إن سقوط الدولة العراقية الحديثة في يوم 9-4- 2..3 يعد حدثا مفصليا كبيرا في تاريخ العراق الحديث. وقد جعل هذا الحدث الكبير، الباب مفتوحا لكثير من التجارب و الصراعات والأقوال والتحاليل، تتخذ مكانها في هذا الخضم المتلاطم، وسوف تستمر انعكاسات على هذا الحدث، إلى فترة زمنية طويلة.
كثر الحديث في السنوات الماضية، من قبل مجموعة من الكتاب والمحللين و السياسيين العرب والعجم، عن أن العراق قد نشأ عام 1921 وقبل هذا التاريخ لم يكن البلد اسمعه عراق.
يقع الكثير من هولاء في الخطاء وعدم قراءة التاريخ بشكل صحيح، وقبل الخوض في موضوع عراق المستقبل، يجب علينا إن نوضح هذه النقطة، وكذلك إن نفرق بين الوطن – الدولة -: أن العراق كوطن لم يولد كما يدعي البعض قبل ثمانين عاما، صحيح إن دولة العراق الحديث قد ولدت في ذاك التاريخ، ولكن العراق كوطن كان موجوداً في عمق التاريخ، فقد ذكر اسم العراق لأول مرة قبل أكثر من 4... سنه في العصر الاكادي تحت اسم(( عراك)) ولفظت الكلمة لا حقا بشكل معدل و أصبحت عراق.
ففي الفتح الإسلامي، كان يطلق على العراق ارض السواد، والعرب تطلق على شديد الخضرة اسوداَ. ويقولون عن الناس الذين يعيشون في هذه البقعة أهل العراق. وما أكثر الشواهد الشعرية في هذا المعنى ومنها ما قول امرى القيس
هُم ُ أبلغُوا الحيَّ المُضلّل أهلهُم وسارُوا بهم بين العراق ونجران
لقد قيل في العراق، ما تزخر به كتب التاريخ من وقائع وأحداث، بدء من صدر الإسلام مرورا بعهد الخلافة الراشدة، وما قاله الخليفة الراشد أبي بكر الصديق (رض) في أهل العراق بأنهم جؤجة العرب ( والجؤجة، صدر الطير ) وما قاله الإمام علي (ع) في أهل العراق في أنهم صناديد العرب فأين ذلك العراق، وعن أي عراق يتحدثون ؟
انه عراق اليوم والأمس، بالأمس كانت أور و لكش وسومر وأكد ونينوى وبعدها الكوفة والبصرة ومن ثم بغداد والموصل تلك حاضرات العراق، وبغداد كانت في التاريخ اكبر من مدينة إنها العراق ((في مصر يطلق على القاهرة مصر فهل هي تصغير لمصر أم تكبير القاهرة)). أنها المركز والقلب، و قد كانت والبصرة والموصل دوما تتبع بغداد.
ففي العهد العثماني كانت حدود العراق الجغرافي لا تختلف كثيرا عما هي عليه الآن وعندما أصبحت البصرة ايالة أو متسلمية، ومن ثم ولاية كانت تتبع دوما، باشا بغداد، أما الموصل وشهرزو فلا يختلف الحال فيها عن البصرة، فهي تتبع بغداد دوما. واستمر الوضع على ذلك حتى سقوط الدولة العثمانية.
قبل ما يقارب 15. عام عندما قسم الوالي المصلح مدحت باشا، العراق إلى عشرة سناجق، فما هي هذه السناجق: إنها سنجق بغداد و السليمانية و شهرزور( اربيل) والموصل و الدليم ( الانبار) وكربلاء والديوانية والبصرة والعمارة ( ميسان) والمنتفك( الناصرية، ذي قار ).اما من الناحية العسكرية فكان مقر الفيلق السادس العثماني والذي يحمي البصرة والموصل وبغداد كان مركزه بغداد ،فهذا هو العراق اليوم.
إما الغربيين فيطلقون اسم، ما بين النهرين على العراق وقد فاتهم إدراك، إنها صفة وليست اسما وهم يصرون على هذه التسمية في كتبهم، رغم إن الشواهد تدل على خلاف ذلك.
