شيخوخة الواقع البشري: محاولة لتأسيس منهج جديد

محاولة استكشاف الازمنة والوعي بها
يقول فوكوياما ليس (التاريخ العالمي للبشرية) و(تاريخ العالم) بعبارتين مترادفتين. فالأول ليس بقائمة موسوعية كل ما هو معروف عن البشرية، وإنما هو محاولة لاكتشاف نمط معين بمغزى في تطور المجتمعات الانسانية بوجه عام. ولقد كان أول تاريخ عالمي عرفه القديس أغسطين المسيحي. ولكن اكثر المحاولات جدية بكتابة تاريخ عالمي جاءت من قبل الالمان المثاليين. واقترح الفكرة الفيلسوف العظيم إيمانويل كانط في مقالة له كتبها عام 1784م وعنوانها " محاولة لكتابة تاريخ عالمي من وجهة نظر عالمية ". وأعتقد ان كلامه هذا صحيح مع بعض تقصير متعمد او غير متعمد، ذلك ان العرب المسلمين كانت لهم ادوارهم المتنوعة في استكشاف قيمة الازمنة وكتابة تاريخ عالمي قبل الاوربيين بأزمان ساحقة ووصلوا الى قمة عطائهم الحضاري في هذا المجال على يد المؤرخ العلامة عبد الرحمن بن خلدون الذي لم يقصر دعوته على تاريخ العالم من خلال سلسلة احداث سياسية، بل دعا الى تأسيس عمران بشري، اي تاريخ عالمي جديد للبشرية، ولكن من دون ان يدرك احد في هذا الوجود ما قاله الرجل قبل مئات السنين!
وعليه، فحينما يفكر الناس في الماضي سواء كانوا عاديين او فلاسفة أو علماء، فان تفكيرهم ليس صحيحاً صحة مطلقة أو صحة موضوعية، وإنما هو صحيح بالنسبة للأفق التاريخي أو الحضاري للفرد في زمنه.وعلى هذا يجب ان ننظر للتاريخ البشري على انه تسلسل متنوع لمختلف الحضارات ومستويات الإنجاز المادي والاهم باعتباره تسلسلاً لمختلف أشكال الوعي باساليب الحياة البشرية وثقافات الشعوب المتنوعة، اي ان نبحث بالضرورة عن منهج حقيقي ومتقدم يختلف اساسا عن كل ما كان في القرن العشرين.. منهج يتوغل في: معرفة معاني ثقافات العالم بعيدا عن الانوية وعبادة الذات والعصبيات والنعرات الشوفينية والقومية او الاوهام المخيالية او التصورات النظرية التي لا تطبيقات لها ابدا.


آلية الرغبة بين بقايا الموروثات وترسباتها وبين مستلزمات العصر:
لابد ان نبدأ من حيث تنشيط قوى الارادة والثقة الكاملة باستعادة التوازن الذي افتقد في القرن العشرين تاريخيا بين الجانبين المذكورين، ولابد ايضا من طرح التساؤل التالي:هل سيفيدنا هنا التاريخ الغائي؟ وهل ثمة ما يدعو الى الاعتقاد انه سيحدث تطور عالمي يمس حياتنا وتفكيرنا وتصرفاتنا وقراراتنا كلها باتجاه او صوب ممارسة الديمقراطية الليبرالية بعد معايشتها؟ ان كان التاريخ لا يعيد نفسه أبداً وهذا ما لا يدركه الكثير من الناس، فلابد ان هناك آلية دائمة وواحدة، أو مجموعة من الأسباب الأولى والعوامل التاريخية التي تفرض التطور في اتجاه واحد، وهي الالية التي تحفظ ذكريات العصور السابقة في دوراتها المختلفة والمتسلسلة حتى الزمن الحاضر. فلقد انطلقنا من تأسيس على نظرية المجايلة التاريخية التي اعتمدت تقسيمين متداخلين للتاريخ، تقسيم من وحدات الماكرو للعصور المتسلسلة وفي داخل كل عصر منها تقسيم من وحدات المايكرو للاجيال المتسلسلة.. ( انظر التفصيلات في كتابي: المجايلة التاريخية: فلسفة التكوين التاريخي ). ان النظريات الخاصة لدورات التاريخ وتحقيباته لا تتبلور ضمن سياقات عفوية لأحداثه فالمهم ان لا تستبعد احتمال التغير الاجتماعي وقدراً محدوداً من مظاهر الانتظام في عملية التطور الانساني في مجمل علاقاته ليس بالمجتمع او الدولة، بل بالزمن والذي ندرك انه نسبي، فستكون العلاقة نسبية، وما دامت الجغرافية قد خضعت لتغيير في المكان والموضوع وقد صغر العالم كثيرا من خلال ثورة الاتصالات، فان العلاقة بين الانسان والمكان قد غدت نسبية هي الاخرى..
وعليه، فان الانسان في القرن الواحد والعشرين سيعيش جدلية من نوع جديد غير مألوف تحكم علاقته بكل من التاريخ والجغرافية اعتمادا على النسبية.. غير انها ليست في حاجة من جديد الى أي مصدر واحد للسببية التاريخية.. كذلك فإن عليها – كما يريد ويقترح البعض - ان تنص أيضاً على مسار للتحلل يمحي بمقتضاه تماماً الوعي بإنجازات الماضي، ذلك لأنه بدون احتمال النسيان الكامل للتاريخ – كما يقولون - ستبني كل دورة على أساس من خبرات الدورات السابقة ولو بقدر بسيط! ولكن هذا سيجعل الانسان ينظر الى ورائه فلم ير غير تكوينات متكلسة وعناصر ميتة من الحياة وتاريخ لا نفع فيه.. فهل سيحدث ذلك بمنتهى البساطة في كل هذا العالم؟ انني اعتقد بأن القرن الواحد والعشرين هو الحلقة الاخيرة من عصر كامل سيعيش العالم فيه على منتجات القرنين التاسع عشر والعشرين.. فهناك مجتمعات آسيوية وأفريقية في عالم الجنوب لم تزل في طور الشيخوخة تعيش على مخلفات ثقافاتها الموروثة وترسبات تواريخها القديمة.. فليس من السهل ابدا ان تقاس حركة ما اصاب العالم كله من تطورات كبرى وجذرية على كل الدنيا!


