قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

خالد الحروب - كل التطمينات التي يرسلها ويكررها القادة الفلسطينيون، سواء أكانوا في السلطة أم في حماس، بشأن «إستحالة الحرب الأهلية الفلسطينية» تأتي في سياق تفكير التمنيات إن لم يتم إستباق الأمور بشكل حكيم. الخيارات التي يتمترس خلفها كل طرف لا تلتقي في منتصف الطريق بل تتعارض رأسياً. كلا الطرفين يقع تحت ضغوط مختلفة ومركبة: السلطة تواجه ضغوطاً هائلة من جانب إسرائيل والولايات المتحدة وهي أسيرة برنامجها التسووي تحت سقف أوسلو المنخفض، وحماس في المقابل تواجه ضغوطاً بضرورة الرد العسكري من جانب قواعدها والشرائح الشعبية الغاضبة على التوحش الإسرائيلي الذي لا يتوقف، وهي أسيرة برنامجها المقاومي الذي لا سقف له. والمسؤولية الوطنية يتوزعها الطرفان إزاء إبقاء الوضع الدقيق تحت السيطرة وإلا آلت الأمور للإنفجار. بين برنامج السقف المنخفض وبرنامج اللاسقف هناك فراغ كبير تتسيده الحيرة التي هي عنوان المرحلة فلسطينياً. وفي هذا الفراغ الكبير يتوجب أن تخلق السلطة وحماس مكاناً وسطياً لا لجمع برامج متناقضة لأن ذلك غير ممكن، بل على الأقل لتفادي الخطر الأكبر وهو تصادم البرنامجين دموياً.

كل من البرنامجين حظي في الآونة الأخيرة بما يقويه ويدعمه، ولم تكن قوة احدهما تتم على حساب الآخر، وهنا مكمن الخطر. برنامج السلطة أستقوى بالإنتخابات وبالشرعية الجديدة، وبرنامج حماس المقاومي أستقوى بنتائج المقاومة على الأرض (حتى وإن كانت جزئية فإنها وسعت الشعبية وكرست الصدقية)، رغم تضعضع منطقه السياسي بعد الإنتخابات الرئاسية.

تفاصيل الصورة تقدم لنا تعقيدات أكثر: أبو مازن يتمتع الآن بشرعية لا يمكن أن تنقضها مماحكات حماس حول نسبة من شارك في الإنتخابات الرئاسية من أصل من يحق لهم الإنتخاب، خصوصاً أن حماس قاطعت الإنتخابات جملة وتفصيلاً، والحديث بأن نصف الناخبين لم يصوتوا ليس له قيمة كبيرة، إذ لا يمكن أن يتوقع المرء أن يصوت مئة في المئة ممن يحق لهم التصويت في أية إنتخابات مهما كانت حساسة وساخنة. وفي أي حال فإن حماس نفسها أعترفت بفوزه رئيساً ولم تقل أنه رئيس غير شرعي. المهم هنا هو أن خطأ حماس الإستراتيجي في الإحجام عن المشاركة في تلك الإنتخابات ترشيحاً أو دعماً لأي من المرشحين أضعف ولو موقتاً الأرضية السياسية التي تقوم عليها، أو النقد الذي يمكن أن توجهه الى أبو مازن. فلو شاركت ولو جزئياً عن طريق دعم مرشح ما لكان نجاح أبو مازن بنسبة متواضعة، اي في خانة الخمسينات، في مصلحة الوضع الفلسطيني عموماً، لأن مثل هذا الفوز يعين أبو مازن نفسه على التذرع بأن خلفه معارضة قوية وبالكاد حصل على الشرعية ولا يستطيع الذهاب إلى آخر الشوط. أما الفوز الذي تحصّل عليه فيعني أن لديه شرعية كبيرة تؤهله بل تحرجه أمام الإسرائيليين والأميركيين كي يقوم بما يطلبونه منه.

