كركوك من شيرزاد شيخاني: تتوارد بين فترة واخرى انباء مقلقة عن كركوك التي تتميز عن غيرها من المدن العراقية بتنوعها الاثني والطائفي حيث تجمع بين ابناء القوميات العراقية الاربع (الاكراد والعرب والتركمان والكلدواشوريين) وغيرهم ايضا من الاقليات العرقية والدينية، ولكن ايا من المصادر التاريخية لم تتحدث عن سبب تركز كل هذه التنوعات القومية والدينية في مدينة كانت الى منتصف العشرينات من القرن الماضي مدينة عادية تفصل المناطق الكردية عن بقية مناطق العراق، الى ان اكتسبت اهميتها بعد اكتشاف الحقول الهائلة للنفط فيها مما اسال لعاب الانظمة التي تعاقبت على حكم العراق لتنفيذ سياسات تغيير واقعها الديموغرافي الذي ما زال ابناء هذه المدينة العراقية يعانون من آثارها خاصة ما خلفتها الدكتاتورية السابقة لنظام الرئيس المعزول صدام حسين الذي اورث سكان المدينة جبلا ضخما من المشاكل التي تهدد مستقبلهم وينتهزها حسب بعض ابنائها «جهات معادية» لايذاء العراق على حد تعبيرهم.
تخفي المدينة تحت ارضها ما يزيد عن 7% من احتياطي النفط في العالم، ويعدها بعض المصادر عاصمة العراق النفطية، فيما يشكو ابناؤها خاصة الاكراد من ان وجود النفط في هذه المدينة التي يعتبرونها «قدسهم»، كان «نقمة» عليهم وليست نعمة يتنعم بها ابناؤها ويتهمون السلطات العراقية السابقة باستخدام اموال النفط المستخرج من مدينتهم لقمعهم وممارسة سياسة التمييز العنصري والابادة الجماعية بحقهم.
تبلغ مساحة كركوك حوالي 20 الف كيلومتر مربع ويسكنها اليوم حسب بعض الاحصائيات غير الرسمية 900 الف مواطن ما عدا سكان بعض القرى والنواحي والاقضية التي استقطعتها السلطة السابقة من حدود المحافظة الادارية والصقتها بحدود المحافظات المجاورة (تكريت والموصل وديالى) حيث سيصل عدد السكان حسب مصادر غير مؤكدة الى مليون ومئتين واربعة وثمانين الف نسمة.
ويعتبر الاكراد مدينة كركوك مدينة كردية تضم بين جنباتها اضافة اليهم ابناء القوميات التركمانية والكلدواشوريين وغيرهم. في حين يقول التركمان انها مدينتهم التاريخية وان الاحصاءات الرسمية تثبت انهم «اكبر اقلية» ليس في المدينة وحدها بل وفي اقضيتها الرئيسية. اما العرب، فالى جانب ان وجودهم التاريخي في المدينة حقيقة لا تنكر، الا ان ما لا ينكر ايضا ان اكثريتهم من المهجرين الذين يقولون انهم انما يعيشون في وطنهم، وان من حقهم الطبيعي ان يقطنوا في أي مكان فيه، طالما ان الدولة العراقية منحتهم ارضا من ملكيتها العامة، وطالما انهم لم يستولوا على ملكية احد. وهو امر ينطبق على الاكراد الذين يعيشون في بغداد او غيرها من المحافظات العراقية. حتى اذا جاز ترحيل العرب من كركوك، فان ذلك سوف يعني جواز ترحيل الاكراد من بغداد، الامر الذي يجب الا يقبله احد. وكان التعريف القومي لمدينة كركوك مشكلة عصية على الحل من جميع الحكومات العراقية التي كانت تتفاوض مع القيادات الكردية على امتداد القرن الماضي.. فبدلا من الاتفاق على حل هذه المشكلة بدأ النظام السابق ومنذ تسلمه السلطة اثر انقلاب 17 يوليو ( تموز) 1968 بانتهاج سياسة تغيير الواقع الديموغرافي لمدينة كركوك والاقضية والنواحي التابعة لها. وامتدت هذه السياسة الى حين سقوطه في 9 نيسان من عام 2003 حيث يتهم الاكراد النظام السابق بترحيل مئات الالوف من العوائل الكردية والتركمانية من المدينة واسكان العرب المقبلين اليها من مدن ومناطق الجنوب العراقي تحت ضغط الاغراءات المادية وهناك عشرات الوثائق الدامغة التي تؤكد وقوع تلك الجريمة بحق ابناء المنطقة من بينها وثيقتان تتحدثان عن اسكان عدد من المصريين في المدينة.
