قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

احتفالات ليلة المولد في الجزائر.. حنين إلى ذكريات الزمن الجميل

كامل الشيرازي من الجزائر: وسط ما حفلت به احتفالات هذا العام في الجزائر بذكرى المولد النبوي الشريف، يستبد حنين جارف هناك بالسكان المحليين تجاه ذكريات الزمن الجميل، أين كانت مدائن القصبة والعقيبة وباش جراح والحراش وغيرها، تزدان بحلل خاصة تأهبا لإحياء المولد، لكنّ هذه الطقوس صارت تمارس باحتشام، تحت هيمنة المفرقعات وسطوة أجواء هستيرية يجزم جزائريو الزمن الماضي، أنّها دخيلة على بلدهم الذي بات يعاني من وطأة صراع غير معلن بين تألق العادات ورياح التجديد، ما أورث ثمة تباينات في تعاطي الجزائريين مع أكثر من مناسبة دينية.
يقول عمي السعيد صاحب السبعين عاما، أنّ أكثر العادات اندثرت ولم يعد لها وجود في ذكرى المولد وأصبح الأمر يقتصر حاليا برأيه على طهارة الأطفال وتحضير الحلوى المحلية الشهيرة (الطمينة)، ويسترجع محدثنا حلقات زمن انقضى:quot; في جزائر بني مزغنة، كنا نقوم بإعادة طلاء البيوت شهرا من قبل، بينما تقوم النسوة بغسيل الأفرشة وتنظيف مختلف مكونات المنزل العائلي، بما في ذلك تزيين شرفات العمارات وملأ المكان بمختلف أنواع الطيبات من مسك وبخور الجاوي والعنبرquot;، ويضيف عمي السعيد:quot;كانت الاحتفاليات تقام في المساجد، وهناك كنا نرتدي أحسن الملابس وأجود العطور والأطايب، وبعد إقامة مدائح وابتهالات والسماع إلى خطب بالمناسبة، نفرح بطهارة الأطفال ونوزّع عليهم هدايا قيّمة لها معاني جوهرية على غرار كتب السيرة والملاحم التاريخيةquot;.


اطلق عمي السعيد زفرة عميقة، معبرا عن استيائه من مظاهر الاحتفال الحالية، ويتساءل عن جدوى الذهاب إلى الصالات والاحتفال هناك بختان الأطفال، وما يصاحب ذلك من إسراف ومظاهر وتفاخر زائف، على حد تعبيره، ويؤيد الحاج أحمد (75 سنة) طرح عمي السعيد، ويرى أنّ احتفالات الماضي كانت ذات صبغة دينية ترقى إلى القداسة، بينما الاحتفالات الحالية مادية تسقط بحسبه إلى الحضيض، ويتساءل الحاج أحمد عن مدلول الإفراط في تفجير المفرقعات وطهي عشرات المأكولات، مستحضرا أنّ معاصريه كانوا يفضلون مرافقة أبنائهم (الذين تتم طهارتهم) إلى بيوت الله ويلبسونهم سراويل فضفاضة تشبهاً بالرجال إكراماً لهم، كما تقدّم لهم هدايا متنوعة، وهناك تستمر جلسات الذكر والإنشاد والسمر الروحي البريئ إلى غاية الفجر، وسط جو رائع مزدهي بباقات الياسمين والشموع المختلفة الأصناف والتشاكيل.


من جهتهنّ، تستذكر النساء الجزائريات صفحة من الزمن الجميل، عندما كنّ تتحلقن في أسطح المنازل أو في باحات المنازل، وتمدّ هناك المنازل وصينيات الشاي الأخضر، وألوان من الحلوى، تمهيدا لبدء quot;فوازيرهنquot; وهي ما تعرف في الجزائر باسم (البوقالات)، وهي طقوس تراثية شائعة الصيت هناك، بهذا الصدد تروي لالا فطيمة (68 عاما):quot;كانت البيوت الجزائرية بطعم خاص في تلك الليلة الليلاء، تتسابق الكبيرات والصغيرات، المتزوجة والعزباء على تجريب حظهنّ في quot;البوقالةquot;، كانت نسوة الحارة بأسرها تجتمع هنا (مشيرة إلى سطح واسع ينتصب على مقدمة إحدى دويرات حي القصبة السفلى).
وتشرح الحاجة الطاووس (65 عاما) كيف أنّ الفتيات كنّ يرتدين أجمل حلة معروفة باسم quot;الشدّةquot; وتتشكل من القفطان وبلوزة المنسوج التي تملأ بأنواع المجوهرات، وتزين ذراعي الفتاة الصغيرة بأساور من الذهب كما يوضع على رأسها تاج مرصع باللآلئ، قبل أن تعطى إشارة انطلاق لعبة quot;البوقالةquot;، وتسترسل الصبايا والعجائز التي تحفظ البوقالات quot;عن ظهر قلبquot; في التباري وقول أجمل المقطوعات الشعرية اللطيفة المعنى التي غالبا ما تتمحور حول الحب العفيف والحزن على فراق الأحبة والخلان والأمل بعودتهم، لكن هذه (البوقالة) صارت شبه زائلة رغم ما تختزنه من طقوسيات ورمزيات مثل:
باسم الله بديت ** وعلى النبي صليت
وعلى الصحابة رضيت ** وعيّطت يا خالقي
يا مغيث كل مغيث ** يا رب السماء العالي

وبرغم كل ما تقدّم عن اختفاء تقاليد ماضية من القاموس الجديد للجزائريين، إلاّ أنّ ثمة عادات لا تزال راسخة كزيارة الأهل والأقارب لتوثيق الروابط الاجتماعية وفك النزاعات وإقامة الصلح بين المتخاصمين وتخصيص الفخذ لكل منهما، حيث يحرص الجزائريون بحكم تشبعهم بتعاليم الدين الحنيف، على التصدّق وإشاعة أعمال الخير.