النقطة الثانية التي تصب في صالح أبو مازن وتقوي موقفه أمام حماس هي أنه كان واضحاً وصادقاً في برنامجه السياسي الإنتخابي الذي تضمن ضرورة إيقاف «عسكرة الإنتفاضة»، وهو خاض الإنتخابات وفاز فيها ببرنامج يدعو الى وقف ما تقوم به حماس. وسواء أتفق المرء أم اختلف معه حول برنامجه فإن الأكيد أنه يستحق الإحترام لأنه لم يخدع الناخبين ولم يبعهم شعارات فارغة تعودوها من جانب قيادات أخرى. والتناقض الذي تقع فيه حماس الآن هو أنها من ناحية تقر بفوز أبو مازن وأيضاً تمنت له النجاح (أي وقف عسكرة الإنتفاضة)، وهي من ناحية اخرى استمرت في عملياتها التي تعسكر الإنتفاضة، من دون التقليل أبداً من المسؤولية المركزية للوحشية السياسية والعسكرية الإسرائيلية التي لا تني تدفع إلى مآلات عنيفة مع تواصل عملياتها الإقتحامية والإجرامية في طول الأرض الفلسطينية وعرضها. وتتحمل سياسة شارون وموفاز حتى الآن المسؤولية الأكبر في الوصول بالأمور إلى ما وصلت إليه، سواء على صعيد التأزم السياسي في إعاقة التوصل إلى أي حل، او في إرتفاع أعداد الضحايا على الطرفين. لكن في الوقت نفسه نجحت إسرائيل سياسياً وإعلامياً في التقليل من درجة المسؤولية المركزية التي تتحملها، وخفضتها إلى مستوى أدنى وأصبحت تُرى على أنها تتناصف المسؤولية مع الفلسطينين على قدر التساوي. إضافة إلى ذلك نجحت في أنها أدخلت الجميع في لعبة المسوغات والمبررات، وأن العمليات الفلسطينية هي سبب الرد الإسرائيلي بالإجتياحات.

تورطت حماس ومعها مناصرو خيار «عسكرة الإنتفاضة» في الشرك الذي نصبه شارون وموفاز، ووفرت له من دون قصد المبررات والمسوغات للمضي في برنامج سياسي وعسكري إستئصالي يقع في القلب منه تعزيز وتعميق الإحتلال للضفة الغربية (الجدار، المستوطنات... الخ) بالتوازي مع خطة الإنسحاب من غزة. الإستمرار في العمليات المتفرقة، وإطلاق الصواريخ، وغيرها لا تحقق فلسطينياً سوى «فش الغل وإشفاء الغليل»، لكنه سياسياً ومصلحياً ووطنياً أصبح في هذه الفترة مضراً وغير ذي فائدة وعلى حماس أن تراجعه بعمق ومسؤولية عالية.

