الدكتور محمد بن عبد الله القويزاني في لقاء لـ "ثقافة":

* الرياض - علي سعد القحطاني:
درس الأدب الإنجليزي والنقد وكانت رسالة الماجستير حول (الخصائص النثرية في شعر روبرت براوننج). كما تعرف أكثر على (نظرية ما بعد الاستعمار) بشكل موسع وذلك في أطروحة الدكتوراه التي كانت بعنوان (الاستشراق وما بعد الاستعمار في الفكر العربي الحديث: التصوير، والتصوير المعاكس) شارك بورقة بحث في مؤتمر الأدب المقارن ببورتوريكو (الولايات المتحدة) في مارس 2002م بتنظيم الجمعية الأمريكية للأدب المقارن، تحدث الدكتور محمد بن عبد الله القويزاني ل( الثقافية) عن مجال دراسته في الأدب المقارن ومصطلح (ما بعد الاستعمار) ودعا إلى التعايش مع (الآخر) عبر آلية (الحوار) معه وأن (العولمة) إحدى الحقائق التي يجب أن نتعايش معها، ورأى أن الثقافة المحلية دائماً ما تتوجس خيفة وتبالغ في مخاطر الانفتاح بحجة الخوف على هذا التراث، وأكد على ضرورة تعزيز الثقة بهذا التراث والانطلاق به نحو (العالمية) ويؤكد قائلاً: أنا أنادي بالانفتاح لأني على ثقة من الثقافة التي أحملها وبأنها تستطيع الوقوف إلى مصاف الثقافات العالمية الجديرة بالتعريف.. كما تطرق الضيف الكريم من خلال اللقاء إلى روابط قديمة وتبادلات ثقافية ما بين الشرق والغرب وأشار إلى أن هذه التبادلات الثقافية كانت مجرد حوادث عرضية داخل منظومة كبيرة من العلاقات المبنية على المنافسة العسكرية بين الشرق والغرب.
دراسات عليا
* نبذة عن السيرة العلمية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه؟
- درست الأدب الإنجليزي والنقد في جامعة إنديانا، وكانت رسالة الماجستير حول الخصائص النثرية في شعر روبرت براوننج، وهو تطبيق لنظريات السرد، ونظرية باختين على شعر الشاعر الإنجليزي روبرت براوننج. وفي مرحلة الدكتوراه في جامعة كولورادو - بولدر، تعرفت على نظرية ما بعد الاستعمار بشكل موسع، فرأيت تطبيقها على الدراسات الاستشراقية.
* نبذة حول أطروحة الدكتوراه؟
- كان عنوان الأطروحة: الاستشراق وما بعد الاستعمار في الفكر العربي الحديث: التصوير والتصوير المعاكس. وقارنت فيها الصورة التي رسمها الاستشراق للشرق، بالصورة التي رسمها المشارقة أنفسهم للشرق، لأخلص إلى أن هؤلاء الكتاب العرب، ابتداء من رفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني، وانتهاء بنجيب محفوظ والطيب صالح، تأثروا في رسمهم لصورة المشرق بالصورة التقليدية التي غالباً ما توجد في أدب الاستشراق. وقد ركزت على الاستشراق في القرنين التاسع عشر والعشرين، لأسبر تأثيره على الفكر العربي في أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين.
الأدب المقارن
* إذاً فقد كان مجال الدراسة الأدب المقارن؟
- الحقيقة أن مجال الدراسة كان خليطاً (كما هي نظرية ما بعد الاستعمار) بين الأدب الإنجليزي، والأدب المقارن. وقد حاولت أن أوظف فيها دراستي للأدب الإنجليزي والنقد لإضافة شيء جديد على الساحة النقدية العربية، وإلا فما الفائدة من دراسة أدب أجنبي إذا كان منفصلاً انفصالاً تاماً عن البيئة المحلية.
والحقيقة أن نظرية ما بعد الاستعمار أعطتني هذه الحرية لأتمكن، من خلال دراستي للأدب الإنجليزي من إضافة شيء للنقد العربي، أو هكذا أتمنى.
