قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تناولت صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها الصادر في 18 يناير مقالا مثيرا، عن تعليق عجيب عن النساء، أدلى به رئيس جامعة "هارفارد" الدكتور "لورنس سَمرز"، في مؤتمر اقتصادي أُقيم هناك. السيد "سَمرز" في إحدى حوارات المؤتمر الجانبية، طرح بشكل غير رسمي لم يُدون في سجل المؤتمر، قضية "الاختلاف الوراثي" بين المرأة والرجل، على انه هو الذي يفسّر ظاهرة قلة النساء الناجحات في التخصصات العلمية وعلوم الرياضيات، وابتعادهن عن تقلد وظائف عالية في تلك المجالات. رئيس جامعة "هارفارد"، والتي هي تُعد من اعرق الجامعات الأمريكية وأبهظها في الرسوم الدراسية، عاد واعتذر عن طرحه بعد أن أثار حفيظة كثير من الحضور خاصة النساء منهم. فقد غضبت الدكتورة في علم البيولوجي، السيدة "نانسي هابكنز" من جامعة "ماسشوسيتس" للتكنولوجيا، مما قاله "سَمرز"، فعقبت قائلة "حين بدأ حديثه عن الاختلافات الوراثية بين المرأة والرجل شعرت بضيق في التنفس، لأن هذا الصنف من التمييز يجعلني جسديا مريضة" وختمت تعليقها بقول "أرجو أن لا ننسى أن الناس (في هذا البلد) كانوا يقولون أن المرأة غير قادرة على قيادة السيارة." بعد أن أحس السيد "سَمرز" بالتداعيات التي توالت عليه من تصريحه ذاك، والضجة الإعلامية القوية، تراجع عما قال، وظهر باعتذار اغرب من طرحه، فقد برر كلامه بأن هناك عوامل كثيرة لعدم تواجد كوادر نسائية بالعدد المتوخى في المراكز العالية للتخصصات العلمية في الجامعات منها: "أن تلك التخصصات تتطلب جهدا، وتسير على جدول مضغوط، يصل إلى 80 ساعة عمل في الأسبوع، ومعظم النساء المتزوجات ممن لديهن أطفال، لا يرغبن في التضحية بأوقات أسرهن من اجل العمل" وكأنه يقول أن الرجل لا يمانع أن يضرب بعرض الحائط بكل التزاماته الأسرية من اجل عمله، طالما أن هناك امرأة تقوم بالمهام عوضا عنه! وهذا بالفعل ما يحدث.

السيد "سَمرز" بالرغم من تقلده أعلى المناصب في أكثر الجامعات عراقة وخبرة، إلا انه لم يبدِ حرجا من تلفظه بطرح يفتقر تماما للتحليل العلمي والنظرة المتعمقة لتاريخ المرأة في العالم، وامتداد تبعاته على أوضاعها الحالية. بدلا من أن يُثير "سَمرز" ذاك الاستنتاج العقيم، كان من الأجدر به أن يقوم ببحث جاد، عن أسباب قلة الكوادر النسائية في المراكز المهمة، سواء كانت علمية أو غير علمية. لا تبدأ دائرة التمييز ضد المرأة حيث وصل رئيس جامعة "هارفارد" إلى استنتاجه، بل إنها حقيقة تنتهي هناك. الأنثى منذ نعومة أظافرها وحتى خشونتها وهي تحوم في دائرة تمييز منهكة، تضيق وتتسع على حسب البلد الذي تقطن فيه.

