رايس توزع وقتها بين الحكومة والمعارضين
"الإصلاح" عنوان أبرز ملف بأول زيارة لمصر
نبيل شرف الدين من القاهرة: لا يقلل من أهمية هذه الزيارة أنها لن تستغرق أكثر من ثماني ساعات فقط تتجول خلالها كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية، بين منتجع "شرم الشيخ" على ساحل البحر الأحمر، حيث المقر المفضل لإقامة الرئيس المصري حسني مبارك، والقاهرة بتكدسها وزحامها وما تشهده من موجة طقس حار، لا يباريها سوى سخونة الملفات السياسية التي فتحت جميعها دفعة واحدة، ومع ذلك فقد أبدت رايس حرصها على ألا تأخذها اللقاءات الرسمية فقط لتحول دون لقاء عدد من المعارضين ودعاة الإصلاح المصريين، كما حرصت أيضاً على إلقاء محاضرة بالجامعة الأميركية تحت عنوان (الديمقراطية والاصلاح) .
وفي مسعى لتطويق أية تأثيرات سلبية لزيارة رايس إلى مصر قام اسامة الباز المستشار السياسي للرئيس المصري حسني مبارك بزيارة غير معلنة الى واشنطن وقبل موعد زيارة رايس الى القاهرة بوقت قصير، وقد عاد ليلة أمس ولم يدل سوى بتصريحات مقتضبة قال فيها إنه سيرفع تقريراً بنتائج زيارته للرئيس .
وزيارة رايس لمصر هي الأولى منذ توليها منصبها في شباط (فبراير) الماضي، وهي زيارة مؤجله حيث كان مقررا ان تتم في الثالث من آذار (مارس) الماضي للمشاركة في اجتماع كان مقررا ان يضم وزراء خارجية الدول الصناعية الثماني والدول العربية لدعم الاصلاحات الاجتماعية الاقتصادية بالمنطقة والذي أرجئ هو الآخر، ولم يتم تحديد موعد اخر لعقده، وحينئذ ربطت مصادر عدة بين هذه الإرجاءات واعتقال المعارض المصري أيمن نور رئيس حزب (الغد) على خلفية اتهامه بالتزوير في توكيلات مؤسسي الحزب، التي حصل بمقتضاها على الترخيص بتأسيس الحزب المثير للجدل في الساحة السياسية المصرية .
ومن هنا فقد كان منطقياً أن يكون اسم أيمن نور، ونائبه للشؤون الخارجية هشام قاسم، وسيدة من أبرز وجوه الحزب ـ والتي استقالت منه مؤخراً ـ منى مكرم عبيد، في صدارة الذين رتبت السفارة الأميركية في القاهرة مواعيد لهم مع رايس، فضلاً عن آخرين منهم أسامة الغزالي حرب، وهو عضو بارز في لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم، التي يرأسها نجل الرئيس المصري جمال مبارك، والذي صرح بأن واشنطن "ينبغي ان تواصل دعم احلال الديمقراطية في هذا البلد، ينبغي ان تكون اكثر اصرارا في هذا"، منتقدا بشكل لافت وغير مألوف من قادة الحزب الحاكم، تلك الإجراءات التي توصف بالإصلاحية، والتي تتيح إجراء انتخابات رئاسية بقوله "آمل ان يشكل هذا استراتيجية دائمة وليس مجرد أمر مؤقتا، لكن ينبغي ان نعتمد اساسا على جهودنا" .
واللافت أن رايس لن تلتقي أيّاً من قادة جماعة "الإخوان المسلمين"، ربما في إشارة عملية على تراجع واشنطن عما تحدثت عنه وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت بشأن التقارب مع الإسلاميين، وهو ما أثار مخاوف الليبراليين في المنطقة، وكذلك لن تلتقي رايس بأي من قادة الحزب الناصري المعارض أيضاً
ووفقاً لبرنامجها في مصر الذي يستغرق نحو ثماني ساعات، فإنه سيتضمن اجتماعات ولقاءات مكثفة مع المسؤولين المصريين، يتقدمهم الرئيس حسني مبارك ورئيس الحكومة احمد نظيف ووزير الخارجية أحمد أبو الغيط، فضلاً عن عمر سليمان رئيس المخابرات العامة، قبل أن تلتقي المعارضين، وتلقي محاضرتها في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وهو ما يشكل مساحة من الوقت تكاد تكون مقاربة لتلك التي ستخص بها رايس الرسميين، في إشارة لها دلالتها غير الخافية .
أجندة الإصلاح
وبعيداً عن التصريحات الرسمية التي تتحدث عن مناقشة "تطورات الأوضاع في مسائل فلسطين والعراق ودارفور"، فمن المتوقع أن تطالب وزيرة الخارجية الاميركية الرئيس المصري خلال لقائهما، بإجراء المزيد من الاصلاحات الديموقراطية، إذ استبقت الزيارة بتصريحات قالت فيها قبل ان تغادر واشنطن إلى الشرق الأوسط إن "الانتخابات الرئاسية تشكل خطوة مهمة غير مسبوقة في هذا البلد"، لكنها استدركت لتصف الإصلاحات الدستورية التي جرت في مصر "خطوة اولى مهمة وليست الاخيرة" معربة عن املها بان تسمح الحكومة المصرية لمراقبين دوليين بالاشراف على الانتخابات الرئاسية، وقائلة إنه أصبح "من المهم ان تدرك الحكومة المصرية ان كثيرين سوف يتابعون سير العملية الانتخابية"، ومضت قائلة "لقد تم ادخال بعض التعديلات على الدستور ولكن هل هذا يكفي، في المطلق اعتقد انه غير كاف وينبغي عمل المزيد"، وهي التصريحات التي جرى تجاهلها في شتى وسائل الإعلام الرسمية في مصر، فضلاً عن الصحف الحكومية أيضاً .