مصطلح ما بعد الاستعمار
* نلاحظ أنك رددت مصطلح (ما بعد الاستعمار) أكثر من مرة، فحبذا لو عرفت به، وبأبرز خواصه؟
- نظرية ما بعد الاستعمار، هي نظرية أدبية برزت كنظرية مستقلة في أواخر تسعينيات القرن العشرين، إلا أن جذورها الفكرية والنظرية تعود إلى ستينات القرن العشرين. وهي تحاول إيجاد قنوات حوار مع الخطاب الاستعماري قائم على تفهم مرحلة الاستعمار، ومعرفة أبعادها الفكرية، وتأثيرها على الثقافات والآداب المحلية. وتختلف هذه القنوات من رفض تام للخطاب الاستعماري القائم عادة على التمركز والأوروبي، أي رؤية أوروبا على أنها مركز العالم، أو محاولة التعايش مع هذه المركزية بتوفير قنوات اتصال تعتمد على فكرة الهجين التي ترى للآخر تأثيراً كبيراً في الذات. فالاستعمار جاء وذهب، ولكنه ترك بصمات لا تمحى على طريقة التفكير، والتعامل مع التاريخ والذات.
لذا فإن أي محاولة لتفهم التاريخ، بل حتى لاستخدام هذا التاريخ في رد المركزية الأوروبية تكون في حد ذاتها معتمدة على آليات التفكير الأوروبية التي استقيت من خلال التعليم المنظم، أو طرق التفكير العلمية التي قدمت نتيجة للاستعمار المباشر أو غير المباشر.قد تكون هذه النظرية بدأت بالدعوة الى مقاطعة ومعاداة المركزية الأوروبية، وتوفير بدائل محلية، إلا أنها أخيراً بدأت تنادي بتواصل، على المستوى النظري على الأقل، يسمح بحد أدنى من التمثيل والمقاومة، التي لا تأخذ بالضرورة شكل العنف، كما كانت المقاومة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حين تمثلت في حركات القومية والكتابات الشوفونية.
إن المقاومة قد تكون حضارية وسلمية وتسمح بالتبادل الثقافي الحضاري دون تعريض حياة الأفراد لخطر هذه المقاومة. ربما يكون إدوارد سعيد أفضل من يمثل هذا التيار، فقد كانت كتاباته تمثل مقاومة حضارية غير عنيفة للهيمنة الغربية على العالمين الإسلامي والعربي.
حقائق
* ولكن ألا ترى أن مثل هذه الدعوة قد تسمح باختراق الحاجز الثقافي، أو الهوية الثقافية، وتعرض تلك الهوية لخطر الذوبان في ثقافة الآخر؟
- إن الآخر قادم لا محالة، فإما أن نجد الطريقة للتحاور معه، أو أن التاريخ سيطوينا بحكم أننا لم نستطع التأقلم مع متغيرات العصر. إن العولمة لا تطرح نفسها خياراً نستطيع أخذه أو تركه إنها إحدى الحقائق التي يجب أن نتعايش معها. وهي ليست بالضرورة آلية استعمار حديثة، إلا إذا سمحنا لها أن تكون كذلك. أظن أن الثقافة المحلية، وخصوصاً العربية دائماً ما تبالغ في مخاطر الانفتاح على الآخر، بحجة الخوف على التراث الثقافي والديني. نحن على ثقة من تراثنا وديننا، وليس انفتاحنا على الآخر هو الذي سيؤثر على هذا التراث. إن أكبر خطر يهدد هذا التراث هو شعورنا أنه ضعيف في حاجة دائمة للحماية. هذا الشعور يفقدنا الثقة في تراثنا، ويجعلنا نمارس ثقافة الصد والحجب عن أطفالنا، مما يجعلهم، وبشكل تلقائي، يرغبون في معرفة هذا الآخر، والانخراط فيه.

إن أضعف الأطفال هو الذي يعيش في حقل معقم بالكامل. أنا أنادي بالانفتاح لأني على ثقة من الثقافة التي أحملها، وبأنها تستطيع الوقوف إلى مصاف الثقافات العالمية الجديرة بالتعريف. وهذا الاختلاط والتعارف سيثبت ما كان في ثقافتي قوياً، وسيلغي ما كان ضعيفاً هزيلاً، وهذا ضمان باستمرار هذه الثقافة، وتخلصها من مقومات الاندثار.