حصل العراق على استقلاله الرسمي من الحكم البريطاني في عام 1932، وصار يحكمه بعد ذلك نظام ملكي ( فرضته بريطانيا )، حتى الإطاحة به في 1958.
لقد صاحب بناء وترسيخ الدولة العراقية في العهد الملكي، استقرار في الوضع الاقتصادي والسياسي بل تم استكمال بناء مؤسسات الدولة الحديثة من جيش وشرطة ودوائر خدمية ومدنية أخرى.(علما أن الجيش والشرطة وحرس الحدود نشأت في عهد الاحتلال البريطاني). ولكن درجة تطور النظام السياسي لم تتماشى مع التطور العام في المجتمع خصوصا على مستوى التعليم والثقافة العامة للطبقات الوسطى بالذات. حيث بقى النظام السياسي على نفس النمط الذي بدأت به الدولة العراقية الحديثة من ضعف المشاركة الشعبية، ويعود السبب في ذلك لأسباب عديدة منها البنية السياسية للنظام الملكي التي وضعت العصى في عجلة التطور السياسي وذلك من خلال الصلاحية التي منحت للملك بحل البرلمان وكذلك في آلية الانتخاب التي تفرض شكلا واحدا متوافقا مع سياسة النظام القائم.
لقد كان لموت المبكر للملك فيصل الأول خسارة كبيرة للعراق وخصوصا لمشروع تطوير النظام السياسي لبناء وترسيخ الهوية الوطنية العراقية الموحدة ((لا هويات فئوية مفصلة على قياسات البلدة والقبيلة والمذهب)) التي كانت في طور البناء الأولي والذي كان ممكنا القيام به على ضوء إمكانية وطموحات الملك والشخصية الكاريزمية. فبعد موت الملك فيصل تولى السلطة ثلة من رجال دفعوا باتجاه ترسيخ النظام الطائفي في العراق و التبرقع بشعار القومية العربية على حساب الهوية الوطنية مما أدى زيادة حدت الشرخ بين العرب والكرد و ضياع الهوية الوطنية العراقية الموحدة و وتفكك الاثنين لاحقا.
لقد اتسم العهد الملكي باستقراره السياسي، بالرغم من بعض الإحداث العنيفة التي مرت به، حركة الاثورين و وانتفاضات الفلاحين في منطقة الفرات الأوسط و الأدنى في أعوام 1935 و 1936 و 1937 وحركات البارزاني عام 1946.إلا انه يمكن القول إن الوضع العام كان هادئاَ.
لقد كانت ثورة 14 تموز حدث كبيرا في تاريخ العراق وان بدأت بانقلاب ولكنها لم تلبث أصبحت ثورة أحدثت تغيرا كبيرا في مشروع الدولة العراقية. ولكن هذه الثورة لم تكن إلا تغيرا من داخل الدولة التي نشأت في عشرينيات القرن الماضي. لذا كان المشروع الذي كانت تسعى إليه للنهوض بالعراق و تصحيح وتقويم البناء السياسي الدولة العراقية، من خلال ترسيخ الهوية الوطنية العراقية الموحدة كما حاولت إزالة الطائفية والعنصرية والجهوية، لكنها اصطدمت بمعارضة كبيرة من قبل مجموعات مختلفة وبحكم شخصية الزعيم عبد كريم القاسم الوطنية المتسامحة التي لم يعرف العراقيين إلى الآن، إلى إي أي مذهب تنتمي كانت عنصر مهم في المساعد على بناء الهوية الوطنية. يقول المرحوم عبد الطيف الشواف في كتابة عبد الكريم قاسم ذكريات وانطباعات الذي صدر حديثا:(( لقد تراجعت مساحة الاهتمام بالعشائرية و القبلية و التمايز الديني والطائفي وحتى العرقي طيلت العهد الذي أقامته ثورة 14 تموز )). لكن العناصر الكامنة في الدولة العراقية، حاربت هذه التوجهات بكل شراسة، تحت ( تسميات القومية والشعوبية والقطرية وغيرها من التسميات التي هي كانت غطاء لمنع أي إصلاح وتصحيح والإبقاء على نفس الأوضاع التي كانت قائمة في السابق والاستمرار فيها.
