سألت عددا ممن أعرفهم من أعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي: ما هي الرسالة الخالدة التي تحملها الأمة العربية، والتي رمى إليها الحزب في شعاره المعروف (أمة عربية واحدة – ذات رسالة خالدة)؟ وهل هي رسالة للعالم أجمع؟ أم للشعوب العربية والمعربة فقط ؟ بعضهم تردد كثيرا في الإجابة، وقال: لست أدري، ما رأيك أنت؟ وبعضهم فكر مليا قبل أن يجيب بأن الرسالة الخالدة للأمة العربية هي: الوحدة والحرية والاشتراكية. وحين اعترضت وقلت: هذه أهداف الحزب، وليست رسالة الأمة العربية. أطرق بعض الوقت، وأعاد التفكير، وقال: (نفس الشيء)، فالحزب يتمثل قضايا الأمة العربية، ويعبر عن أهدافها وطموحاتها، ولا فرق بين أهداف الحزب، وأهداف الأمة ورسالتها. واحد فقط ممن سألتهم قال: الرسالة الخالدة، رسالة إنسانية، تعني: تعايش أتباع الديانات السماوية، والأقليات المختلفة، باعتبار أن بلادنا مهبط الوحي لهذه الديانات.
لم تخطر في بالي هذه المسألة من قبل أبدا، ولم يحدث أن فكرت يوما في هذا الأمر، أو سألت نفسي عن ماهية هذه الرسالة الخالدة، ومضامينها، وفيما إذا كانت الأمة العربية تحملها لكل الأمم، أم لشعوبها فقط. فمنذ عقد الخمسينات، وهذا الشعار يطرق أسماعنا، ويملأ وجداننا، دون أن نفكر لحظة واحدة في محتواه، ومعناه. أو بالأصح كنا نظن أن رسالة الأمة العربية تتمثل في مقارعة الاستعمار، ومد يد العون والمساعدة إلى كل شعوب الأرض المغلوبة على أمرها، أو التي ترزح تحت نير الاحتلال، لتحريرها من تبعيتها، وقيودها، وتمكينها من الإمساك بزمام قيادتها، ومقدراتها.
لقد كانت مرحلة (الخمسينات والستينات) مرحلة الاعتزاز الوطني والمد القومي في جميع أصقاع البلدان العربية، والعالم. فيها قامت ثورة(23 يوليو). وفيها اندلعت ثورة المليون شهيد في الجزائر، وحققت الاستقلال. وفيها تم تأميم قناة السويس، والتصدي للعدوان الثلاثي، وفيها تمت وحدة سوريا ومصر، وفيها تمت ثورة (14 تموز)، وثورة اليمن، واستقلال عدن. وفيها انبثقت مشاريع وحدوية، واستقلت بلدان كثيرة. وكسر احتكار السلاح، وتعمقت العلاقات مع حركات التحرر العالمية، وولدت منظمة دول عدم الانحياز. وكانت بحق، مرحلة حافلة بمعارك الاستقلال الوطني، والنضال ضد الاستعمار، إن في البلاد العربية، أو الآسيوية والأفريقية، أو في بلدان أمريكا اللاتينية. وفي جميع هذه المعارك والنضالات، كان الشعور القومي هو الموجه الأقوى، وأهم المرتكزات التي استندت إليها الشعوب المقهورة، أو على الأقل الشعوب العربية، في نضالها ضد التبعية والاستعمار، للحصول على الحرية والاستقلال.
ولكن مع انتشار الفكر الإسلاموي السياسي، وانحسار الفكر العلماني الذي يدعو لفصل الدين عن الدولة، تقليدا على الأقل، لما كان يحدث عمليا في كل عصور الخلافة الإسلامية. ومع ظهور القوميين الجدد، الذين تحسبوا للمستقبل، وعاموا مع التيار، فاستبدلوا ما كانوا يدعونه من فكر، بفكر جديد، وخلطوا أوراقهم بأوراق غيرهم، وتماهوا معهم، إلى درجة الاندماج بالمتأسلمين السياسيين، وخاصة منذ نهايات القرن العشرين، وبروز ظاهرة بن لادن، وتفاقم نوعية العمليات الإرهابية، واتساعها عالميا، مما أدى لظهور مقولة (كل إرهابي مسلم)، ولا أقصد العكس.
في هذه المرحلة، إن راقبت بعض وسائل الإعلام، وخطب، وأدبيات، وكتابات المتأسلمين السياسيين وحلفائهم من القوميين الجدد، وحتى (العاديين) المعبأين لخدمة مصالح قادة هذا الفكر السياسي. لاكتشفت دون أي جهد أن رسالة الأمة العربية للعالم، هي الجهاد (أي القتال) في سبيل الله، لنشر دينه الإسلام. وأن الأمة العربية- كما يقولون- قد خصها الله وشرفها بهذه المسؤولية، فكما اضطلعتْ بهذه المهمة، في بداية الدعوة الإسلامية، ونجحت بها، ونشرت دينه. عليها أن تضطلع بها الآن. فهل كنا مخطئين في فهمنا لرسالة الأمة العربية؟ أم أن المفاهيم قد تغيرت وتبدلت ؟
وهل كان المسيحيون العرب، وغيرهم من الأقليات الدينية، الذين ساهموا مساهمة نشيطة في نشر الفكر القومي العربي، منذ بدايات القرن العشرين، وكان لهم دورهم في طرد الاحتلال العثماني من البلاد العربية. كما شاركوا مشاركة فعالة في تأسيس وقيادة الروابط والمنتديات والأحزاب القومية العربية، والمنظمات المسلحة المناهضة للصهيونية، وفي مقارعة الاستعمار، ومعارك الاستقلال. هل كانوا على دراية بهذا الفهم الذي يتم تداوله في هذه المرحلة، لرسالة الأمة العربية، وهم جزء لا يتجزأ منها؟ أم كانوا يجهلون؟
[email protected]















التعليقات