ثقافات عالمية
* هل للثقافة العربية وجودها على الساحة العالمية، وهل سيفيد انفتاحنا على تلك الثقافات في تغذية هذه الثقافة العربية في المنفى؟
- بكل تأكيد. فتكاد لا تخلو جامعة عالمية أو غربية من برامج في اللغة العربية، أو الثقافة العربية أو الإسلامية. في الصيف الماضي مثلاً حضرت مؤتمراً حول الاستشراق في موسكو، وفوجئت بحجم الدراسات الاستشراقية في روسيا، ومدى جدية الجمعيات العلمية في تأسيس مدرسة روسية للاستشراق. وألقيت هناك بحثاً حول بدائل الاستشراق الكلاسيكي كما هو في أدبيات الاستشراق المعروفة، بآلياته المعروفة لرسم الشرق، وقد أسعدني وجود باحثين روس في القاعة، وأسئلتهم التي أبدت شغفاً بالثقافة العربية، وطرق دراستها خارج السياق الأيديولوجي الاستعماري الذي تناوله إدوارد سعيد في كتابه (الاستشراق). وبالمناسبة لسنا فقد ندفع الآخرين لدراستنا، جاعلين من أنفسنا حقلاً للدراسة، بل نتوجه ابتداء لدراسة الآخر. فكما تعرف حين تقرر الولايات المتحدة مثلاً رسم سياسة معينة في الشرق الأوسط فإنها تستعين بجيش من المستشرقين والباحثين يقدمون الدعم العلمي لهذه السياسات، ويرسم أبعادها، ويتوقع نتائجها بناء على معرفتهم بالشرق الأوسط وساكنيه. وعندما يدخلون في مفاوضات مع دولة عربية، أو حتى على مستوى الشركات الكبرى، فإنهم يلجؤون للمستشرقين لمعرفة نفسية العرب، وطرق الوصول إليهم. وأطمح أن يكون لدينا كذلك، بحيث نوفر للقطاعين الحكومي والخاص الدعم العلمي لمعرفة ثقافة الغرب لتوفير الطرق الملائمة للوصول إليهم. ولعلنا في أمس الحاجة لذلك الآن، إذ نحن تحت هجوم شرس في الإعلاميات الغربية، ولن نستطيع الرد عليه إلا إذا استخدمنا آليات ثقافية، وذهنية مقبولة عند الغربي للتأثير عليه.
كانت تجربتي الخاصة مثيرة ومؤثرة بالنسبة لي فبعد سنتين من تدريسي الأدب الإنجليزي الحديث والمعاصر في جامعة كولورداو - بولدر، رأيت أنني بدأت في التواصل مع الطلاب الأمريكيين من خلال أعمالهم الأدبية، وطرح رؤى جديدة مستقاة من الثقافة العربية - الإسلامية للفهم والتعامل مع هذه الأدبيات. وقد كان هذا إضفاء لروح المادة العلمية لمسته من حماسة قسم اللغة الإنجليزية لأن استمر في هذه التجربة. إذاً فنحن موجودون في كل مكان كثقافة وحضارة. ويجب أن نستفيد من هذا الوجود لطرح الرؤى العربية والإسلامية لقضايانا الكبرى.
نظرية

* ولكن هل لهذه النظرية من تأثر في طريقة تعاملنا مع تراثنا نحن؟
- إذا كان التبادل الثقافي (سواء جاء طوعاً أو كرهاً) قد أثر في رؤيتنا للآخر، فإنه أيضاً أثر في طريقة رؤيتنا للذات، خالقاً منظومة نستطيع من خلالها فهم ماضينا، واستقراء حاضرنا ومستقبلنا ولأننا لا نعيش بمعزل عن العالم، فالعالم معنا حتى في رؤيتنا لأنفسنا، وقراءتنا لتاريخنا. فمثلاً عندما نعيد قراءة الماضي فإننا بكل تأكيد نتأثر بالحاضر، وطرق صياغة هذه النظرة الاستقرائية للتاريخ، أكاديمياً أو شعبياً، وهي كلها طرق مستقاة بشكل أو بآخر من الغرب، كما أوضح ذلك الناقد والمنظر الهندي هومي بابا في كتابه الشهير (موقع الثقافة).
عندما جلست مع الروائي والناقد المصري جمال الغيطاني، كان محور حديثي معه حول العلاقة مع الموروث الأدبي، وذلك من خلال روايته الشهيرة (الزيني بركات) التي حاول من خلالها إعادة الارتباط الأدبي بفن المقالة التي أوقفها الاستعمار، مدخلاً شكلاً جديداً من الكتابة الأدبية، وهو فن الرواية. وقد بين جمال الغيطاني أن هدفه كان محاولة تجاوز الاستعمار، ورسم جسر يمتد لهذا الموروث الأدبي، ويحاول تطويره. وكانت وجهة اعتراضي عليه أنه يكتب لجمهور كان قد تعود على أساليب الرواية الغربية، ابتداء من محمد حسنين هيكل، ومروراً بتوفيق الحكيم، ويحيى حقي، وانتهاء بنجيب محفوظ. فكيف يمكن تجاهل هذا التراث والتأثير الثقافي في بناء هذا الجنس الأدبي؟ ثم إن (رواية) الزيني بركات، ظهرت كرواية وليست كمقامة، فهي تحمل العلامات المعروفة (الحبكة، الوحدة، الشخصيات، التطور الدرامي.. إلخ) فجمال الغيطاني إذاً يكتب رواية لجمهور الرواية، نافياً فيه الرواية، وفي هذا تناقض نظري واضح. إلا أن جمال الغيطاني بين أنه لم يزعم أنه كان يريد هجر الرواية، بل تقريبها إلى التراث الأدبي العربي.وعندما طرحت هذه الفكرة على نجيب محفوظ أثناء لقائي به في صيف عام 2000 قال ان النتاج الأدبي لكل شعب هو ليس بالضرورة معبراً عن ذلك الشعب وحده، فإنك تستطيع أن تجد الآخر في أدبك المحلي، ونتاجك الثقافي، بل إن النتاج الأدبي قد يعمل بشكل أو بآخر ضد الثقافة المحلية مما يولد تجاذباً أو تنافساً يسمح بالتطور. وختم نجيب محفوظ هذه الفكرة بقوله: (لابد أن في الأدب المصري ما يجاذب الثقافة المصرية، وكذلك في الأدب الإنجليزي).