إن العقلية القبلية المشوهة ( لقادة البعث) والتي حكمت العراق خلال 4. عاما والتي مارست العمل من منطلق طائفي و قبلي و مناطقي وفئوي، أدت إلى التدهور الكبير الذي أصاب العراق، وبالذات التشويه في البنية الاجتماعية، والذي يعد من اكبر الكوارث التي حدثت في تاريخ العراق الحديث. إن النسيج المعقد للمجتمع العراقي أصلا قد ازداد تعقيدا وذلك بسبب التقسيمات الجغرافية التقليدية بحدودها الطائفية والعرقية.
إن العراق كما هو معلوم يعد مركز التشيع الاول في العالم الإسلامي (منذ أن وطئ الإمام علي ارض العراق قبل 14..سنه)، وعلى العموم يشكل الشيعة 6.% من سكان العراق تقريباً، والسنة 35 % و الـبقية 5% الباقية مزيج من المسيحيين والمجموعات الدينية الصغيرة.
إن التقسيم الطائفي في العراق قابل للانفجار لأسباب سياسية ودينية بحكم التضارب في المصالح وعدم وجود خطوط يتفق عليها العراقيون في حكم العراق. ومنذ أيام الإمبراطورية العثمانية كانت القوة العسكرية والسياسية متمركزة بشكل حصري تقريباً في أيدي الأقلية السنية العربية والمستعربة، من الترك بالخصوص. لقد كان لتحكم السنة في مقاليد الأمور، وتقسيم غنائم السلطة عواقب متوقعة – غيظ من جانب الشيعة الذين كانوا يهبّون على فترات في ثورات علنية وعنيفة.
بالإضافة إلى التقسيم الطائفي، ينقسم العراق أيضاً في خطوط عرقية. فالجزءان الأوسط والجنوبي من العراق عربيان من حيث العرق، لكن الجزء الشمالي الشرقي من البلاد يقطنه الأكراد و عدد قليل من السكان التركمان والآشوريين والكلدان وفئات أخرى. يشكل العرب عددياً 8.% من السكان ويشكل الأكراد ما بين 15- 2.% فالأكراد في شمال العراق لم يقبلوا أبداً حكم المركز. وأثناء التاريخ القصير المضطرب للدولة العراقية الحديثة، كان واحد من الثوابت القليلة يتمثل في المقاومة الكردية للسلطة العربية المركزية. ففي كثير من الأحيان كانت هذه المقاومة تظهر في ثورات عنيفة ضد الحكم في بغداد. وكانت هذه الثورات تقمع بوحشية، بحيث أنها ازدادت حدة مع مرور الزمن.
ولقد تكرر هذا النموذج في أعقاب حرب الخليج الثانية في 1991- الانتفاضة الكردية الشاملة ضد نظام حكم صدام المهزوم والبغيض والتي أفلحت في احتلال جميع المدن الكبرى في شمال العراق، والتي قمعتها بأقصى درجات القسوة قوات موالية للنظام. ونتيجة لذلك، استمر الأكراد بالتمتع " بحقبتهم الذهبية " في النمو الذاتي خارج سيطرة جهاز الدولة العراقية، تحت منطقة محظورة على الطيران من قبل القوات الأمريكية والبريطانية، وبسبب التدفق السريع لمبالغ التجارة الناجحة في صادرات النفط غير الشرعية عبر الحدود مع تركيا، ونسبة 13% من واردات النفط العراقي الشرعية، كل هذه الأشياء لا يمكنهم التضحية بها دون قتال.
وبالنظر لعمق هذه التقسيمات المجتمعة، ليس من المدهش أنه لم يكن أي حاكم للعراق قادراً على صياغة رؤية واضحة وشاملة لهوية وطنية للشعب العراقي ذي توصيفه خاصة، خصوصا عندما يكون الحكام في دولة طائفية البنية وعنصرية التركيب وبشكل غير معلن. وحيثما ظهر إحساس بالهوية العراقية من قبل الفئات الوطنية، فأنها كانت بصورة طبيعية، قوة سلبية للنظام الحاكم بدلاً من كونها ايجابية يدفعها إلى ذلك العداء " لأعداء الدولة الداخليين " أو الشياطين الخارجيين مثل الإمبريالية والصهيونية. وكانت السلطات في مختلف العهود تسعى إلى تكريس قدر من الطاقة من أجل إنشاء هوية عروبيه أكثر مما كرس من أجل هوية عراقية فقط.
