صحيح أن التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود أصبح وراءنا، وأن الواقعية تفترض النظر الى ما بعد، لكن الصحيح أيضاً أن السواد الأعظم من الذين يسلمون بقدر التمديد ما زالوا يسألون بلغة الاستهجان: لماذا أصرت دمشق على هذا الخيار؟ وفي المجالس والأندية والصالونات على أنواعها لا يلبث المتحدثون عن قرار مجلس الأمن الرقم 9551 وعن الحكومة المقبلة وأسماء الوزراء، إلا أن يعودوا الى السؤال ذاته...

ولعل هذا الاستغراب العام لحصر سورية خياراتها بالتمديد هو الذي يفسر إصرار بعض المعارضين له، وأبرزهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على مواصلة معارضته. فتكرار السؤال وسط الناس عن الحدث الذي يبدو أن الزمن والأحداث تجاوزته أو ستتجاوزه، سببه أن الالتهاء عنه بتداعياته، لا يشفي غليل الساعين الى حلول وأجوبة، فيعيدهم المنطق الى أصل المشكلة.

ولربما أن القيادة السورية ذاتها تستغرب عدم تسليم بعضهم بالأمر الواقع، لكن ثمة جذراً لبنانياً لإصرار فرقاء معارضين للتمديد على موقفهم، حتى بعدما بات أمراً واقعاً. وبعيداً من القرار الدولي الرقم 9551، وعلاقة الضغوط على سورية في لبنان، بالمطالب الأميركية منها في العراق وفلسطين، لدى هؤلاء أسباب داخلية جوهرية للإصرار على موقفهم منها:

1 - ان دمشق أدخلت على قواعد اللعبة السياسية اللبنانية الداخلية قاعدة غريبة عليها، هي التماهي بين الرئيس اميل لحود والرئيس السوري بشار الأسد. فخلال السنوات الست الماضية تصرفت دمشق على أن لحود هو سورية في لبنان. وفي الأزمات التي كانت تقع بين الرئيس اللبناني ومعارضيه، لطالما كانت وساطة دمشق تنتهي (في معظم الأحيان) الى التأكيد لحلفائها اللبنانيين المعارضين لسياسة رئيس الجمهورية: «لحود يعني نحن». وفي بعض الأحيان كان يقال: الرئيس لحود يعني الرئيس الأسد، أي ان الوقوف في وجهه يعني الوقوف في وجه الرئيس السوري. لقد فهم بعض حلفاء سورية، ومنهم جنبلاط انه على رغم ان قاعدة التماهي هذه بين الرئيسين تعطل اللعبة السياسية الداخلية، وهي هجينة على المسرح السياسي الداخلي، يفترض تجنب امتداد خصومتهم مع لحود الى الأسد فقرروا مهادنة العهد تفادياً لفهم سورية مواقفهم على انها ضد الرئيس السوري. ولعل هذا ما يفسر «تكويعة» جنبلاط عام 1002، بحجة الهجمة الأميركية على المنطقة وسورية بعد 11 أيلول (سبتمبر) التي استخدمها بـ«ذكاء» من أجل تغطية استدارته. وراهن جنبلاط، ومعه كثيرون ممن أبدوا حماسة للحود في 8991 ثم بدلوا رأيهم، على أنه مع انتهاء عهد لحود، تنتفي اسباب «قاعدة التماهي بين الرئيسين»، وآثروا الصبر على الظهور بمظهر من يريد الاختلاف مع الأسد، لخلافهم مع لحود. بل ان مسؤولين سوريين دعوهم في كثير من الأحيان الى الصبر. وبدل النهاية جاءهم التمديد الذي يجدد العمل بتلك القاعدة التي نادراً ما شذت عنها دمشق...

2 - ان عهد الرئيس لحود اتسم باستخدامه الوسائل الأمنية في اللعبة السياسية الداخلية التقليدية القائمة على التحالفات، المتغيرة والثابتة والتكتلات بين زعامات تستند الى مزيج من الأصول التاريخية، والعصبية الطائفية والشعبية السياسية والقوة الانتخابية المحلية... وإذا كان التاريخ اللبناني مر بظروف استخدمت فيها الوسائل الأمنية لأهداف سياسية داخلية، فإن الطبقة السياسية، على تناقضاتها انتهت في كل مرة الى اعتبار هذا الاستخدام «ضرباً تحت الزنار»، في اللعبة المعروفة القواعد والأعراف. لكن رجالات عهد لحود استمرأوا هذا الاستخدام، ضد خصوم سورية وحلفائها على السواء، مستظلين بعض القضاء، في «الضرب تحت الزنار» من جهة، ومستفيدين من «قاعدة التماهي» بين لحود والأسد من جهة ثانية. وهذا أمعن في تعطيل اللعبة السياسية.

وعلى الأرجح، سيصعب على سورية أن تعود عن «قاعدة التماهي» بين الرئيسين، الهجينة داخلياً، لأنها كانت أساساً في سياستها خلال السنوات الست الماضية، وهذا ما سيقودها الى الانغماس أكثر في الوضع الداخلي اللبناني، في وقت هي تحت المراقبة الدولية من زاوية تدخلها فيه.

ما يفعله جنبلاط في المقابل، على صحة وصفه تارة بالمغامر، وأخرى بالشجاع، هو انه يرفض التمديد لإلغاء اللعبة السياسية، عبر «قاعدة التماهي بين الرئيسين» لمصلحة معادلة أخرى: الوقوف ضد لحود لا يعني مخاصمة الأسد. وهو يعتمد في ذلك على تاريخ في العلاقة مع دمشق، يسمح له أكثر من غيره بالمغامرة. وللحؤول دونه وهذه المعادلة الوسيلة التي يتبعها خصومه هي إنكار تاريخ هذه العلاقة، ومعه جزء من التاريخ السوري...