كولين باول وكونداليسا رايس: هل ستتغير السياسة الخارجية؟
سأكون متشائما واتوقع فشل زيارة كولين باول لمنطقة الشرق الاوسط. اسرائيل لم تستمع له عندما كان وزيرا للخارجية بكامل صلاحياته، والان بعد ان انتهت فترته كوزير، لماذا سيصغي له شارون. باول فشل في دوره لانه كان مشغول بمعارك داخلية مع منافسيه في البنتاغون. لم يستطع فرض شخصيته وسياسته،والرئيس بوش ساهم في افشاله.

كولين باول عسكري ناجح وسياسي فاشل، هكذا وصفته الفانينشال تايمز مؤخرا بعد استقالته. سطع نجمه اثناء حرب تحرير الكويت عام 1991 ولكنه لم يستطع ان يقوم بدور فعّال كوزير خارجية في ادارة بوش. كعسكري كان يتمتع بشخصية قوّية وبراعة وازدادت شعبيته، حتى ان البعض اقترحوا عليه ان يرشح نفسه لمنصب رئيس للولايات المتحدة في الانتخابات، والبعض الآخر اقترح عليه ان يكون نائب الرئيس. لم يرفض ولم يقبل، ربما اراد ان ينتظر اللحظة المناسبة، وقبل دور وزير الخارجية، وزملائه في البنتاغون قصوا اجنحته وبقي صامتا. ظن بعض المعلقين ان هذا الصمت يعود لرغبته في عدم الخوض في معارك تافهة جانبية لانه يريد ان يضع نفسه يوما ما كمرشح للرئاسة. ووصفته الوول ستريت جورنال في صيف عام 2002 بالعاجز واستعملت مصطلح انجليزي، اذا ترجم للعربية يصبح المعنى العاجز جنسيا او المخصي. والسبب في هذا الوصف هو فشله في ردع شارون وايقاف عملية القتل والدمار التي تبناها شارون ضد الفلسطينيين.

