لعل كل من درس في ثانوية مغربية من النوع العمومي، يتذكر تلك العروض التي درج أساتذة اللغة العربية أن يكلفوا بها بعض التلاميذ، بالموازاة مع المقرر الدراسي. هذه العروض تستحق فعلا أن تنعت بالترفيهية... طبعا بعد إذن المسرحيين أصحاب ساعتين من الفكاهة والمرح، والاعتذار لأساتذة اللغة العربية المتفانين في عملهم. العروض ترفيهية، لأنها كانت تشكل فسحة حقيقية للتلاميذ كي يتنفسوا خارج المقرر، ويخرجوا من روتين النحو والشكل والصرف والتحويل. رغم أنها في الأصل، مجرد حيلة ماكرة من الأستاذ كي يعفى نفسه لحصة أو حصتين، من إلقاء دروس، لكم تصير مملة مع كر السنوات !
وكان موضوع المرأة، بلا منازع، أشهر المواضيع التي كانت تتطرق إليها هذه العروض. أتذكر كيف كان الفصل ينقسم إلى قسمين، ويشتعل النقاش بين مناصرين ومناهضين، ويتألق قاسم أمين والطاهر شريعة وأحمد شوقي وجميل صدقي الزهاوي... ويتعارك الذكور ضد الإناث، وسط حماس لا مثيل له، إلا في الاتجاه المعاكس أوفي حلقيات الجامعة !
إلى جانب موضوع المرأة، كان الأساتذة يقترحون موضوعا آخر لا يقل شهرة، رغم أنه أكثر التباسا: نحن والآخر. كانت العروض التي يتكلف بإنجازها أنجب التلاميذ، أولئك الذين يحصلون على أبرز النقط ويضعون عادة نظارات طبية سميكة، سطحية ساذجة ومليئة بالأحكام الجاهزة، لكن كان فيها كثير من الحماس..... والمثير في هذه العروض أنها تعكس انشغالات العرب الأبدية: قضية المرأة والعلاقة مع الآخر. وأتصور الآن أن كثيرا من الكلام الذي لكناه في وقتنا حول موضوع المرأة، بات اليوم متجاوزا. بعد أن أحرزت قضيتها بعض التقدم في كثير من الدول العربية، خصوصا في المغرب مع مدونة الأسرة الجديدة. أما موضوع العلاقة مع الآخر، فلم يزد إلا غموضا والتباسا وتوترا مع مرور السنوات.
مازالت سيارة النهضة العربية معطلة على طريق التاريخ السيار. ومازلنا نحمل المفاتيح والأدوات نفسها لكي نصلحها وقد بدت صدئة وسخيفة بعدما لم يعد لمثيلاتها وجود. مازلنا نقول لبعضنا البعض كل يوم بألف صيغة وصيغة : لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ و بدل أن ننظر أمامنا، نبحث عن الجواب في الماضي السحيق. الأسئلة ذاتها مازالت مطروحة بالحدة ذاتها، كما كان الأمر على عهد رواد النهضة الأوائل، رفاعة طهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وابن باديس وسلامة موسى وعلال الفاسي ومحمد حجي وطه حسين... والآخرون. ربما بحدة أكبر.
مند سقوط الأندلس، وقبلها، والعرب يراكمون الهزائم والخيبات، لكنهم يعزفون أناشيد النصر. سقطت بغداد في يد التتار ورثيناها، وهتفنا انتصرنا وسننتصر. وعاد إليها التتار الجدد، ومازلنا نصيح بأننا المنتصرون. ولعلكم تذكرون كيف خطب صدام حسين في جنوده سنة 1991، سنوات قبل أن تأخذ له صور في مزبلة التاريخ، بعدما دحرته قوات الحلفاء وصاح: تراجعوا منتصرين. وقبله عبد الناصر الذي كان يقول لنا كل يوم بأنه سيرمي اليهود في البحر وخسر طائراته كلها في ستة أيام.
نحن أمة الوهم والشعارات والذل والمهانات كلها. لم نتعلم من دروس التاريخ شيئا. لم نقرأ ابن خلدون وابن رشد وابن حزم وابن عربي، لكننا نفاخر بهم. ورثنا أطنانا من النخوة والكبرياء والاعتزاز الفارغ، ولم نشاهد أنفسنا في المرآة مند قرون. مازلنا نحسب أننا الأفضل. أننا الأقوى، وأن العالم يتآمر علينا كي نبقى متخلفين إلى الأبد. والحقيقة أننا نتآمر على بعضنا البعض. نتفرج على هزائمنا من الشرفات وفي الشوارع والتلفزيون، ونتمتم ببلاهة، إننا سننتصر. لم نعترف بأي هزيمة، وكي نبرر انتصاراتنا الوهمية، نفجر أجسادنا على العالم، وعلى بعضنا البعض. نحن لاعبون رديئون. كل من خسر، يعترف بذلك، ويعيد بناء نفسه ومستقبله، لينطلق من جديد. هكذا فعلت اليابان وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا... ونحن من قرون نرفض أن نعترف بأننا خسرنا. لاعبون رديئون نحن. نجلس وراء الحضارة، ونشتمها.
أجل، لقد حملنا التقدم والمعرفة والاكتشافات إلى أوربا وأضأنا ليل العصر الوسيط البهيم، لكننا انتهينا. لم يعد العالم في حاجة إلى نقوشنا وزخرفاتنا وخيولنا وسيوفنا وقصائدنا العصماء، لكننا مازلنا نفخر بكل تلك الأشياء المتحفية. العالم مشى بخطوات عملاقة في اتجاه الضوء، ونحن مازلنا نحمل قنديلا باهتا ونفتخر. لقد اخترعوا الصواريخ والطائرات والكهرباء والسيارات والحواسيب والهواتف المحمولة، و مازلنا نحن نفاخر باكتشاف الدورة الدموية والصفر، ونهتف باسم رجل سقط ومات، وهو يجرب الطيران.
كيف ينهض من لا يعترف بأنه مرمي على الأرض وغارق في الحضيض؟
لقد اخترقت شهرتنا الآفاق: بدو العالم نحن، برابرته وحثالته.
في أوربا، يقولون لبعضهم البعض على سبيل التحذير: لا أريد شغلا عربيا. بمعني لا أريد غشا واحتيالا في العمل. هاهي ذي قيمنا التي نشرنا بين الأمم. نقول إن الكذب حرام ورذيلة وجرم، لكننا نلونه، ونمارسه كل يوم بالأبيض والأصفر والبني... بضمائر مرتاحة. أين هي الضمائر أصلا؟ لقد أعطيناها إجازة مفتوحة، وقررت ألا تعود.
نشتم النصارى واليهود ونعلق على مشجبهم كل هزائمنا. نحن فصيلة على طريق الموت. سلالة تتجه بخطوات خفيفة نحو الانقراض. ولن يحدث شيء عندما يخرج العرب نهائيا من التاريخ. صدقوني. ستواصل الحضارة الإنسانية سيرها. ولن يتذكرنا الناس إلا في كتب التاريخ، لكي يأخذوا العبر. سينقرض العرب. أين الوندال والفينيقيون والفراعنة والبيزنطيون؟ أينهم؟ لقد اختفوا في منعرجات التاريخ إلى الأبد.
لعلكم تتذكرون آخر ما كتبه الشاعر نزار قباني، قصيدة/وصية تحت عنوان: متى يعلنون وفاة العرب؟
كتبها ومات. وهاهي ذي نبوءته قيد التحقق.

[email protected]