هذه السياسة الخاطئة التي تتعارض مع جميع الاعراف والقوانين الدولية عمقت من مشكلة التآلف والتعايش السلمي بين ابناء المنطقة خاصة بعد انحسار ظل النظام الدكتاتوري حيث بدأت في غياب السلطة القوية بالعراق مطامع القوميات المختلفة في المنطقة بالبروز حتى انها اخذت في بعض الاحيان طابعا دمويا كاد يؤدي الى وقوع فتن عرقية او طائفية لولا حسن تصرف بعض القيادات السياسية في المنطقة، لكن ذلك لم يمنع من ترصد البعض للبعض وتبادل الاتهامات بين هذه الجهة او تلك مما شجع بعض الاوساط المعادية للتغيير في العراق على الترصد لصيد الفرص بقصد احداث الفتنة «الموعودة»، لكن الوضع ما زال تحت السيطرة لحد الان، ولا يمكن التكهن مما يخفيه الغد لهذه المدينة التي تعيش حالة الخوف والترقب مهما حاولنا التقليل من شأن هواجس بعض الاطراف السياسية الموجودة في المنطقة، وعلى الرغم مما شهدناه خلال الجولة التي استمرت اسبوعا كاملا اشتملت قيادات واوساط سياسية والجماهير الشعبية في مختلف مناطق المدينة.
بحسب المصادر الرسمية الموثقة فان الاحصائيات التي اجريت لحد الان لسكان في كركوك ابتداء من احصاء عام 1957 والتي يعتبرها الاكراد والتركمان الاحصاء الحقيقي الوحيد للسكان في المدينة ويعتمدونه في مطالبة السلطات العراقية بحقوقهم القومية، وصولا الى اخر احصاء اجري في العراق وهو احصاء عام 1997 الذي اظهر الفرق الهائل في الواقع السكاني بالمدينة جراء عمليات التعريب والترحيل والتهجير القسري. وهو ما يعني ان هذه المدينة هي مدينة اقليات، وما من قومية واحدة فيها هي القومية المهيمنة. ويستشهد الاكراد كثيرا بقاموس الاعلام العثماني الذي وضعه شمس الدين سامي وطبعه في اسطنبول عام 1315هـ (1898م) حيث جاء فيه ان سكان كركوك يبلغون 30 الف نسمة بينهم 3/4 من الاكراد اي نسبة 75% والبقية يقسمها سامي الى الترك والعرب والقوميات الاخرى، ويورد ايضا انه كان فيها 760 يهوديا و460 من الارمن.
اما تشكيلة مجلس ادارة المحافظة حسب الانتماء القومي، فانها تضم 13 كرديا، و11 عربيا، و9 تركمان و7 كلدواشوريين. وتعكس هذه التشكيلة بحد ذاتها ايضا انه ما من قومية في المدينة هي القومية الغالبة، والكل اقليات.
تشكيلة مجلس إدارة المحافظة:
1- المحافظ عبد الرحمن مصطفى ( كردي).
2- نائب المحافظ إسماعيل الحديدي ( عربي).