في البيوت العربية، غالبا تبدأ دائرة التمييز ضد الأنثى من هناك. دائما الذكر منذ صغره ينال نصيب الأسد (حصة الأنثيين) في الحب والمصروف والمكانة والمكان. حتى في التعليم، هناك كثير من الأهالي يرسلون أبنائهم إلى مدارس خاصة، بينما بناتهم إلى مدارس حكومية، لكي يتلقى الذكر تعليما أفضل، ويحصل على عناية اكبر. يشبّ الولد على أن يكون مهندسا أو طبيبا أو ضابطا أو كيفما شاء، بينما البنت تكبر على أن تصبح زوجة ثم أم ثم جدة. للشاب خيارات، وللفتاة التزامات. يقول "تشارلز موري" من "مؤسسة انتربرايس الأمريكية" في موضوعه الذي نُشر في "نيويورك تايمز" بتاريخ 23 يناير، أن هناك 172 دراسة أُجريت في أمريكا على 28 ألف طفل، للبحث في دور الوالدين في حياة الأطفال وتأثيرهم على توجهاتهم والاختلاف بين الجنسين. وجدوا أن ثلثي الذكور من ذاك العدد كانوا يُمنعون من اللعب بالعرائس مثل باربي وغيرها. وفي إحصائية أخرى أن لعبة باربي تُعد أكثر لعبة بِيعت في العالم. باربي لعبة على شكل فتاة ذات شعر كثيف، ووجه ملطخ بالأصباغ، وجسد نحيف جدا، كأنها مصابة بمرض الهزال "اروناكسيا" الذي يصيب المراهقات حين يحاولن تخسيس أوزانهن. باربي عبارة عن أنموذج مضلل تافه، تربي لدى الأنثى علاقة غير صحية مع مظهرها الخارجي، وتنمي في داخلها الاهتمامات الشكلية والجسدية، وتلغي فيها أي توجه للإثارة الذهنية، والتفكير النَشط الذي يعج به عقول الصغار الأصحاء في ذاك العمر.

تنتقل دائرة التمييز ضد الأنثى إلى المحطة الثانية وهي المدرسة. في مجمل المدارس العربية يُفصل الذكور عن الإناث فيما عدا القلة. بشكل عام مدارس العرب لكلا الجنسين خاصة الحكومية منها، مهمتها أن تعيد تشكيل المتَعلم وتعمل على مسخه، ليصبح مواطن صالح للخنوع، لكن جُرعات الخضوع، وحجب مهارات التفكير التي تُعطى للإناث، تكون مضاعفة ومكثفة. في التسعينات في إحدى حلقات برنامج "ستين دقيقة" الذي يُذاع عبر محطة "سي بي اس"، بُث في إحدى حلقاته قضية التمييز ضد الأنثى من أين يبدأ في المجتمع الأمريكي. فقد وِضعت كاميرات خفية في صفوف عدة في مدارس ابتدائية في مناطق مختلفة موزعة على حسب حالة الدخل الاقتصادي لسكانها. ظهرت نتائج غير متوقعة إثناءها. بعد استرجاع الأفلام التي أُخذت في الصفوف، اكتشف الجميع أن أفراد الطاقم التعليمي للمواد العلمية، يركّزون ويهتمون بالصبيان أكثر من اهتمامهم بالبنات، والمدهش في الأمر حتى المعلمات منهم. فحين تطرح معلمة الرياضيات سؤالا صعبا تتوجه به تلقائيا للذكور قبل الإناث، بينما الأسئلة السهلة تتركها للإناث. وحين يسأل الصبي حتى لو كان سؤالا تافها، تُبدي له المعلمة أو المعلم اهتماما أكبر من سؤال الصبية. بينما في المواد الأدبية والاجتماعيات كان توزيع الاهتمام متساو إلى حد ما. بعد أن شاهدَ كل من المعلمات والمعلمين تلك الأفلام تعجبوا من أنفسهم، لأنهم كانوا يقومون بأدوارهم بصورة تلقائية، دون أن يشعروا أنهم كانوا يميزون بين الجنسين. كان الاستنتاج الذي توصلوا إليه والتحليل الأقرب للصواب لتصرفات الكوادر التعليمية هو أن التركيبة الاجتماعية الأمريكية أساسا لازالت تُعطي أدوارا أهم واكبر للذكور من دون الإناث.