تراكم بلا حدود: العولمة المضادة
بالرغم من سوء سمعة الرأسمالية سواء لدى اليمينيين من المتديّنين والدينيين أو اليساريين الاشتراكيين الماركسيين، فإن تفسير انتصارها كابيتاليا في نهاية المطاف باعتبارها النظام الاقتصادي الوحيد الصالح للبقاء في ضوء المذهب الآلي، أيسر من تفسير انتصار الديمقراطية الليبرالية في المجال السياسي. ذلك أن الرأسمالية قد ثبت أنها أكثر فعالية من النظام الاقتصادي ذي الخطوط المركزي سواء في مجال تطوير التكنولوجيا واستخدامها أو في مسايرة الظروف سريعة التغير الخاصة بالتقسيم الدولي للعمل، في ظل أحوال الاقتصاد الصناعي الناضج. ان الدعوات سارية اليوم بشدة بأن تتمتع المجتمعات العالمية قاطبة بدرجة من الحرية في تنظيم الاقتصاديات الرأسمالية والتخطيط لها. ولا يفرض منطق الآلية التي نؤمن بها هذه الدرجة بصورة جامدة. وهكذا نجد أن نخبا وجماعات تعمل بحرص على احداث توازن بين عالمي الشمال والجنوب في ما اسميته بـ " العولمة المضادة ".
وهنا أود أن أوضح صورة مرسومة واضحة وخطوط عريضة محددة كما يريد البعض من علماء ومفكري عالم الجنوب ان يرسلوا برسالة مهمة الى ابناء الشمال مفادها أن يصار الى اي نوع من الشراكة في المنافع والمصالح.. وان يوضح الشمال لنا بأن ازدهار التحديث الإقتصادي القائم على أساس من التكنولوجيا سيخلق حوافز قوية لدى مختلف الدول والمجتمعات المتقدمة وان الدول والمجتمعات المتخلفة تطمح لأن يكون لها شراكتها الحقيقية لا ان تبقى عاجزة في الظل يستفاد منها ولا تستفيد، علما بأن هناك حاجة ماسة لخلق الاستعدادات من قبل عالم الجنوب على قبول الشروط الأساسية للحضارة الإقتصادية الرأسمالية العريضة إذ يسمح بدرجة كبيرة من التنافس الإقتصادي ويسمح كذلك بإطلاق كل الحركة لآليات السوق لكي تنهض بمهمة تحديد الأسعار. لقد ثبت حتى الان ان قدرة أي وسيلة أخرى لتحقيق الحداثة الإقتصادية الكاملة من خلال خلق البنى الفوقية في المجتمع قبل ان تنفق الدولة المليارات على البنى التحتية التي لا يمكنها ان تسود وتتطور الا بواسطة خلق قوى الانتاج وتوظيف كل الموارد في خلق البنى الفوقية الانتاجية الاقتصادية والتنموية.