3- معاونو المحافظ (حسيب روزبياني - كردي، عرفان كركوكليـ تركماني، سرجون لازار ـ كلدواشوري)
* مشكلة عودة المرحلين من كركوك
* تحتل مشكلة عودة العوائل الكردية المرحلة من مدينة كركوك واطرافها اولى اولويات الادارة ومجلس المحافظة حتى ان البعض يعتبرها اساس استقرار الوضع في المدينة، وشهدت «الشرق الأوسط» جلسة ساخنة في مبنى المحافظة لمناقشة هذا الملف حيث تم الاتفاق المبدئي على اعادة توطين الاكراد المرحلين بصفة مؤقتة في منطقة (ليلان) وطريق بغداد، فيما كانت هناك معارضة واسعة من العرب والتركمان لاختيار مناطق اضافية لاسكانهم في الوقت الحاضر.. وعلى الرغم من ان قانون ادارة الدولة العراقية ينص في الفقرة (ج) من المادة الثامنة والخمسين على تأجيل البت في وضع كركوك الى ما بعد سن الدستور والانتخابات العامة، الا ان الاكراد يبدون في عجلة من امرهم بالعودة التي انتظروها طويلا حسب قولهم بعد اهمال سلطة التحالف السابقة هذه المسألة لضمان عودتهم، ولكن يبدو ان هناك تغييرا في موقف الاميركيين من هذا الملف خاصة لصالح الاكراد الذين بدوا يتقاطرون زرافات الى المدينة مما اقلق بقية ابناء القوميات التي وصفوا الحالة بـ(الزحف الكردي) ويتهمون الاكراد بجلب عوائل غير مرحلة وغير منتمية الى المدينة بقصد تغيير التوازن السكاني.
ويشير جدول يبين حركة عودة المرحلين الى مدينة كركوك الى ان عدد العوائل العائدة بلغ 3264 عائلة يشكلون 16320 فردا. ويشكل هؤلاء جزءا من الاكراد المرحلين منذ عام 1963 الى عام 2003 .
ويشير جدول يبين عودة العرب الوافدين الى كركوك ضمن سياسة التطهير العرقي وعادوا الى مناطقهم الاصلية في جنوب العراق للفترة من يوليو (تموز) 2003 الى مايو (ايار) 2004 الى ان عدد العوائل العائدة الى جنوب العراق بلغ 3304 عائلة يشكلون 29286 فردا.
واستطلعت «الشرق الأوسط» آراء عدد من المسؤولين في كركوك حول هذا الملف الى جانب زيارة بعض المواقع للعوائل العائدة ورأي «الشارع الكركوكي» ان صح التعبير حول هذا الملف الشائك الذي من شأن معالجته ان يعيد الامن والاستقرار بصورة كاملة الى المدينة، فهذا الملف هو التهديد الوحيد للتعايش السلمي بين أبناء المدينة.

*************************
رئيس الجبهة التركمانية: نحن على استعداد لتقاسم بيوتنا مع الأكراد المرحلين ولكن ما يحصل الآن هو زحف كردي شامل

كركوك: قال الدكتور فاروق عبد الله عبد الرحمن رئيس الجبهة التركمانية ان كركوك ممكن ان تكون اشعاعا لجميع العراق، كما انه ممكن ان تكون شعلة تحرق كل العراق، مؤكدا ان اهالي المدينة لديهم احساس بانهم عراقيون ويعيشون تحت خيمة العراق ويجب ان نحمي هذه الهوية الوطنية، «ومن هذا المنطلق فقد اكدنا مرارا على انه يجب الانتباه لهذا الواقع وعدم فرض واقع مغاير مما يعرض العلاقات الاجتماعية الى التدهور..».