تنتقل دائرة التمييز إلى المحطة الأخيرة وهي العمل. بالطبع المرأة العاملة في العالم العربي ما هي سوى "أَمَة" تكدح خارج أسوار المنزل، وتطبخ وتنفخ وتربي أطفال داخل تلك الأسوار، باستثناء الخليجيات اللاتي يجلبن عاملات المنازل، لكن التمييز المُسلط على رقاب الخليجيات في جميع مناحي الحياة اشد وأقسى خاصة السعوديات منهن. إن معظم قوانين العمل غير منصّفة للمرأة العربية، بالإضافة للسلوكيات الشخصية، والمعاملة العنصرية التي تكابدها في القطاع الوظيفي. هناك اختلافات بين ما يسنّه القانون وبين ما يمارسه الناس حتى في الدول الغربية، لأنه مازالت زمام أمور الدولة في قبضة الرجال من قادة ووزراء وموظفي حكومة، وان معظم رؤساء الشركات الضخمة وطاقمها رجال، أيضا غالبية رؤوس الأموال في البنوك والمصارف في حسابات الرجال. المرأة محاصرة من كل الجوانب. قامت الدكتورة الأمريكية "نانسي هابكنز" ببحث في قضية التوظيف والحصول على علاوات، فوجدت أن هناك اختلافات متباعدة بين الجنسين، فكلها تصب ناحية الرجل. بالطبع في دولة دستورية مثل أمريكا حيث يُحترم الإنسان وتُقدر آدميته، إذا ثبت في حالة وجود تجاوزات عنصرية ضد أي إنسان، مواطنا كان أو مقيما، فبإمكان المتضرر بإمكانه أن يحصل على حقه كاملا ويُرد إليه اعتباره من الجاني بالقانون. بينما في البلدان العربية فهذا أمر محسوم ومفروغ منه، لأن القانون موجود دائما في صف الحاكم وليس المحكوم، من اجل رب العمل وليس العامل، لصالح الرجل وليس المرأة، مع المواطن وليس المقيم، للقوي وليس للضعيف.

في الدول العربية وعلى وجه الخصوص في دول الخليج، تبدأ دائرة التمييز ضد الأنثى معها وهي جنين داخل رحم أمها، وبعد أن تظهر إلى الدنيا وحتى تفارقها الحياة. المرأة حسب تفسيرات الذكور "عورة" طوال الوقت و"نجسة" في بعض الأوقات، لكنها "حرث" للرجل يأتيها متى شاء. المرأة "ناقصة عقل ودين"، بينما أمهات المسلمين رضي الله عنهن، هن اللاتي علمّن الناس الكثير من فرائض الدين وأصوله. المرأة "ضعيفة تحكمها عواطفها" وفي الوقت عينه تُُلقى عليها مسئولية تربية النشء الذي يقوم عليه مجد الأوطان وتشيّد به أعمدتها. المرأة "فتنة" بينما خُلقت ليسكن إليها الرجل ولتشعره بالطمأنينة. المرأة "كيدها أعظم من كيد الشيطان" ووجِدن النساء ليتزوج الرجل منهن مثنى وثلاث ورباع. المرأة "قارورة" يتوجب الرفق بها، كي لا تُخدش، لكنها تُهجر في المضجع وتُضرب ضربا مبرحا. المرأة من المهد إلى اللحد، غير مصرح لها بأن تكون وصية على نفسها، لأنها "قاصرة وغير قادرة على تحمل مسؤولية أمورها"، بينما أعز زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحبهن إلى قلبه، ترأست أول معارضة في الإسلام، وقادت جيشا بكامله، وخاضت معركة تاريخية حرجة. الأمر العجيب في كل تلك التناقضات في التعامل مع المرأة، والذي يصعب إدراكه بالفعل، "أن أكثر أهل النار من النساء"، وأن الجنة تحت أقدامهن في نفس الوقت!!!

دائرة التمييز البشعة هذه التي تعيشها المرأة العربية بدأت منذ قرون، لكنها مازالت حية تطوق عنقها وتعيق حركتها وكأنها وليدة اليوم. دائرة خانقة ومبددة لقدرات نصف المجتمع، النصف الأكثر إنسانية وعطاء. فحين يُطرح تساؤل مشابه لما أثاره الدكتور "سَمرز" عن أحوال النساء العربيات، وأين هن من مجالات العلوم والرياضيات، بل أين دورهن في المجتمع كعضوات فاعلات، فإن الإجابات ستهطل عليه من كل جهة. فالواقع المرير الذي تعيشه النساء، والتغييب والتهميش المقنن الذي يكابدنه في أوطان الذكور العرب التعيسة هذه، لا تحتاج إلى حصيف ليجيب على سؤال مثل: من أين تبدأ دائرة التمييز ضد المرأة، وليس مهما طرحه، لأن الأسباب واضحة كسطوع الشمس. السؤال الأهم اليوم هو: ما هي الطريقة المُثلى لتفتيت دائرة التمييز ضد المرأة العربية؟ وللحديث بقية...

وجيـهة الحويـــدر