الأحساء من جعفر عمران: لا يفصل قاسم حداد بين اللغة والحياة، فاللغة بالنسبة اليه ليست أداة مفصولة عن النص كلما تعلق الأمر بالحياة، وبرأي الشاعر البحريني المعروف، فليس لشاعر أن يبدع شيئاً إذا استخف أو استهان بما بين يديه من اللغة، الذي هو ثروة باهرة الجمال، بالغة الخطورة في آن، لكنه يقرر ايضاً أن الكتابة ليست انتصاراً على شيء.
حول مفاهيم اللغة، النص، الشكل، والكتابة، يدور الحوار التالي مع الشاعر قاسم حداد في محاولة لملامسة جوانب التجربة الإبداعية للشاعر، الذي يتطرق فيه إلى تقاطعه الحر مع مبدعين آخرين في أشكال تعبيرية فنية، وتجربة موقعه على الانترنت «جهة الشعر»، الذي يمد يده للمتصفح بخمس لغات، وفرحه الغامر بهذه التجربة، وحجم الخسارة في التأخر عن الانهماك في هذه التجربة الكونية.
* وردت كلمة «الارتباك» في شهادتك التي ألقيتها في دارة الفنون ـ مؤسسة عبدالحميد شومان في 1999/5/2، حيث قلت: «أرجو أن تسعفوا ارتباكي وأنا اقترح واحدة من الطرق للحديث عن تجربتي الشعرية»، وفي تكريمك في موسم أصيلة الثقافي في 2004/8/9 قلت: «أرجو أن تكملوا جميلكم وتمنحوني حرية الارتباك الذي سيغلبني دائما»، ألا يزال ارتباكك يانعا، و«دائما» في حضرة الاحتفاء بالنص؟
ـ أنا شخص غير واثق في قدرتي على مواجهة الحشود والتصرف بشكل مناسب في تلك المواقف، فمثلاً بعد كل هذه السنوات والعدد الكبير من القراءات العامة والندوات التي شاركت بها، إلا أنني أشعر في كل مرة أستعد للقراءة أمام الناس بأنها المرة الأولى، فأبدو أمام نفسي مرتبكاً الى حد الحرج أحياناً، فالارتباك بالنسبة لي حالة غامضة يستعصي تفاديها أو المكابرة أمامها، والمشكلة أن مفهوم الحشد عندي سوف يتصل بمفهومه عند المخرج الفرنسي لويس بونويل الذي يعتبر أن الحشد هو «الجمع الذي يزيد على ثلاثة أشخاص»، الأمر سيكون أكثر تعقيدا عندما تكون في حضرة أصدقاء يصفون لك الطرق الملكية للثقة في النفس والتجربة فيما هم يؤثثون لك مشهداً كامل الحرج والارتباك لفرط المحبة والثقة وصقل الأمل. ليس سهلاً أبداً أن تقاوم البكاء والنحيب المكبوت في سقيفة باهرة من مشاعر الحب. ثمة نعمة يمنحها لك الشعر، وعليك أن تبتكر أشكالا جديدة من الصلوات وصنوف التقدير لكائنات تقرأ لك النص بشكل يضاهي الكتب.
* تقول «ما يبقى من صنيع الشاعر بعد كل شيء هو اللغة، وهي ثروتي الشخصية التي لا يشاركني فيها أحد»، إلى أي مدى تصير اللغة روحا للنص؟
ـ لا، هي أكثر من الروح قليلاً، إنها الصلب الأول والفرح الأخير. وكلما صدر الشاعر عن العشق العميق لها صار له أن ينعم بخيراتها. ليس ثمة شاعر يبدع شيئاً إذا استخف أو تقاعس أو استهان بما بين يديه من الثروات الباهرة الجمال والبالغة الخطورة في آن، واللغة لدى كل شاعر هي شخصيته الخاصة، لا يقصر عنها ولا تقصر عنه، لا يقلدها ولا يقلد غيرها.