إن ضعف بناء الهوية العراقية الموحدة لدى أصحاب السلطة في الدولة، أدى إلى إن تعتمد هذه كثيراً وتكراراً – على استعمال التعيين في الوظائف بالمحسوبية وعلىالعنف للحفاظ على الوحدة الجغرافية للدولة.
لقد حوّل صدام حسين استخدام العنف إلى فن، لكنه في الواقع لم يكن سوى الأخير في سلسلة من الحكام العراقيين الذين أدركوا ضرورة توحيد دولتهم المضطربة بالقوة، بل إنه ثمرة منطقية لصعوبة حكم دولة طائفية عنصرية بصورة ناجحة بالوسائل السلمية.
وإذا قيس نظام حكم صدام حسين بأي معايير، ( اقتصادية، اجتماعية، سياسية، أو عسكرية ) فإنه كان كارثة على الشعب العراقي. وإذا قيس بمعايير الاستمرارية، كان صدام أكثر حكام العراق الحديث نجاحاً. لقد كانت مقدرة صدام على البقاء مدهشة. إن فهم الكيفية التي بقي فيها صدام في السلطة مدة 35 عاماً أمر أساسي لفهم ضخامة العمل الذي سيواجه من يعملون على إعادة بناء العراق.
لقد كان الخوف – بوضوح – عاملأَ هاماً. كانت شهرة صدام بعدم الرحمة والوحشية، لكن ليس ذلك العامل الوحيد حيث. لم يكن باستطاعة أي نظام – مهما كان وحشياً – أن يبقى طالما أنه كان يرتكز على الخوف فقط. لقد كانت الوسيلتان الرئيسيتان للبقاء، في العراق المضطرب ، كما فهمها صدام في وقت مبكر ، وانتقل إلى آلية لتوسيع وصيانة قيادته الخاصة. لقد مكنت البنية السرية للبعث، التي صنعت بدقة على نموذج الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، من الدخول والتحكم بجميع نواحي الحياة العراقية.
انتقل صدام إلى استيعاب أو تحييد، أو ببساطة، تصفية بنية القوة المنافسة داخل الدولة. كان الحزب الشيوعي العراقي وهو المنظمة العراقية الوحيدة الأطول عمرا في التاريخ السياسي – قد جرى أولاً استيعابها ثم تصفيتها. وبعدها تم تصفية الأحزاب والحركات الإسلامية الشيعية وعلى رئسها المرجع السيد محمد باقر الصدر، وكذلك القوات المسلحة – وهي الحكم التقليدي للقوة العسكرية قبل البعث، جرى تحييدها من الداخل. كان معظم الموظفين العسكريين من ذوي الرتب الرفيعة من رجال حزب البعث موالين، أو مرتبطين مع صدام بالولاء العائلي أو القبلي. كانت التطهيرات الدورية تفيد في تذكير القوات المسلحة بأوضح العبارات بمن كان حقاً على رأس السلطة في العراق. ولكي يحمي نفسه من تهديد الانقلاب العسكري، خلق صدام عدداً من القوات المسلحة " غير التقليدية " خارج سلسلة القيادة العسكرية التقليدية، وكانت هذه تتراوح بين قوات ميليشيا مدنية مثل " فدائيي صدام “ إلى الحرس الجمهوري أو الحرس الخاص الأكثر رهبة. بتوجيه الموارد إلى هذه القوات على حساب الجيش النظامي، استطاع صدام أن يشتري ولاءهم المطلق، وضمن بقاءه في مواجهة الثورات الداخلية. وكانت هناك شبكة معقدة من الإدارات الأمنية تتراوح بين قسم المخابرات العامة ( المخابرات السيئة السمعة ) إلى خدمة المخابرات الخاصة الأقل شهرة ( جهاز الأمن الخاص )، تراقب بحذر شديد هيكل التحكم الخاص بصدام.كانت هذه الوكالات المختلفة تراقب التهديدات الداخلية والخارجية بالنيابة عن النظام كما كان يراقب بعضها البعض الآخر بصورة أساسية.
