قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

من اراد ان يتعرف على نوعية النظام الذي يحكم مجتمعا ما، بشكل عابر وسريع وهو يجوب المدينة عليه بملاحظة مدى انتشار صور الزعيم الرمز القائد الملهم على واجهات المؤسسات الحكومية والمحال التجارية والطرقات وعلى اغصان الشجر وفوق اجنحة اسراب الطيور، وكذلك الكمية الوفيرة من الالقاب والدعوات المباركة قبل ذكر اسمه وبعده.

في زمن الزعيم القائد المهيب المناضل صدام حسين، كانت الاصنام والصور تعمم في كل منطقة وتحتل كل واجهة، بحيث لو توجهت -سابقا- الى وزارة حكومية لوجدت اطار برواز كبير تنتظرك على اعلى بوابتها وعليها صورة القائد الاعلى، وقد حملت بما يوحي معنى عمل كل وزارة، فان كانت وزارة العدل فالميزان معلق على راحة كفيه، وان توجهت الى منشئة نفطية كانت صورة الزعيم تعتمر قبعة المهندسين. وهكذا كان مع كل مؤسسة يلبس القائد حلة ورمز مايدل عليها! وقد كان اول مافعله المحررون من قوات التحالف، هو هدم الصنم الاكبر في ساحة الحرية يوم سقوط بغداد الكبير، 9 ابريل/نيسان 2003م. فارتعدت اصنام المنطقة ذعرا وخشية.. ولازالت، من هول المفاجأة. طبعا الحديث هنا لن يطال اصحاب السمو من الامراء والسلاطين والملوك، لسبب بسيط، هو انهم لم يعلنوا بلدانهم جمهوريات، وبالتالي، اكتفوا ببلدان عبارة عن ممالك ومزارع خاصة للاسر الحاكمة، جيلا متوارثا بعد جيل، حتى يفيق اهلها من الغيبوبة وفقدان الوعي على امل اليقظة والادراك بحقوق المواطنة والمطالبة بممارسة العمل السياسي الحزبي والفردي الحر وتبادل السلطة السلمي. ولكن نحن بصدد تلك الاقطار العربية التي اعلنت (الجمهورية) واضافت صفة النظام الديموقراطي كصبغة للممارسة السياسية.

في زمن الجمهورية العربية اليمنية وتحديدا في 1974م، عمد الرئيس الشهيد/ ابراهيم محمد الحمدي على الغاء كل مظاهر الصفات التعظيمية او الادعية التي تطلق عادة قبل ذكر اسم رئيس الجمهورية و بعده، فاقتصر الخطاب الرسمي على كلمة (الاخ) رئيس الجمهورية، والغى كلمة السيادة و الفخامة وكذلك الدعوات الى الله الابتهالية من بعد ذكر اسمه، وكان القرار صائبا وحضاريا يستحق التقدير، خاصة في حقبة السبعينات. ومما يلفت النظر ان نظام الحكم حينها لم يكن ديموقراطيا بل كان (فرديا)، لم تتبلور بعد الافكار الديموقراطية والدعوة اليها في تلك الفترة (القومجية)، حتى جاءت الوحدة اليمنية في 22 مايو/ايار 1990م، لتنهي زمن التشطير وترسي دعائم الممارسة الديموقراطية الوليدة في المنطقة، وفرح الشعب وابتهج، واستبشر ببشائر العصرنة والانفتاح والديموقراطية.