لكن قبل ذلك وبعده، ليست اللغة أداة مفصولة عن النص والشخص كلما تعلق الأمر بالحياة. ليست اللغة فرض من اللعب الخارجي المقفوز به في الهواء، فالمبالغة في صقل اللغة وتغنيجها سيؤدي غالباً الى انتاج الأشكال الفقيرة للحياة. والأخطر في هذه اللحظة هو أن يكتب الشاعر نصاً لا تفصله المسافة بين الحياة واللغة، ففي اللغة من الحياة ما يستعصي على التقدير. من هنا أشعر دائماً بالرهبة كلما جلست اقرأ نصي الجديد، وأرقب حركة الحياة في تلافيفه وفي ثناياه وفي عناصره كاملة. ربما هذا هو الشعور الذي يمنح الشخص امتحاناته الحاسمة: اللغة بوصفها حياة.
* إلى أي حدّ ساهمت أغلال الشكل في تقييد الشعر العربي؟
ـ الشاعر، وهو يثبت قدرته الإبداعية، لن يتوقف، ولن تمنعه المواضعات الموروثة، عن ابتكار لغته: شكلاً وروحاً وتألقاً. ففي حين لا ينبغي التنازل عن حق الشكل الجديد في الكتابة، ليس من الحكمة التفريط بحق المسّ الشفيف، لكن العميق، بالواقع الرهيب الذي من المبالغة الزعم بتفاديه لحظة الكتابة، غير أن شرط الفن الذي يقترحه علينا المبدع هو ما يمنح الشعر حريته الفنية وقدرته الفريدة في سبر هذا الواقع من دون الخضوع له أو مجاملته. في الكتابة الأدبية، الشعر خصوصاً، لا معنى لنص بدون العمق الذاتي فيه، بالمعنى الذي تنداح فيه شخصية الشاعر بحرية، ولكن بجمالية تقنعنا بأنها جديرة بأن تهتك مواصفات المألوف وتجترح ما يختلف ويخالف ويتجاوز المستقر والمكرس. الشخصية الذاتية للفنان في كتابته هي عنصر مقدس ليس من الإنسانية التنازل عنه أو التفريط به.
* تقول في مناسبة ما إن «الكتابة القلعة التي لا تستطيع الحياة أن تهزمها»، كيف تعلن الكتابة انتصارها أمام الحياة؟
ـ ليست الكتابة انتصاراً على شيء، إنها فحسب إعلان بالغ الصدق والمجانية بأن ثمة حياة جديرة بأن تعاش بالشرط الإنساني والجمال والحرية التي ستشكل دائماً الحلم الأبدي للإنسان. والشاعر هو من بين الكائنات المعنية بالحفاظ على شعلة هذا الحلم متأججة ومحتفظا بها في الشغاف. من هنا كنت أقول بأنني كلما أخلصت لهذا الحلم عن طريق الشعر تيسّر لي الاطمئنان بأن الشعر يحميني ويحصنني ويثق في حبي له.
* قرأنا لك ايضاً: «إننا نكتشف الشكل مثل الحياة فجأة، لا نذهب إليه لكنه يأتي إلينا مثل ثلج الأعالي».. هل تمثل ذلك في التجارب المشتركة مع التشكيلي ضياء العزاوي، والموسيقي خالد الشيخ، والتشكيلي إبراهيم بوسعد، والفوتوغرافي الراحل صالح العزاز؟
ـ هذا صحيح، الشكل مثل النعمة السماوية، تبرق كما يبرق الحلم، وعلينا أن نحسن تأويل هذا الحلم وليس تفسيره، بمعنى أن لا نقلد صورة الشكل لكن أن نضعه في مهب المخيلة ونعيد إنتاجه على مزاج تجربتنا. في مجمل التجارب التي عشتها في نصوصي أو مشاركة مع أعمال آخرين كان الشكل هو ما يستهويني ويغري رفيق التجربة معي. قلت مبكراً (مع صديقي الأعز أمين صالح) بأن الشكل هو العنصر الحاسم في الإبداع، وكان أن أغضب هذا القول زملاء الكتابة في سبعيناتنا المنصرمة، لكنهم احتاجوا لأكثر من عقدين من مسافة الزمن والتجربة، لكي يتريثوا أمام هذه الحقيقة ويكتشفوا الجماليات التي كنا نصدر عنها ونذهب