كولين باول الرجل العقلاني في الادارة الاميركية ووجه الاعتدال، كان صديقا لاوروبا واختلف مع زملاءه في البنتاغون دونالد رمسفيلد وديك تشيني. البنتاغون اختطف السياسة الخارجية من وزارة الخارجية تحت مسامع وانظار كولين باول ولم يجرؤ بالاستقالة. أجبروه ان لا يحضر مؤتمر العنصرية في دربان جنوب افريقيا قبل 3 سنوات، وقال معتذرا ان المؤتمر يعتبر الصهيوينة عنصرية ولهذا زعل كولين باول وقرر عدم الذهاب حتى ان جريدة الديلي تلغراف اليمينية امتدحت قرار كولين باول بعدم الزيارة واعتبرته شجاعا. والحقيقة انه ليس شجاعا بل رضخ لضغوط اصدقاء اسرائيل في الادارة الاميركية. وأمثلة اخرى على افتقاره للشجاعة وحرية الرأي،: عندما زار اسرائيل والاراضي المحتلة الفلسطينية في ربيع عام 2002 واثناء حصار كنيسة المهد وبداية حصار عرفات في المقاطعة، عوّل الكثيرون على تواجده هناك لانقاذ عرفات من سجنه في المقاطعة وفكّ الحصار في بيت لحم. وعقد اجتماعا مطولا مع عرفات استغرق عدة ساعات وبعد ان خرج من الاجتماع، لم يجروء ان يتفوّه ولو بكلمة واحدة عن الوضع السيّء الذي كان يعيش فيه عرفات. وبعد ذلك التقى بشخصيات ورجال دين مسيحيين في القدس وشرحوا الاوضاع اليائسة في كنيسة المهد المحاصرة ولم يستطع ان يفعل شيئا. وبعد ان وقف مع شارون في مؤتمر صحفي لم ينطق ولو كلمة واحدة ينتقد فيها سياسة واساليب شارون الظالمة. وحسب تسريبات الصحف في تلك الفترة طلب من اسرائيل عدم اقتحام الكنيسة وهو موجود في المنطقة وينتظروا حتى يغادر عائدا الى الولايات المتحدة.
من الذين زاروا عرفات في المقاطعة السيناتور جوزيف ليبرمان وهو يهودي ومتعاطف مع اسرائيل كما هومتوقّع، ولكنه بعد خروجه من المقاطعة ومن الاجتماع مع عرفات: قال جوزيف ليبرمان بالحرف الواحد واترجم الكلمات بأمانة: "لظروف التي يعيش فيها الرئيس عرفات غير مقبولة". اي انه استغرب ان رئيس شعب منتخب يتم اجباره على العيش في ظروف بائسة. جوزيف ليبرمان رجل شجاع رغم يهوديته، وكولن باول رجل جبان رغم جذوره الافريقية.
كولين باول كان من المغضوب عليهم من قبل اليمين لانه لم يوافق مئة بالمئة مع سياسة بوش الصقورية، واليسار غضب منه لعدم معارضته اجندة بوش التي تحبّذ الحلول العسكرية.
المعلقونالاميركيون يعتقدوا انه فشل في ايضاح سياسة أميركا الخارجية للعالم. اعتبروا نجاحه في اقناع الباكستان واوزبكستان في التعاون من اجل الاطاحة بالطالبان انجاازا جيدا. ولكنه لم يستطع الحصول على تعاون كبير من الدوال المجاورة للعراق قبل الغزو. الاثباتات التي قدمها في الامم المتحدة في شباط عام 2003 عن تواجد اسلحة دمار شامل كانت زائفة كما ظهر فيما بعد. لم ينجح في اقناع تركيا للانضمام الى التحالف ضد العراق. انتقدوه لانه لم يسافر كثيرا لاوروبا والشرق الاوسط ولكنه كان مقيدا من قبل منافسيه في البنتاغون ولم يتم اعطاؤه حرية الحركة والقرار والمبادرة. والامثلة المذكورة في بداية المقال تؤكد ذلك.
وقع الاختيار على كوندا ليسا رايس لتتولى منصب وزيرة الخارجية. هل هي افضل مرشح لهذا المنصب الهام في الظروف الراهنة. الصحف الاميركية الجريئة مثل لوس انجلوس تايمز ونيويورك تايمز يعتقدوا ان كونداليسارايس ليست مؤهلّة لهذا المنصب. اقترحوا سياسييين مخضرمين من الوسط وليس من اليمين او اليسار من امثال سام نّن، جاك دانفورث، جوزيف ليبرمان ولكن جورج دبليو بوش اختار كونداليسارايس. اسرائيل رحبّت بهذا التعيين لانها تعتبر كونداليسا صديقة حميمة لاسرائيل. فالمتفاءلون الذين يعتقدوا ان الشرق الاوسط مشرف على نوع من السلام الحقيقي والعدالة عليهم ان ينسوا ذلك.
علينا ان نتذكر ان في ولايته الاولى استغنى بوش عن "كتاب قواعد اللعبة والعلاقات الدولية" واعتمد على القوة العسكرية لمعالجة الامور. تعيين كونداليسا رايس يؤكد ان بوش لم يتعلم الدرس من اخطائه وسيواصل نفس المنهج. وحتى لو ارادت كونداليسا اثبات نفسها في التغيير، سوف لا تستطيع العمل بحرية خاصة فيما يتعلق بالشرق الاوسط. سوف ترضخ لضغوط البنتاغون كما رضخ كولين باول من قبلها. سوف لا تستطيع البدء بسياسة خارجية جديدة وستجد نفسهاغاطسة في مستنقع 3 حروب في أن احد: العراق، افغانستان والحرب العامة ضد الارهاب. ستجد ملفات شائكة صعبة: كوريا الشمالية، ايران والعلاقة المتوترة مع الاتحاد الاوروبي، هل هي الشخص المؤهل لتحويل الشرق الاوسط الى ديمقراطية. ظني المتواضع هي انها ستعطي اولوية لارضاء بوش والزملاء في البنتاغون واصدقاء اسرائيل على حساب القضايا الهامة مثل العراق وفلسطين. التالية اسماؤهم افشلوا باول وسيفشلوا كونداليسارايس:
دونالد رمسفيلد وزير الدفاع ونائبه بول وولفتز
ديك تشيني نائب الرئيس بوش
وايليوت ابراهام" مسؤول ملف الشرق الادني في البنتاغون مدعوما من دوغلاس فايث، جون بولتون، ريتشارد بيرل (رغم انه استقال)، جيري فالويل وبات روبرتسون اصدقاء بوش من طالبان العالم المسيحي الايفانجليكاليون، محطة فوكس نيوز، منظمة ايباك اقوى لوبي صهيوني في واشنطن، ليبي لويس متأمر في البنتاغون وصديق شارون، كويت بلاكر من معهد ستانفورد للدراسات الدولية، مايكل لييدين من مؤسسة اميركان انتربرايز والقائمة طويلة وعريضة من مؤيدين لشارون ويقفوا امام ويعارضوا اي محاولة لحل عادل في الشرق الاوسط. يريدوا حلا مبني على اشتراطات شارون ومقبولة لشارون. هذه هي الحقيقة المؤلمة.


نهاد اسماعيل