وقال رئيس الجبهة في لقاء خاص لـ«الشرق الأوسط» من مكتبه بكركوك: «ان موضوع كركوك هو موضوع شائك، ومعقد لكن يمكن معالجته اذا اتصفنا بحسن النية وعدم استغلال القوة من هذا الطرف او ذاك للحصول على مكاسب سريعة مما يؤدي الى مظلمة فئة معينة، فالمشاكل التي نمر بها يمكن حلها بالتفاهم وعدم فرض الآراء المسبقة. ونحن لاحظنا بعد سقوط النظام السابق وهروب عدد كبير من المسؤولين البعثيين عن المدينة، انه تم استغلال دوائر الحكومة لفرض هيمنة كردية عليها، فمن مجموع 28 مديرا عاما نجد ان هناك فقط مديرين عامين من العرب ومديرا عاما واحدا من التركمان وخمسة وعشرين مديرا عاما من الاكراد، وهذا جزء من المشكلة التي ستؤدي في المستقبل الى استمرار حالة عدم الاستقرار، وبالمقابل فان الاستحواذ على هذه الدوائر بهدف الحصول على مكاسب فورية ادى الى خلق هاجس من الخوف لدى القومية التركمانية وجزء من القومية العربية من مستقبلهم، وتم طرح هذه الامور امام جميع المسؤولين من العرب والاكراد وقوات التحالف والمسؤولين السياسيين في السفارتين الاميركية والبريطانية ودعمنا طروحاتنا بالوثائق عما يجري في المدينة، وكان آخر ما حصل هو الاندفاع العشوائي للعوائل المرحلة التي يقدر عددهم بعشرات الالاف رغم ان جميع الوثائق تدل على ان عدد المرحلين عن مدينة كركوك من جميع القوميات ومنهم العرب والاكراد الى آخر عملية هجرة سنة 1998، وصل الى حدود 11 الف مرحل. وهذه العملية شملت جميع القوميات. ففي قرية بشير مثلا تم ترحيل التركمان باكثر من هذا العدد وهناك وثائق تدل على ذلك. اذن فالدخول العشوائي للمدينة افقد التوازن فيها، كما ان اصدار البطاقات التموينية بشكل عشوائي ايضا ولاعداد كبيرة ولفئة واحدة، سيؤدي الى تغيير الواقع السكاني.. نحن كوننا تركمانا وجبهة تركمانية، اكدنا مرارا على ان التركمان على استعداد لفتح ابوابهم وتقاسم سكنهم مع كل مرحل كردي من كركوك، اذا كان هو فعلا من اهلها لان لدينا احساسا بأننا كلنا شعب عراقي ونعيش تحت خيمته وعلينا ان نحمي الهوية الوطنية». سألته «الشرق الأوسط»:
* لكن الاكراد يؤكدون وجود مئات الالوف من المرحلين عن كركوك وان لهم الحق في العودة الان بعد زوال النظام الذي رحلهم في اطار سياسة عنصرية؟
ـ أوضحت لكم بان العدد الرسمي هو 11 الف مرحل من مدينة كركوك والوثائق موجودة لدينا. كيف يدعون اكثر من ذلك؟ فالمنطق يدعوك الى ابراز الوثائق اذا كانت عندك، ثم ان هناك اسسا يمكن التعرف من خلالها على حقيقة كون المرحل من كركوك..اولا يجب ان يكون والده او جده مسجلا في مدينة كركوك باحصاء عام 1947 او 1957، الشيء الثاني هو ان تكون له ارض زراعية او سكنية في المدينة، فكيف يمكن تحقيق العدالة في ظل الفوضى الراهنة. يجب ان تكون هناك اسس نستند اليها حتى نقنع الاخرين بصدق دعوانا، اذا عاد المرحلون وجاؤا معهم بعشرة الاف اخرين ليسوا اصلا من المدينة، كيف يمكن معالجة هذه المشكلة؟ انت الصحافي الجالس امامي من مدينة اربيل وتتكلم ثلاث لغات سائدة فيها الكردية والتركمانية والعربية، ولكن اذهب الى جميع المجمعات الحالية للمرحلين فستجد ان معظمهم لا يعرفون التحدث بغير اللغة الكردية، فكيف اذن عاشوا في هذه المدينة؟ نحن كوننا جبهة تركمانية ندعو الى ايقاف هذا الزحف واعطاء الحالة الشرعية للمرحلين فعلا، فلا تنسى ان هناك ايضا مرحلين عربا تم ترحيل عوائلهم بعد ان اعدم صدام افرادا منهم. العملية هي لتغيير الواقع السكاني لمدينة كركوك، حيث نحن نعلم أنه ستكون هناك عملية تعداد سكاني بعد فترة وجيزة.. نحن كسياسيين ومؤسسات مدعوون لبناء حالة من الوئام الوطني، بحيث لن يكون هناك تسابق على الكسب السريع، استطيع تصوير الحالة كما يلي: هناك سلة من التفاح، اخذ احدهم نصفها خلال السنة والنصف الفائتة ويريد ان يتقاسم النصف المتبقي مع الاخرين.