أصبح النظام السياسي والاجتماعي الأساسي في العراق أكثر تمزقاًً وأقل قدرة على العمل. وفي هذا الجو مطلوب من مهندسي إعادة بناء عراق ما بعد الحرب أن يعملوا على معالجة هذا الكم الهائل من المشاكل المتراكمة.
لقد أصبحت القبائل لها مضايف في مدن العراق وفي بغداد أيضا وأصبحت بغداد و المدن الأخرى مراكز للقبائل والشيوخ، و الادهى هو ظهور تحالفات قبلية تحمل تسميات ديمقراطية ( فأصبح التجمع العشائري الديمقراطي )، وقد نسوا أن الديمقراطية هي وليدة الدولة المدنية بينما القبيلة هي وليدة البداوة، فكيف يجتمع النقيضان؟
الديمقراطية :طريق أم حل:
تبرز قضايا معقدة فيما يخص طبيعة التنظيمات الديمقراطية التي يجب تطبيقها في العراق. فالديمقراطية بالتحديد سوف تعكس هيكلا للسلطة القائمة في العراق. وهنا يبرز دور الأرقام بصورة مطلقة. فالعرب السنة – حكام العراق عبر تاريخها الحديث – يشكلون أقل من 2. % من السكان ، بينما العرب الشيعة يشكلون 6. %. وفي أي نظام ديمقراطي هام، سيسيطر الشيعة، وعلى السنة ( الطبقة السياسية والمستفيدة ) أن يثقوا بالشيعة و إن يقبلوا ان مشاركة الشيعة يجب تكون مشاركة حقيقة في الحكم (وليس مشاركة شكلية و محدودة) لا تتناسب مع حجمهم الحقيقي. و على الأكراد ( وهم 15- 2. % من عدد السكان ) أن يقبلوا ظاهرياً تعهدات الغالبية العربية المهيمنة في احترام الحكم الذاتي الكردي، والثقافة واللغة الكردية، وذلك بالرغم من الدليل التاريخي المهيمن على حدوث العكس. وطبعاً، سيكون علماء القانون في منشغلين في صياغة أنظمة دقيقة للضوابط و التوازنات لضمان تمثيل الأقلية. والبرلمان سيكون بلا شك منتخباً بالتمثيل النسبي لضمان أن يعكس التمثيل بأمانة مجموعات المجتمع الرئيسة. وستعطى كل مجموعة كبرى حق النقض في القرارات الهامة والقائمة تستمر، و سيكون أول دستور ديمقراطي للعراق قادم على المستوى الأكثر أهمية.
تستدعي الديمقراطية وجود إجماع مطلق على شرعية النظام الأساسي، إن جميع مجموعات العراق الاجتماعية يجب أن تعترف بدولة العراق ككيان إقليمي شرعي، لكن من المشكوك فيه أن الأكراد قد يقبلوا بشرعية دولة عراقية تشملهم داخل حدودها قبولاً مطلقاً هذا أولاَ.
والثاني، أن أي شكل من أشكال الديمقراطية يتطلب الثقة. إن إعطاء مجموعات الأقلية حق النقض، وابتكار أشكال معقدة من الضوابط والتوازنات، كل هذه أمور يمكن أن تساعد على تقليل الفرص التي تستطيع فيها الأكثرية أن تظلم الأقلية إلى أقل حد ممكن، لكن في النهاية، يجب اتخاذ بعض القرارات طبقاً لحكم الأغلبية و إلا فان الدولة لا تستطيع أن تقوم بمهمتها في هذا المجال، يجب أن تكون الأقلية قادرة على الثقة أن الأكثرية لن تسيء استعمال سلطتها وفي غياب أي إحساس متطور بالهوية الوطنية وإجماع أساسي على شرعية الدولة العراقية وقدر كبير من الثقة المتبادلة والفهم اللذين يمكن الاعتماد عليهما، يكون من الصعب حقاً وضع الأساس الذي يمكن أن تبنى عليه دولة العراق الديمقراطية الحرة..