انتصار الميديا الاعلامية
ان العقد الأخير من القرن العشرين بدا للناس أمراً طبيعياً أن تكون الرأسمالية الكابيتالية المنتشرة حتمية في البلاد المتقدمة. وأن تكون الاشتراكية الماركسية اللينينية المنعزلة عقبة كأداء في سبيل خلف الثورة والحضارة التكنولوجية الحديثة. أما ما كان أقل وضوحا للناس فهو المزايا النسبية للظاهرة الاشتراكية مقارنة بالبشاعات المؤلمة التي اقترفتها الرأسمالية فيما يتصل بكل مجتمعات العالم وخصوصا في الدول المتخلفة او الدول الأقل تقدماً التي لم تصل بعد إلى مستوى التصنيع في أوروبا، وبدأت ثورة اكتوبر الاشتراكية تعمل ضمن المنهج الايديولوجي الذي رسمته لنفسها اعلاميا، وانتشر منذ تلك اللحظة التاريخية الاعلام المضاد للرأسمالية من قبل موسكو والعالم الاشتراكي الذي ستخلقه فيمشي في ركابها ردحا طويلا من السنين. وظل للتخطيط المركزي الاشتراكي جاذبيته الخاصة حيث أنه يشير إلى طريق سريع لتراكم رأس المال، وإعادة توجيه " الرشيد " للمواد القومية في التنمية الصناعية المتوازنة، وقد تمكن الاتحاد السوفييتي من تحقيق ذلك باستخدامه الإرهاب الصريح في القرن العشرين، وهي عملية استغرقت من رواد الصناعة في الولايات المتحدة وبريطانيا مرتين من الزمان دون اللجوء إلى وسائل قمع. إن منطق العلوم الطبيعية الحديثة التقدمية يميل بالمجتمعات البشرية صوب الرأسمالية وهذا ما وجدناه في المجتمعات التي تحررت من القبضة الاشتراكية كالصين ورومانيا ويوغوسلافيا والمانيا الشرقية وغيرها. ان الاعلام يبقى يخادع سنوات طوال حتى تنكشف من ورائه المزيد من الالاعيب وانتج المفبركات والاكاذيب! وبقدر ما يتسنى للبشر رؤية مصالحهم الاقتصادية الذاتية بوضوح فأن مذهب التجاريين ونظرية التبعية وغيرها من المذاهب الفكرية التي شبهت بالسراب فإنها حالت بين الناس وبين هذه الرؤيا الواضحة. أن تجارب آسيا وأوروبا الشرقية هي الآن بمثابة حقول تجريبية مهمة ينبغي الحكم في ضوئها على كل مزاعم النظم الاقتصادية المنافسة للرأسمالية.


في مضمار التعليم.
ان العلاقة بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية ليست دوما علاقة مصادقة نظرا لخلافات مستحكمة وقديمة او مزمنة بين المجتمع واقتصاده الذي تلاعبت به الدولة من وراء ظهر المجتمع وتحمل وزر اخطاء اقتصادية جسام. وعليه، فان البواعث وراء اختيار الديمقراطية ليست اقتصادية في أساسها، إذ لها مصدر آخر وهو ما يسهله التصنيع دون أن يجعله حتمياً. فمثلا ما جرى من متغيرات اقتصادية في أوروبا الجنوبية 1958 م وفي آسيا إذ نعلم بأن اليابان هي أول دولة في شرقي آسيا تتبنى الحداثة وأنها أول دولة تحقق الديمقراطية الليبرالية المستقرة. وهناك أيضا جنوب أفريقيا والتحولات البطيئة التي جرت في اجزاء حيوية من الاتحاد السوفييتي وغيرته من مجتمع زراعي إلى مجتمع حضري وارتفع فيه مستوى التعلم الجماهيري والتخصصي. ان هناك ثلاث حجج للدلالة على أن التصنيع المتقدم يؤدي إلى الديمقراطية الليبرالية، وهذه الحجج هي كالتالي:
1/ حجة وظيفية تقول إن الديمقراطية وحدها هي القادرة على التوفيق بين المصالح المتعارضة المعقدة الناجمة عن طبيعة الاقتصاد الحديث. ولابد من مناقشة هذا الرأي.
2/ الحجة الثانية تفسر كيف أن النمو الاقتصادي يؤدي إلى الديمقراطية فهي متصلة بميل الدكتاتوريات أو نظام الحزب الواحد إلى التحلل التاريخي بمضي الزمن، والتحلل بسرعة أكبر حين تواجهه مهمة إدارة مجتمع متقدم تكنولوجياً.
3/الحجة الأخيرة وهي الأقوى وأنها تقارن التقدم الاقتصادي بالديمقراطية الليبرالية. فتذهب هذه الحجة إلى أن التصنيع الناجح بخلق مجتمعات للطبقة الوسطى تطالب بالمساهمة في الحياة السياسية وبالمساواة في الحقوق. ولابد من مناقشة هذه النقاط بإسهاب واضح في محاضرتنا الثانية.
شكرا على حسن استماعكم

نص ترجمة لمختصر المحاضرة العلمية الاولى

مؤرخ واكاديمي عراقي مقيم في كندا والامارات
[email protected]