* دكتور.. مشكلة المرحلين مشكلة كبيرة ومعقدة كما نعرف، فلماذا لا تتحاورون مع القيادات الكردية لاجل ايجاد الحل المناسب لها بدل الاحتجاج؟
ـ المبادرات موجودة والتقيت شخصيا بالسيد جلال طالباني وفي اثناء المؤتمر الوطني التقينا بالعديد من القيادات الكردية وطرحنا هذه النقاط للبحث، فنحن عراقيون نتطلع الى حالة من الوئام والسلام لجميع ابناء العراق ولكن بشرط الا يفكر احد بانه اعلى او اقوى منا او يتصرف بمفهوم الاقطاعية، فهذا يعقد الوضع اكثر.. يجب ان ينظر الى الانسان كانسان بغض النظر عن انتمائه القومي، فالكل متساوون في تذوق هذه الكعكة الجميلة. نحن لا نريد ان نأخذ من حق احد كما لا نريد ان يأخذ احد من حقنا. يكفي اننا جميعا عانينا من الظلم والقمع طيلة خمس وثلاثين سنة ونريد الا يكون هناك ظلم اخر، اقول لك بصراحة هل تعلم بانه لا يتم تعيين أي تركماني في المناطق الخاضعة لسيطرة القيادات الكردية في خانقين وجلولاء والسعدية وقزلرباط واربيل من دون تزكية من احد الاحزاب الكردية، ليس لك حق في التعيين اذا لم تجلب معك تزكية منهم، نحن صفقنا لسقوط صدام فلماذا هذا التصرف معنا. المبدأ الاساسي عندنا هو محاولة اقناع الاخرين من العرب والاكراد والتركمان باننا يجب ان نعيش حالة وئام ونتعامل مع بعضنا بصدق وحسن نية حتى نستطيع ان نبني لاجيالنا القادمة بلدهم ونبعد عن انوفهم شم رائحة الدم، استمرار العنف لا يخدم العراق فاذا لم ننجح في بناء الديمقراطية علينا ان ننتظر مئات السنين الاخرى، نحن عشنا وتعبنا حتى نبني جيلا صادقا بوطنيته وانتماءاته.. ماذا يعني انه بعد سنة ونصف السنة من سقوط النظام؟ لم يتم استدعاء اي تركماني للجيش العراقي؟ الم تعلم عند توزيع المناصب الدبلوماسية لم يحصل التركمان الا على مقعد واحد وهو سفير العراق في اذربيجان وهو شقيق السيدة صون كول جابوك عضو مجلس الحكم السابق؟هل تعلم بأنه لا يوجد كاتب او سكرتير اول في أي سفارة عراقية في العالم، الم يكن التركمان وطنيين؟ انهم لم يحملوا السلاح بوجه أي احد فلماذا هذا التعامل معهم. منذ تشكيل الدولة العراقية سنة 1921 لم يتعين الا وزيران في الحكومة العراقية الاول هو عز الدين باشا في عام 1926 والاخير هو رشاد مندان في عام 2004 . ما هذا الظلم؟ هناك من يتهم التركمان بالولاء لتركيا، وهذه فرية وكذبة كبيرة لاننا تركمان نفتخر بهويتنا وقبل ان ننطق بلغتنا الام نحن عراقيون وهويتنا عراقية ونريد ان نحافظ على هذه الهوية وعلى العلم العراقي. هنا اتذكر قولا للزعيم الهندي الخالد غاندي الذي قال «تعلمت من الحسين (ع) ان اكون مظلوما حتى انتصر»، وانا اقول ايضا بانني ساعمل على تحقيق النصر للقضية التركمانية من خلال السلام والديمقراطية وانا على استعداد للتعامل والتعاون مع اي انسان لتحقيق هذا الهدف.