ولكننا نشهد اليوم (رجعة) تدريجية الى هذه المصطلحات الموصومة بالحكم الفردي الشمولي وبشكل يبدو ممنهجا، حيث تظهر جلية في خطب واقوال الوزراء المعينين في السلطة وعلى رأسهم رئيس الوزراء عبدالقادر باجمّال، اذ يتحتم عليه، ان يضيف لقب (الفخامة) الى جانب صفة رئيس الجمهورية ويختم مستدركا بالدعاء له بـ(حفظه الله)، وافتراضنا ان الامر قد يكون ممنهجا، سببه، ملاحظة تكرار ذلك مع كل مسؤول حكومي صغير كان او كبير، وكأنه لزاما على المسؤول، اذا ما هّم بذكر الرئيس في سياق حديثه ابتدئه بالتفخيم وختمه بالابتهال بالدعوات بحفظ الله ورعايته، وكذلك نجد مثل هذه المنهجية غزيرة في اطلاق الالقاب التعظيمية والتفخيمية في الصحافة المقروئة والمرئية الرسمية وتصدر خاصة من كتّاب السلطة، مما يوحي بان هذا التوصيف الممنهج قد صدر به قرار غير مكتوب (شفهي) معمم، كما حدث في القرار الشفهي المعمم على العاملات في الاعلام والتلفزيون بضرورة ارتداء الحجاب قبل الحملة الانتخابية لكي لاتستغلها المعارضة (الاسلامية) ضد الحزب الحاكم، وبالتالي ضيق على كل العاملات من المذيعات ومقدمات البرامج في هذا الحقل لغرض سياسي، قاذفة السلطة بمفهوم حرية الاختيار وحقوق الانسان بعرض الحائط، كما تجدر الاشارة ان القرار الشفوي بالزامية الحجاب معمم ايضا في مصلحة الجوازات عند ارفاق الصورة الشخصية لجواز السفر.

قد نتفهم ابتهال ودعاء باجمّال للرئيس بأن الله يحفظه، والتي تعني وبدون شك في هذا المضمار الضيق، التعشم بحفظ باجمال في المنصب، واستمرارية الرئيس بالاحتفاظ بمنصب رئاسة البلاد مدى الحياة، كدعوة دائمة، وهذا معنى حفظ الله وبركته بين المسؤول والرئيس، اي هي دعوة ابتهال مزدوجة المعنى لرئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية غرضها الاحتفاظ بالمنصب في الحالتين، مع ان هذا لايتفق مع اعلان الجمهورية اليمنية كدولة (جمهورية وديموقراطية) قابلة للتبادل السلمي للسلطة وذا اُفق محدد لتولي مقاليد الحكم. ولكن، لانتفهم ان يقوم اعضاء في مجلس النواب (البرلمان) بالدعاء ذاته (الممنهج) كون انتخابهم قد تم من قبل الشعب، ولم يعينوا بقرار جمهوري. هذا الاسلوب في الحقيقة غير مستساغ ولايبدو طبيعيا، والشعب قد تفتحت عيونه ومداركه، وصار يستهجن هذه الموشحات القديمة ويتململ من سماعها، واصبح الشعب يقارن ويميز، بفضل سرعة وسائل الاتصالات المختلفة وانتشار الفضائيات والانفتاح، وبكلمة اخرى بفضل العولمة، بين رئيس دولة اجنبية متحضرة واسلوب الخطابة في حضرته، وبين هذه الاساليب العربية التي عفى عليها الزمن، كما لو قال ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي عن رئيسه (فخامة) الرئيس جورج والتر بوش (حفظه الله)، او وزير الداخلية الفرنسي دومينيك دي فيلبان عن شيراك (ادامه الله). او يُسخر طفل صغير في محفل رسمي بقراءة شعر بقافية تمتدح حكمة وحنكة الالماني المستشار غيرهارد شرودر (ادام الله ظله) او البريطاني توني بلير (حسن الله خاتمته) او حتى الاسرائيلي ارييل شارون (غفر الله جرائمه)!. لا نريد ان يفهم من هذه المقالة انها هجومية لشخص الرئيس، او ان كاتبها يتبنى وجهة نظر سياسية مضادة لـ(جرعة الاسعار القاتلة) والتي صوت عليها وتبناها البرلمان مؤخرا، او مكايدة حزبية، فالكاتب مستقل تماما سياسيا، ولم يتمرغ بعد في وحل السياسة ومؤامراتها، وانما هدف المقالة تبيان رفعة مقام الرئيس في ان تبقى محفوظة فقط، بمدى التزامه بتسيير دولة الوحدة في اطار مدته الزمنية الرئاسية المحددة، وارساء النظام الديموقراطي ودولة المؤسسات وسلطة القانون، وكذلك بمدى مكافحته للفساد المالي والاداري المستشري في البلاد، وطبعا لن ينسى له دوره الرائد في قيام الوحدة اليمنية واكتشاف النفط في البلاد، وليس باضفاء الصفات والالقاب واطلاق الكلمات الشعرية الرنانة. فالائمة الذين تعاقبوا على حكم اليمن قبل ثورة 26 سبتمبر 1962 الخالدة، امتلئت اسمائهم بالالقاب والصفات وبالذات الدعوة التي عادت اليوم تطلق (الامام حفظه الله)، ويتندر في الشارع اليمني تهكما (الله يحفظك، مثلما حفظ الامام). ولان الجمهورية وطبيعة النظام الديموقراطي، ذو طبيعة راقية وترفع عن هذا النوع من المجاملات والايحاءات التمجيدية لصفة (القائد الواحد الملهم) في دولة يفترض انها ديموقراطية ودولة مؤسسات لايحكمها فرد ولايعظم فيها شخص بعينه، مهما علا مركزه السياسي، ولنا في الرئيس المخلوع صدام حسين عبرة. ونأمل ان يلتفت السيد/ او الاخ/ رئيس الجمهورية الى هذه الظاهرة العائدة من زمن الامامة البغيض ويبادر الى الغاء القرارات الشفوية -اٍن وجدت- بما فيها قرار الاعلاميات اليمنيات الشفوي على اساس احترام حرية اختياراتهن الشخصية، والايعاز للقنوات الرسمية والصحفية الاعلامية الكف عن هذه التعبيرات الغير ملائمة لطبيعة العصر والنظام الجمهوري الديموقراطي التعددي. كما لايفوتنا التنويه، بظاهرة تسخير المواطن وخصوصا الاطفال منهم، الى القاء القصائد الشعرية التمجيدية بحنكة وحكمة الزعيم الاوحد كالتي القيت بمناسبة (القافلة الشبابية) في محفل استقبال الرئيس للاتحاد العام لشباب اليمن، وعرضت على الفضائية اليمنية والتي يشاهدها العالم بهذا الخطاب الشعري القديم واسلوب القرن الماضي. هذه الظاهرة استغلها من قبل الالماني النازي ادولف هتلر والروسي الشيوعي جوزيف ستالين في اظهار مدى العطف والحب الذي يتمتع به كل من الدكتاتورين -صاحبا اعلى رصيد جنائي في حق البشر- تجاه الاطفال الذين يتم حشدهم مع الورود والتقاط الصور المنتقاة بعناية كدعاية سياسية اعلامية.

