق على كل شيء ويغلفه، وتنطلق الروايات السردية كتلك السرديات المشينة الأخرى. واكتشفت سلطات نظام الأفاعي الحاكم في إيران اكتشافاً فريداً من نوعه، وهو أن الخلية كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في المحافظة، وتشمل هذه العمليات تفجير منشآت حكومية ومراكز أمنية وأماكن عامة، مؤكدةً أن الخلية كانت مرتبطة بتنظيم داعش الإرهابي، وأنها تلقت الدعم والتمويل من الخارج... لكن هذا الخارج غير معروف... إلى آخر السردية. أما السردية الأهم فهي ما ذكرته بعض وسائل الإعلام الموجهة لدى نظام ولاية الفقيه، وهو أنَّ الخلية كانت تخطط لشن هجمات في مختلف المحافظات الإيرانية، بما في ذلك العاصمة طهران. وبحسب وسائل الإعلام هذه، كانت الخلية تخطط لشن هجمات على ضريح قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع لحرس النظام، ومركز تقوية ضغط الغاز على بعد 50 كيلومتراً من ياسوج مركز محافظة كهيكيلوية وبوير أحمد جنوب غرب البلاد، وبعض المحلات في محافظة كرمان، وقد تم إحباط جميع هذه الهجمات واعتقال جميع أعضاء الخلية الإرهابية المكونة من سبعة أشخاص تتراوح أعمارهم ما بين 20 و40 عاماً، بينهم اثنين من الأجانب، وجميع أعضائها من الطبقة الوسطى، أي أن وسائل الإعلام هذه كررت نفس سردية سلطات النظام، بمعنى أنَّ النظام يعمل على نشر هذه السردية تمهيداً للإجراءات القمعية المُعدة سلفاً من قبل النظام لاحتواء الانتفاضة الشعبية الهادفة لإسقاط النظام وتغييره. وجديرٌ بالذكر أنَّ الأماكن المحددة في هذه السردية التي يتبعها النظام هي من الأماكن المنتفضة التي تهدد وجود النظام وسوف يتم استهدافها بإجراءات قمعية أكثر من تلك التي تُتبع بحق هذه المناطق.

سر احتفاظ ملالي إيران بحق الرد على الصهاينة
بالرغم من طول مسيرة 45 سنة من الاستعراض والشعارات المرفوعة بمعاداة الملالي لإسرائيل، إلا أنَّ خيوط اللعبة في الشرق الأوسط وسر احتفاظ ملالي إيران بحق الرد على الصهاينة قد تكشفا ولم يعد هذا الأمر سراً اليوم، خصوصاً بعد أحداث حرب الإبادة الأخيرة ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، وتبرئة الغرب والأميركان وغيرهم للملالي من التورط في عملية طوفان الأقصى، وخذلان الملالي ومرتزقتهم لأهالي غزة الواقعين تحت الإبادة الجماعية على يد الصهاينة، وتظاهر مرتزقتها في العراق على الحدود الأردنية مطالبين بفتح الحدود لدخول فلسطين، علماً أنهم متواجدون في سوريا الحدودية مع فلسطين المحتلة، ولم يُطلقوا منها طلقة واحدة على جيش الاحتلال في فلسطين. وطالت صواريخ الملالي باكستان والعراق ومناطق في سوريا، ولم تطال الصهاينة حتى في أحلامهم. والسر هو أنَّ الطرفين، أي الملالي والصهاينة، من جنس واحد ومدرسة واحدة: المدرسة التوسعية الاستعلائية التي تسعى إلى تدمير العرب دولا وشعوباً.

سيستمر الوضع في الشرق الأوسط على حاله، وستستمر مخططات الغرب على ما كانت عليه طالما بقي نظام الملالي حاكماً في إيران وبقي رأس الأفعى في طهران، وما لم ينجح الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية في سحق رأس الأفعى في طهران وإزاحة نظام الملالي من الوجود في إيران والمنطقة، فمن المحتمل أن تشهد المنطقة مستجدات سياسية أسوأ مما هي عليه اليوم.