* مادمت ابديت استعدادك للتعامل والتعاون مع اي احد، لماذا لا يشارك التركمان في حكومة الاقليم الكردي، خاصة وان هناك الكثيرين منهم في المدن التابعة للاقليم الكردي، وكانت هناك عروض جيدة لكم في السنوات السابقة؟
ـ اخي العزيز عندما اتكلم عن القومية التركمانية اتكلم عن انتماء شعور، الجبهة التركمانية واحزاب تركمانية اخرى تمثل هذا الشعور، ولكن هناك احزابا انشئت من قبل الحزبين الكرديين وتعمل الان في كركوك واربيل والسليمانية وفي قياداتها اكثر من شخص لا ينتمي الى القومية التركمانية، اي لا يحمل الشعور التركماني. واقولها بصراحة هناك اليوم 36 حزبا سياسيا في شمال العراق، ولكن ليس لاي واحد منهم صوت. لماذا؟ هل هذا مفهوم الديمقراطية. التركمان لهم اصالتهم في العراق منذ تشكيل الدولة العثمانية قبل خمسمائة عام وكانت هناك (6) امارات تركية في العراق وخاصة في اربيل، احصاء عام 1957 يقول ان نسبة التركمان في اربيل كانت 68.5%، الا ان نسبتهم الان 20% فالى اين اختفوا؟ هناك في اقليم اربيل احزاب تمول من قبل حزب بارزاني مع انهم لا يمثلون المفهوم التركماني لانه يجب ان تكون لديهم قضية تركمانية.. انا عندما اتحدث عن انتمائي اتحدث عن وجودي في جزء اصيل ولسنا قومية ثانية او ثالثة او عاشرة في العراق، نحن كالعرب والاكراد والاشوريين واليزيدين وغيرهم سواسية. نحن نشعر بما يشعر به العربي والكردي لانقاذ بلده من هذه الجراحات والدماء التي تهدر، يجب ان نتفق جميعا لانقاذ هذا البلد من الخراب والفوضى.
واطلق الدكتور فاروق عبد الله عبد الرحمن رئيس الجبهة التركمانية العراقية مبادرة خص«الشرق الاوسط» بنشرها للقاء القيادات الكردية بشرط الا تكون هناك شروط مسبقة من اي طرف، فالتركمان حسب تعبيره لن يقبلوا بالتعالي من أي طرف.

************************************
زهير المخ*: مشكلة كركوك.. الهوية والولاء
ما أن يسعى الباحث إلى إطلاق أحكام قيمية على التركيبة السكانية والإثنية لمدينة كركوك حتى يجد نفسه أسير مفارقة جديّة ذات طبيعة مركبة، ذلك أن تركيبة المدينة هذه غامضة ودقيقة في آن معاً; فهي غامضة لصعوبة العثور على معطيات رقمية موثوقة تساعد على سبر مكنونات هذه التركيبة واستخلاص نتائج هي ذاتها بحاجة إلى مزيد من التحديد. وهي دقيقة، لأنه يصعب على الباحث أن يتصدى لهذا الموضوع بتشابكاته وتعقيداته أن لا يخضع كذلك للتضليل، وإن بنسب متفاوتة.
يصيب أحد الباحثين القول: «إن أي تحديد لمدلولات التركيبة الجغرافية والإثنية لمدينة كركوك هو تحديد اعتباطي إلى حد كبير»، لذلك لا يفاجأ المرء إذا ما واجهه سيل من الإجابات الجاهزة. وفي الواقع، فقد طبع كركوك تاريخياً صدام بين هويات ثلاث متنافسة كل واحدة منها تحمل مفهوماً جغرافياً وديمغرافياً يختلف جذرياً عن الأخرى. الأولى هي الهوية الكردية والثانية هي الهوية «المركزية العروبية»، أما الثالثة في بالطبع التركمانية.
فلنكتف فقط بالقول إننا إن تبنينا هذه الهوية أو تلك فإننا لا نحملها أي مغزى سياسي أو إيديولوجي، بل دلالة جغرافية - ديمغرافية شبه مجردة.
ومهما يكن من أمر، فإن السعي إلى تبيان الصورة الحالية لجغرافية مدينة كركوك وديمغرافيتها يستوجب مزيداً من التوصيف لرصد التبدلات النوعية في التركيبة السكانية التي طرأت في الحقبة الماضية ومن ثم تعيين العمق الزمني الماضي كمنطلق أو أساس للمقارنة المستقبلية.