إذن هذه المحاولات وغيرها تبين أن التأثير الثقافي - الأدبي الغربي موجود في ذاواتنا وطرق بناء مفاهيمنا، حتى وان أردنا محاولة استقراء أنفسنا، فإننا سنلجأ للطرق العلمية الأكاديمية التي نشأت وتطورت في الغرب، ووصلتنا عن طريق الاستعمار المباشر أو غير المباشر.
الآخر
* ولكن أليست هذه النظرية تبسط علاقتنا بالآخر من خلال سياق الاستعمار فقط؟
- هذا صحيح، وربما هذا ما دعا إدوارد سعيد في آخر حياته إلى الدعوة إلى ضرورة إيجاد خطاب خارج على (بلاغة اللوم) التي تنتشر في النظرية ما بعد الاستعمارية. فنحن لا نريد اليوم أن نجد من نلومه في تعثر مسيرتنا الثقافية، ولكننا نريد إيجاد الطرق التي نستطيع من خلالها الوصول للعالم، والاستفادة منه. ونستطيع فعل ذلك سواء بربط هذه النظرية بالاستعمار، كأحد أهم العوامل التي وصلت مصير الشرق بالغرب، أو بالعوامل الأخرى التي لا تقل أهمية ولا فاعلية عنه، كالنظام العالمي الجديد، والعولمة، وغيرها. وبكل تأكيد إذا لم نكن فاعلين في هذه المحاور فسوف تخدم الذين يعملون فيها، ومن خلالها.
الشرق والغرب
* لماذا حدد الاستعمار كرابط بيننا وبين الغرب بالرغم من وجود روابط قديمة وتبادلات ثقافية ودبلوماسية، كتلك التي حصلت بين هارون الرشيد، وشارلمان ملك الفرنسيين، وتبادل الهدايا والسفراء بين حكام الممالك العربية في الأندلس، ودول أوروبا؟
- الحقيقة أن هذه العلاقات القديمة ليس لها تأثير كبير على الثقافة العربية المعاصرة. فدخول الطباعة، والصحافة، والتعليم الحديث، والبعثات التعليمية كلها مؤثرات كبيرة في ثقافتنا، وجاءتنا مباشرة من الاستعمار. فلا يمكن تخطي هذه العوامل المباشرة، والبحث عن نقاط التقاء في الماضي لا تعدو أن تكون خروجاً عن منظومة العلاقة القديمة بين الشرق والغرب، والتي كانت تتسم بكثير من العدائية الواضحة من خلال سلسلة الحروب بين العالمين فقد كانت هذه التبادلات الثقافية مجرد حوادث عرضية داخل منظومة كبيرة من العلاقة المبنية على المنافسة العسكرية بين الشرق والغرب على أجزاء كبيرة من العالم القديم، كالشام، وشمال افريقيا، والأندلس، وشرق أوروبا.
الثقافة المحلية
* ما هي مشاريعكم القادمة؟
- لعلي أستطيع الدخول من خلال نظرية ما بعد الاستعمار، لإبراز الثقافة المحلية، وربطها نظرياً وعملياً بمسيرة الثقافية في المنطقة بشكل عام. والدارس لتاريخ الأدبي العربي يرى أنه يركز على العراق، والشام، ومصر، زاعماً أنه لا توجد حركات أدبية، أو ثقافية، أو نقدية في الجزيرة العربية قبل القرن العشرين. فالواجب عولمة الثقافة السعودية، وتقديمها كنموذج يستحق الدراسة والتسجيل، من خلال نظرية ما بعد الاستعمارية ونظرية الدراسات الثقافية بشكل عام.