لندن من فاضل السلطاني: انتهت في العاصمة البريطانية يوم السبت الماضي فعاليات مهرجان لندن الدولي للشعر، وهو واحد من أهم المهرجانات الشعرية العالمية، ويعقد مرة كل سنتين. وكانت الانطلاقة الاولى للمهرجان منتصف الستينات بمبادرة من الشاعر الراحل تيد هيوز.
شارك في فعاليات هذا العام حوالي أربعين شاعراً من بريطانيا ودول أخرى، في أمسيات متواصلة استمرت اسبوعاً. وتميزت هذه الدورة بتخصيص إدارة المهرجان، بالتعاون مع مجلة «بانيبال»، مجلة الأدب العربي باللغة الإنجليزية، أمسية للشعر العربي شارك فيها أربعة شعراء هم: عبد اللطيف اللعبي (المغرب)، الذي قرأ بالفرنسية مع ترجمة مكتوبة بالإنجليزية، وفينوس خوري، الشاعرة اللبنانية بالفرنسية، ومريد البرغوثي (فلسطين)، وسعدي يوسف (العراق) اللذان قرآ بالعربية مع ترجمة مكتوبة بالإنجليزية. كما خصص المهرجان، بالتعاون مع السفارة التشيلية ببريطانيا، أمسية احتفائية بالشاعر التشيلي بابلو نيرودا بمناسبة مئويته. وكانت الأمسية بعنوان «أقرب للدم من الحبر» ساهم فيها الشاعر التشيلي راؤول زوريتا، الفائز بجائزة نيرودا للشعر والجائزة الوطنية للأدب. وتضمنت الأمسية قراءة قصائد لنيرودا، قدمها مايكل دونفي، مصحوبة بموسيقى انجيل بارا، العازف التشيلي الشهير.
وكان نيرودا نفسه قد شارك ثلاث مرات في مهرجان لندن الشعري، وكانت المرة الاولى عام1967.
ومن كندا شاركت مارغريت ايتوود التي اشتهرت برواياتها أكثر من شعرها، بالرغم من أنها أصدرت خمس عشرة مجموعة شعرية، وسبق لها أن فازت بجائزة بوكرمان البريطانية للرواية. ومن كندا أيضاً، حضر الشاعر روبرت برينورست، وهو من أكثر الشعراء الكنديين المعاصرين أهمية، وعرف عنه اهتمامه بالنصوص الفطرية في أميركا الشمالية، وأصدر بهذا الصدد جزءا من كتاب بثلاثة أجزاء بعنوان «قصة جارحة مثل سكين ـ روائع من هايدا الكلاسيكية». والهايدا هم من سكان أميركا الشمالية الفطريين، الذين كانوا يعيشون في جزر «كوين تشارلوت» في كولومبيا البريطانية، وفي أطراف جنوب برنس اوف ويلز آيلند، المحاذية لالاسكا. وكان عددهم حتى بداية القرن التاسع عشر حوالي ثمانية آلاف شخص، بقي منهم حوالي ألفين في الولايات المتحدة، ومثل هذا العدد في كندا، وتنتمي لغتهم إلى عائلة «نادين» اللغوية.
وقد قضى الشاعر برينورست 12 عاماً في إنجاز هذا الجزء الذي احتفى به مهرجان لندن من خلال تخصيص أمسية بعنوان «إلياذة أميركا»، وهي تسمية أطلقتها ايتوود على الكتاب. وشاركت إلى جانبها في الحديث عنه أريكا فاجنر، المحررة الأدبية في جريدة «ذي تايمز» اللندنية، إضافة إلى برينورست.
ومن تقليد مهرجان لندن، أن تلقى فيه محاضرة واحدة تسمى بـ«محاضرة المهرجان». وكانت هذه المرة للشاعر دون باترسون، وهي بعنوان «تي. إس. اليوت: علم الشعر السحري»، وأثارت جدلاً كبيراً. يرى باترسون أن على الشعر أن يستعيد دوره باعتباره «فناً أسود»، كما السحر الأسود، «فهو قادر على تغيير إدراك القارئ إلى الأبد من غرس الصور والأفكار في الذاكرة، ومن خلال الخيال بقوة لا يمكن إبطالها». من هنا فإن التكنيك الشعري، كما يقول باترسون، هو «سحر الشاعر الذي يجب أن يبقى مخفياً على القارئ إذا أريد للقصيدة أن تغير هذا القارئ».
ولكن ما أثار الجدل أكثر، هو هجوم باترسون المزدوج، اولاً على «الأدب ما بعد الحداثي «الذي اتهمه باللجوء إلى الغموض غير المبرر فنياً، والتعالي على القارئ، وثانياً على استهال كتابة الشعر. إن المخاطرة في كتابة قصيدة، كما قال مخاطباً زملاءه، «لا تعني الانجرار وراء الجيشان حول فوضى الحرب في العراق، حتى لو كان المرء أعظم كاتب مسرحي في العالم، لأن كل شخص بإمكانه أن يفعل ذلك»، مشيراً بهذه الملاحظة إلى الكاتب المسرحي هارولد بنتر الذي أصدر مجموعة شعرية كاملة حول الحرب، أقل ما يقال فيها أنها تفتقر إلى أبسط المقومات الشعرية. وقد سئل بنتر عن رأي باترسون بـ«شعره»، فأجاب بحدة: لا تعليق.