احد الخيارات للمستقبل.
هناك خيار بديل يشمل أصلاً السماح للعراقيين بأنفسهم أن يقرروا مستقبلهم الخاص. في الوقت الحاضر ، تبدو نية الولايات المتحدة- التي غالباً ما تم التصريح عنها- " بالسماح للشعب العراقي بتقرير مستقبله " معقولة بشكل مطلق. لكن ما يعنيه ذلك حقاً هو أن يحصل العراقيون على الفرصة لانتخاب ممثليهم المختارين. من المهم توجيه هذا السؤال الأساسي كما يقولا ليما اندرسن و كريث ستانفيلد في بحثهم:
هل يريد الشعب العراقي أن تستمر دولة العراق في شكلها الحالي ؟
لا تستطيع الديمقراطية أن تتأصل جذورها، من دون التزام بشعور وطني أساسي مشترك بالحفاظ على دولة متكاملة. فإذا اختار الأكراد – كما يبدو محتملاً – أن يستمروا في حلمهم التاريخي في دولة مستقلة ، عندئذ يجب أن يقبل المجتمع الدولي هذه النتيجة وأن يحترمها. وعلى العموم ، لن يكون هذا أكثر من تحقيق لوعد قديم أعطي للأكراد منذ 192.. تعتبر بعض دول المنطقة – بشكل خاص تركيا وإيران – تأسيس كردستان مستقلة مخلاً بتوازن المنطقة. ويمكن تقديم حجة مضادة هي بدقة إن غياب دولة كردية تجعل من الأكراد بشكل دائم قوة تخل بالتوازن في الشرق الأوسط.علما إن إزالة الأكراد من دولة العراق سيزيد من الهيمنة العددية للشيعة على السنة في المنطقة المتبقية فهل يقبل السنة بذلك ؟. من الممكن أن الهوية العربية ستتعدى الخلافات الطائفية وسيبقى العراق كاملاً. لكن من الممكن أيضاً أن تسود التقسيمات الطائفية التقليدية، وأن تكون الحصيلة تقسيماً آخر للعراق إلى منطقتي سنية وشيعية. تحدث المرحوم الدكتور علي الوردي في جلسة خاصة عام 1982 وهو عالم الاجتماع الكبير الذي لا غنى عن كتاباته في قراءة تاريخ العراق الاجتماعي الحديث. عند سؤاله عن نظرته إلى مستقبل العراق ففاجآ الجميع بالقول إن العراق لا يجلس إلا على ثلاث (قالها بالتعبير العراقي )، فالأكراد لا يمكن إن يستمروا ضمن الدولة العراقية وسوف يحصلوا على استقلالهم، والشيعة لا يمكن إن يبقوا مواطنين درجة ثانية، والسنة لا يمكن إن تقبل بحكم الشيعة والعيش معهم الند بالند. وهذا ما يقول به ليما و اندرسن ، من الممكن أن ما ينبثق عن العراق المعاصر قد يكون ثلاثة كيانات متميزة. وسيكون كل منها متجانساً نسبياً ، وسيكون كل منها أيضاً قابلاً للحياة كدولة مستقلة أكثر من دولة العراق الحالية. هو كيف يحدث هذا – من خلال عملية مدبرة ومنظمة ، أم من خلال إراقة دماء وحرب أهلية.
من الواضح أن هذا ليس الحل.
أن التقسيم لا يخدم أي فئة أو طائفة أو عرق مهما كبر أو صغر والجميع فيه خاسرون. بل على الجميع إن يقبل أن تكاملهم كشعب هو أساس، وبالعمل والمشاركة بالحكم هو الحل، من خلال دولة مدنية تحترم الإنسان و تحترم حقوقه هذا من جانب ومن جانب أخر يجب أن يقبل الجميع بان عليهم العيش الند بالند، وهذا ما يخدم الجميع.

(باحث عراقي في الشؤون الاجتماعية التاريخية )