ويرصد دبلوماسيون ومراقبون تحولاً في اسلوب الولايات المتحدة حيال مسألة التغيير السياسي في مصر في الاونة الاخيرة، ليميل الى من ينادون بالحذر لمنع الاسلاميين الذين يعادون السياسات الأميركية في الشرق الاوسط من الوصول إلى السلطة، فضلاً عن عدم الثقة تجاه اتساق الإسلاميين مع النهج الديموقراطي .
أما على الصعيد الرسمي، فقد قالت مصادر دبلوماسية في القاهرة إن مباحثات رايس في مصر سوف تتركز على قضايا الشرق الاوسط خصوصًا تطورات الوضع على الساحة الفلسطينية والدور المصري فيما يتعلق بانسحاب اسرائيل من قطاع غزة"، وأضافت أن المحادثات ستتطرق أيضا الى الوضع في العراق وافريقيا والى قضايا التعاون الثنائي، كون البلدين يرتبطان بعلاقات شراكة استراتيجية، ويسعيان الى دفع هذا العلاقات قدماً كونها تشكل مصلحة لكليهما،وفق للتصريحات المتواترة من القاهرة وواشنطن .
وبينما تحرص القاهرة على توقيع اتفاق التجارة الحرة مع واشنطن في اسرع وقت ممكن، يرى الجانب الأميركي التمهل للتأكد من تطبيق اصلاحات جذرية يطالب بها، فقد أكدت مصر انها قامت باصلاح العديد من القضايا الشائكة في مجالات الضرائب والجمارك، وتعد أيضاً بأنها في طريقها إلى تحقيق مزيد من الاصلاحات، بينما بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والولايات المتحدة خلال العام الماضي قرابة 2ر4 مليارات دولار، في ما تقدر قيمة الاستثمارات الأميركية في مصر بنحو 7ر2 مليار دولار تتركز في بعض المشروعات النفطية والخدمات .
تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن مصر تحتل المرتبة الثانية دولياً على قائمة الدول المستفيدة من المعونات المدنية والعسكرية الخارجية التي تقدمها الولايات المتحدة بعد إسرائيل، كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أن "صحوة شعبية" ألهبت الشارع السياسي المصري، الأمر الذي تؤكد مصادر الحزب الحاكم والمعارضة أنه تسبب في نشوب خلافات حادة داخل الحزب الحاكم، في إشارة إلى مجموعة "إصلاحية" يقودها جمال مبارك نجل الرئيس المصري ضد "الحرس القديم" ويتهمه بعرقلة التغيير والإصرار على ممارسات تجاوزتها الأحداث، ولم تعد تلائم طبيعة الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي لا يمكن تجاهلها أو تحديها الآن .
علاقات ملتبسة
وعلى طريقة عنوان رواية إحسان عبد القدوس الشهيرة "هذا أحبه، وهذا أريده"، يرصد محمد سيد احمد المحلل السياسي البارز ملامح الفتور في العلاقة بين القاهرة وواشنطن ويراه ناجما عن ان أميركا تطبق معيارين في سياستها بالشرق الاوسط بصورة بالغة الوضوح، كما في سياستها تجاه القضية الفلسطينية مثلاً، غير أنه استدرك قائلاً إن هناك في المقابل قناعة مصرية مفادها أن أميركا هي الدولة العظمى الوحيدة، وأن مقاطعتها تكاد تكون ضرباً من المستحيل أو الانتحار السياسي، ولعل هنا تكمن مأساة الموقف المصري، إذ لا يمكنه مقاطعة واشنطن أو تجاهلها ، وليس بوسعه مجاراتها في العلاقة الخاصة معها"، على حد تعبيره
وليس بعيداً عن هذه القراءة السابقة، فإن هناك رؤية أخرى يمكن وصفها بأنها أصبحت هي الأكثر شيوعاً في أوساط النخب السياسية المصرية، يعبر عنها نبيل عبد الفتاح، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية تذهب إلى القول إن طبيعة العلاقات بين القاهرة وواشنطن سوف تظل تراوح بين شد وجذب، فلا المواقف المصرية قاربت الأميركية لاسيما في ما يتعلق بالوضع في الشرق الأوسط، ولا المواقف الأميركية تأخذ المواقف أو حتى النصائح المصرية في الاعتبار، ومن ثم فإنه من المرجح أن تظل العلاقات الثنائية على حافة التوتر خاصة في القضايا الإقليمية .
وعلى الرغم من الإعلان المصري المتكرر بتعاون القاهرة الكامل في الحملة الأميركية على الارهاب، والسعي الى استثمار ذلك الوضع الدولي المتشابك في انهاء القضية الفلسطينية على خلفية سياسة المتاح والممكن، والتعاطي الايجابي مع المسألة السودانية، الا أن استمرار القاهرة في العمل على قاعدة (التوافق) لم يعد ملائماً للتعاطي مع المتغيرات الجديدة، وربما كان ذلك سبباً وراء رؤية رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الدكتور مصطفى الفقي التي عبر عنها بقوله إن "هناك بالفعل خطوات وتفاهمات تجري منذ عامين على الأقل ضمن عملية شاملة لما يمكن تسميته بتوفيق الأوضاع بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، لكنه يستدرك قائلاً إن "إصرار واشنطن على إبداء ملاحظاتها على الانظمة المختلفة في المنطقة، هو أمر من شأنه أن يفتح أبواباً لا يمكن غلقها، ويستدعي حالة مما أسماه الاستفزاز أو الاحتقان بين الشركاء، التي لا نرجو أن تصل إليها العلاقات"، على حد تعبير الفقي .













التعليقات