السؤال الجوهري هو: ما هي المظاهر المميزة للتركيب السكاني والإثني في مدينة كركوك؟ يصعب إعطاء إجابة مباشرة ودقيقة عن هذا السؤال. فالمعطيات الخاصة بهذا الشأن تبقى موضوع جدل كبير بين الأطراف المتنازعة.
إذا ما حاولنا أن نتجنب «لعبة المرايا»، لا بد من الإقرار بحقيقة تاريخية وهي أن غالبية سكان المدينة هم من التركمان الذين كانت لهم الغلبة في الهيمنة اقتصادياً على الأقل على مقدرات المدينة. إلا أن موجة الانتقال إلى كركوك نمت «كالفطر بعد مطر الشتاء» خصوصاً في ضوء بدء شركة نفط العراق عملها في الحقول النفطية المكتشفة حديثاً وما صاحبها من تزايد فرص العمل فيها.
هذه الظاهرة لم تكن مقتصرة على مدينة كركوك لوحدها فحسب، بل المدن العراقية الأخرى أيضاً. وعلى سبيل المثال شهدت بغداد نمو في عدد السكان بين عامي 1914 و1975 نحو 25 مرة وسكان البصرة نحو 34 مرة.
وفي هذه الحالة كذلك تعزى هذه الظاهرة إلى عدد من العوامل لعل من بينها، النمو الاقتصادي في المدن - المراكز والارتباط المتزايد بين معيشة العائلات والسياسات الحكومية، سواء من خلال نمو أجهزة الدولة المختلفة أو من خلال حركة التأميمات، ومنها أيضاً أمل الحياة في المدن حيث أسباب الصحة أكثر توفراً منها في الريف.
وينطبق هذا التطور طبعاً على مدينة كركوك، فالطفرة الكبرى للهجرة الكردية التي حدثت على الأرجح في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات كانت هجرة لأفراد العشائر الكردية المحيطة بالمدينة، كعشائر جباري وزه نكنه وكاه يي والجاف وهموند وطالباني وشوان وغيرها، في وقت كانت السلطة السياسية بصورة محددة في اتجاه غلبة عناصر غير مدينية أو على الأقل غريبة عن المدن الكبرى الأخرى، بما فيها مدينة كركوك.
وبالطبع أدى هذا التدفق الكردي على المدينة إلى ظهور أحياء جديدة في المدينة بالترافق مع توسع الأحياء التقليدية لسكن الأكراد مثل حي الإمام قاسم ورحيم آوى والشورجة، إضافة إلى تغلغل ديمغرافي كردي محسوس في أحياء أخرى من المدينة. وطبقاً للإحصاء السكاني للعام 1957 فإن نسبة الأكراد في المدينة كانت 48.3% من إجمالي السكان، وهو الإحصاء الذي اتفق عليه الطرفان الكردي والحكومي وفق بيان مارس (آذار) 1970 للحكم الذاتي، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 37.3% في إحصاء العام 1977، وفي المقابل ازدادت نسبة الفئات من أصول عربية من 28.2% في إحصاء العام 1957 إلى 44.4% في إحصاء العام 1977، بينما تراجعت نسبة التركمان من 21.5% في إحصاء 1957 إلى 16.3% في إحصاء 1977.
من السهل ملاحظة نمو مميز جداً للفئات التي تنحدر من أصول عربية في المدينة بالمقارنة مع الفئات القومية الأخرى. وهذا النمو يشير طبعاً إلى علاقة جدلية ما بين هذا النمو من جهة، وطبيعة توجهات السلطة السياسية المركزية في بغداد من جهة أخرى، فقد كان من الواضح أن سلطة البعث لم تكن مستعدة لدمج كركوك في منطقة الحكم الذاتي الكردية نظراً لغناها بالنفط ولتركيبتها السكانية، بل عملت جاهدة لـ«تعريب» هذه المدينة بكل الوسائل المتاحة، بما فيها اتباع سياسة التطهير العرقي.