كذلك نرى انه من المعيب ايضا، ان يُفرض على الاعلام المرئي والمسموع التابع للدولة (والدولة للجميع) الحداد العام وشل حركته في حالة موت احد الزعماء، كما حدث مؤخرا في كثير من البلدان العربية ومنها التلفزيون اليمني، مما يبين مدى تطويع مؤسسة الدولة لتعمل في خدمة الفرد القائد!. حيث يمكن اعادة النظر وتعديل فكرة الحداد النمطية السوداء، والانتقال به -اي الحداد- من بث الآيات القرآنية المتواصل طيلة ايام الحداد الرسمي الى بث الافلام الوثائيقية والعلمية والبرامج الحية الهادفة التي يستفيد منها المواطن وتعالج قضاياه مع الاشارة الى محاسن الفقيد. وبهذا تكون المنفعة والافادة اكبر على المجتمع ولايشعره بالملل والتحول الى قنوات فضائية اخرى ينشد فيها نبض الحياة وتلمس واقعه المعاش. لقد مات عدد من الرؤساء في الدول المتحضرة، ولم تتعطل مصلحة المواطنين ولم تتوقف خدمات الدولة ومؤسساتها -كما حدث في دولة الامارات-، وكما لاتزال اجهزة الدولة تعمل تحت اي ظرف من الظروف الطارئة، وبكتفى الاعلام بطرح موضوع الوفاة كخبر رئيسي، مع تسليط الضوء هذه المرة على حياة الرئيس الراحل بكلمات طيبة الاثر ونقل حي لجنازة الوداع الاخيرة. والحياة لاتزال مستمرة.

[email protected]
حافظ سيف فاضل، كاتب وباحث اكاديمي