إليها، لكنني أخشى ألا يكونوا قد تأخروا أكثر من اللازم عن إدراك هذه الحقيقة التي لم نجترحها نحن لكنها تجسدت في أجمل تجارب الذين سبقونا وتعلمنا منهم الدرس بسليقة الموهبة وولع العاشق. ولعل في الأعمال المشتركة مع مبدعين في فنون تعبيرية مختلفة غير الكتابة ما يشي بأن ثمة في التقاطع الحر مع فنون أخرى (البصرية والموسيقية خصوصا) ضربا من هتك التخوم المستقرة بين أنواع الفنون، وهو أيضاَ اتصال مبكر بما تقترحه علينا يوماً بعد يوم التطورات والاكتشافات المتسارعة في وسائل الاتصال والتعبير التي سوف تستجيب دوما لمخيلة المبدعين في شتى الحقول. وأثبت التجربة أيضاَ أن التخلف عن الانخراط في هذه المغامرة النوعية، تفريط في مستقبل لا يمكن تفاديه، أليس في هذا تأكيد على أن للشكل دوره الحاسم في التعبير الفني؟
* شعراء شباب بمختلف جغرافيتهم العربية، يُحجمون عن النشر أو تخبو نصوصهم وينطفئون تباعا استجابة لجلافة الواقع، كيف للشاعر أن يحمي بيته ـ نصه الإبداعي ويبقي على جمرته متوهجة رغم الريح؟
ـ على ضراوة الواقع، كما يعبر البعض، إلا أنني أرى أن الموهبة الإبداعية أقوى من كل ذلك، خصوصا إذا كان المبدع زاهداً في كل شيء «خارج الفن»، بمعنى أن لا يكون خاضعاً لشروط الواقع «سلباً أو كسباً»، بحيث يكون في نهاية الأمر كما لو أنه يكتب «يبدع» لغاية أو هدفٍ ما، وهذه حالة لا يكفي الزعم بها، فهي من العمق والخطورة بحيث يتوجب أن يكون المرء صادقاً في حضرتها، فمنذ اللحظة الأولى، كما يقول صديقي أمين صالح دائماً: عليك أن تكون واضحا أمام نفسك، ماذا تريد من الكتابة؟ فإذا لم تكن جريئاً وصادقاً أمام هذا السؤال، وأن تجيب عليه في داخلك بدون مزاعم وادعاءات، فإنك لن تقدر على مواصلة الطريق بحرية حقيقية ومصداقية مباشرة، بعد ذلك ربما استطاع الواقع، بشروطه الضارية، أن يحول دون نشر إبداعك، لكنه أبدأً لا يستطيع أن يحول دون كتابتك. في الكتابة خصوصاً ثمة فرق كبير بين أن تكتب وبين أن تنشر وتوزع، فتلك أشياء تحدث لاحقا وبمعزل عن علاقتك الحميمة والخاصة مع الكتابة.
* بعد خمس سنوات من تجربة «جهة الشعر» على الانترنت، ماذا حققت هذه التجربة للشعر العربي الجديد، وكيف تقيّم هذه التجربة؟
ـ لا أعرف لماذا ينتابني الشعور أمام مثل هذا السؤال بأن بإمكاني الحديث تسعة أيام بلا توقف عن تجربة الإنترنت و«جهة الشعر»، لفرط ما أشعر به من فداحة الخسارة التي نعانيها ونحن نتأخر عن الانهماك في هذه التجربة الكونية. «جهة الشعر» هي رأس جبل الجليد الذي يستوجب التأمل العميق في ما يختفي تحت الأفق الهائل الذي ينتظرنا. ثمة الشرط الكوني الذي أحب التأكيد عليه لكي تكون تجربتنا الثقافية مع الانترنت ذات بعد إنساني صارم: لا ينبغي الذهاب الى هذه التجربة بوهم الانتشار الإعلامي، لكن التعامل معها بحلم الاتصال الإنساني. في «جهة الشعر» نعمل على تحقيق هذا الحلم بعدد كبير من الأصدقاء الذي صاروا يؤمنون ويتكاثرون يوماً بعد يوم، ويتميزون برحابة حضارية تساعدنا ولا تعطل سعينا الجماعي، بل أنها تسعف اقتراحاتنا واجتهاداتنا لكي نكتسب اللياقة لهذا الأفق الحر والجميل.














التعليقات