ما نلتقطه مما سبق هو في الأساس تعقيد المسار التاريخي للتركيبة السكانية والإثنية المتنوعة لمدينة كركوك وصعوبة الأمثولات المتناقضة التي يدعيها اليوم كل طرف وفقاً للأهواء المحلية التي تعصف به.
ولن يحسم هذا الجدل طبعاً بمجرد أن الأطياف المختلفة التي تتألف منها المدينة ارتضت لنفسها البحث عن «حلول وسط»، ولكننا نشير فقط إلى استمراره حاداً حيناً بل دموياً في أحيان أخرى. ربما لا يقرأ المعنيون التاريخ، وربما يحاولون قراءته ويختارون منه ما يشاؤون وفقاً لأهوائهم، ولكن إن فعلوا فلن يساعدهم المؤرخون كثيراً على التوافق، إن كانت رغبتهم في التوافق في الأساس هشة. فلنأخذ أمثلة ونحاول الاستعانة بالمؤرخين لمعالجته، فنراهم منقسمين هم أيضاً وفي كلامهم التأرجح نفسه.
وعلى سبيل المثال، يقع حنا بطاطو في هذا التأرجح، فهو يبدأ بالقول إن مدينة كركوك كانت تركمانية، ما عدا قلة من العائلات الكردية المتناثرة في الأحياء الخارجية للمدينة، لكن بطاطو يعود ليؤكد في مكان آخر على أن جميع الآبار النفطية التي اكتشفت تقع في أراضي أصحابها من الأكراد، بما فيها حقل بابا كركر الذي تعود ملكيته إلى عائلة السيد أحمد الخانقا الكردية.
أما الأكراد فإنهم يتهمون السلطات العراقية المتعاقبة بتنفيذ سياسة «التعريب» التي استهدفت تغيير الواقع القومي للمدينة، ويشددون على القول بأن لا غبار على كردية مدينة كركوك، باعتبارها حسب تصريح لنوشيروان مصطفى «تقع ضمن جغرافية كردستان على مر التاريخ». ويشدد القول إنه «حتى في العهد العثماني كانت كركوك مركز ولاية شهرزور، وكان مقر الوالي العثماني على الدوام هو كركوك، إلى حين فترة الإصلاحات الإدارية».
في المقابل، يشدد التركمان على وجودهم التاريخي في هذه المنطقة، وكانوا يشكلون غالبية سكان المدينة، فيما يقرون بأن «الأكراد ليسوا سوى قادمين جدد». كما يشيرون إلى سياسة التطهير العرقي التي استهدفتهم ويستندون في دعواهم هذه على تقرير در شتوئيل المقرر الخاص للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الذي أشار فيه إلى أن نحو 25 ألف عائلة تركمانية شيعية هجرت من كركوك، وقيام سلطة البعث بتغيير أسماء عشرات القرى والنواحي التركمانية وإضفاء أسماء عربية عليها، إضافة إلى فصل منطقتين إداريتين تركمانيتين كبيرتين عن جسم كركوك هما طوز خورماتو وكفري في إطار تغيير مقصود للحدود الإدارية للمدينة.
وفي إطار «لعبة المرايا» ذاتها، هناك ادعاءات تاريخية أخرى لفئات كلدانية وآشورية على أحقيتهم في هذه المدينة، ولا يعدمون الحجج التي يسوقونها في هذا المضمار لتأكيد هذه الشرعية.
هذا الخلاف المستعر أبداً حول كركوك يثير عدداً من الأسئلة: هل كركوك المعاصرة هي استمرار جغرافي لكردستان العراق كما يدّعي بعض الغلاة الأكراد؟ أو هو كيان أوجدت تركيبته السكانية إرادة الدولة المركزية ووضعت حدوده الإدارية؟ ولا شك في أن الذين يعرفون مشكلة كركوك يقدرون خطورة هذه الأسئلة ليس في منتديات المؤرخين فحسب، بل في متاريس أي حرب أهلية قادمة.
* كاتب وأكاديمي من العراق يقيم في فيينا