تبقى مطالبة حماس وبقية الفصائل بالتوقف الآن عن العمليات العسكرية منطقية، في وقت تعلن إسرائيل أنها لن توقف إعتداءاتها حتى لو تم ذلك؟ الجواب نعم، لسببين، الأول خارجي متعلق بالعلاقة الصراعية مع إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة، والثاني داخلي يتعلق بشبح الحرب الأهلية. خارجياً سينزع توقف حماس والفصائل المبرر الأقوى من يد شارون ويكشفه أكثر أمام العالم في لحظة مهمة تتركز فيها الأنظار على فلسطين بعد الإنتخابات الرئاسية. وداخلياً، يتم نزع السبب الرئيسي لإحتمال الصدام بين حماس والسلطة. لن يستطيع أبو مازن تحمل ضغطاً مزدوجاً من إسرائيل ومن حماس، وسيضطر لمواجهة الجهة الأضعف، أي حماس. سيشعر بأن من حقه كرئيس منتخب بناء برنامج واضح أن يطبق ما أعلنه. وسيتوقف جزء كبير من المسألة على موقف حماس وما اذا كانت ستقبل التعاون مع أبو مازن وتتفادى أي صدام، أم تستأنف عملياتها. اذا كان قررت الإستمرار فستدفع الأمور نحو الصدام مع السلطة حتى لو ظلت حماس متمسكة بمقولة أنها توجه رصاصها بإتجاه الإسرائيليين فقط. هذا النهج الذي مارسته حماس فعلاً على الأرض يعبر عن مسؤولية وطنية عالية ويحسب لها أنها التزمته في كل المراحل، كما يحسب لها أن تمسكها بحرمة الرصاص الفلسطيني حفظ الفلسطينيين من تطاحن دموي داخلي في أكثر من منعطف. مع ذلك، لا يمكن الإعتداد والتمسك بهذه المقولة من دون أخذ الظروف المختلفة والمتغيرة في الإعتبار. فحماس لا تناضل وحدها في الساحة وما تقوم به ينعكس على الجميع فلا يمكن ان تقول أنها تطبق برنامجها المقاومي ولا تتعرض للسلطة، فهذا تساذج غير مقبول. ثم انها لا تستطيع فرض رؤيتها وبرنامجها المقاومي على الجميع في وقت حاز البرنامج التفاوضي على شرعية إنتخابية.

قوة حماس الشعبية والعسكرية شيء وقوة منطقها السياسي في هذه اللحظة شيء آخر، والقوتان لا تتوازيان حالياً بسبب ضعف المنطق السياسي البارز وهو ما جلبته حماس على نفسها. القوة العسكرية قد تكون خادعة أحياناً، إذ تحاول تعويض الضعف في الجانب السياسي. من الممكن جداً، إن لم يكن أكيداً، أن تتمكن حماس من الإفلات بعملية إنتحارية هنا، أو إطلاق صواريخ هناك، رغم الحصار الذي تضربه إسرائيل والسلطة. لكن السؤال هو ماذا ستجني حقاً؟ فمن دون أن يكون العمل العسكري منتظماً في أجندة سياسية تقود إلى تحقيق أهداف مرحلية ممكنة فإنه يكون إما «إشفاءً للغليل» أو إستعراضاً تنافسياً أمام الآخرين لكن غير ذي فائدة على المستوى الوطني.

الخلاصة أن على حماس مسؤولية وطنية اليوم وليس غداً بأن تتأمل في برنامجها العسكري، وأن تعلن وقفه موقتاً لمدة سنة لتسحب البساط من تحت المزاعم الإسرائيلية، وحتى يظهر الجلاد بصورته الحقيقية كما هي ويُعرف من هو المسؤول عن الخراب الإقليمي الحالّ بالمنطقة. لن تخسر حماس شيئاً، بل ستربح صدقية أكبر وإحتراماً أكبر، وبإمكانها أن تستأنف عملها العسكري بعد ذلك وبعد أن يكون قد ثبت أنه ليس المعوق بل إسرائيل هي المعوقة. وفي المقابل يتحمل أبو مازن مسؤولية كبيرة في تصويب الضوء والإهتمام إقليمياً ودولياً على نقطة القوة الرئيسية في الموقف الفلسطيني إزاء وقف العنف وهي أن الفلسطينين وفي مقدمهم حماس على إستعداد لوقف متبادل للعنف، وإسرائيل هي التي ترفض. على السلطة الفلسطينية أن تتوجه الى الرأي العام العالمي وتحشد التأييد وراءها مطالبة بوقف العدوان على الشعب الفلسطيني لا أن تظهر كأنها تستجيب تحت الضغوط لوقف العنف. فالفلسطينيون هم ضحايا العنف وهم على إستعداد لإيقافه لكن الطرف الآخر يصر عليه وهنا المعضلة. هذا الخطاب يجب أن يكون خطاباً لأبو مازن وموجهاً الى الخارج ولا يفترض أن تتسلح به حماس ضد أبو مازن.

٭ كاتب واعلامي فلسطيني، كامبردج.