الباحثة السعودية الدكتورة رغد عبد الله مطبقاني لـ"إيلاف"
طاقاتنا مغيبة ولابد من وزارة لشؤون المرأة
نصر المجالي من لندن: الحوار مع أية سيدة سعودية ليس سهلا، ليس لصعوبة المراس والمزاج أحيانا الذي يمكن يواجهه المحاور، بل لأن القضايا الشائكة تفرض نفسها على الحديث أحيانا، والمرأة السعودية قد تكون تفوقت على نظيرات عربيات كثيرات في التحصيل العلمي والأكاديمي، ولكن حالها مثل نظيرات أخريات تطمح لنيل جزء من الحقوق التي تعتقد أنها من خلالها يمكن أن تساهم في مسيرة الوطن وخدمته وبنائه كنصف فاعل في المجتمع..ولقد استطاعت المرأة السعودية على مدى العشرين عاما التي خلت تحقيق نفسها على ساحة وطنها سواء بسواء في الخارج، فمن التحصيل العلمي والأكاديمي المتميز، واقتحامها لبوابات الجامعات المحلية والعالمية كمحاضرة، إلى سوق العمل الداخلي بكفاءة واقتدار، وجمعية سيدات الأعمال السعوديات بكل نشاطاتها الفاعلة خير مثال.
وآمال كثيرة تراود المرأة السعودية في الانخراط بالعمل الجاد لتحديد مستقبلها خصوصا لمرحلة القرن الواحد والعشرين، وفي زمن تقاربت فيه المسافات، وصار فيه العالم حي في قرية صغيرة، وهي تعتقد أنه آن الأوان للاعتراف بوجودها قوة عمل كبيرة تسند نصفها الآخر في ميادين كثيرة. ومع المطالب الإصلاحية والخطوات التي اتخذت حتى الآن على الساحة السعودية في السنوات الربع الأخيرة من قيام مجلس الشورى وصولا إلى الدعوة لانتخابات بلدية قريبا، فإن النساء السعوديات اللواتي يطلق عليهن تعبير "أخوات الرجال النشامى" بدأن يرفعن الصوت خفيضا أمام صاحب الولاية والأمل يحدوهن بأن ينلن ما يتمنين ولو حتى على مستوى الوعود التي قد تتحقق في زمن آت.
واحدة من السيدات السعوديات اللائي يطمحن إلى مستقبل مشرق في غد قريب، الأكاديمية والباحثة الدكتورة رغد عبد الله مطبقاني، الحاصلة على شهادة الدكتوراه في الصوفية كنظام سياسي في شمال القوقاز في القرن التاسع عشر من جامعة لندن، وقد حادثتها "إيلاف" عبر البريد الالكتروني، وهو وسيلة العصر في الحوار والاتصال وتقريب الأفكار بين شعوب الأرض، حول البحث الذي تعده حاليا حول "حقوق المرأة السعودية".
والحديث جاء متزامنا مع وقت كثر فيه الحديث عن المرأه السعودية سواء عن وضعها في المجتمع أو دورها داخل المنزل وخارجه وعملها و دراستها وحقها في الانتخاب وكذلك حقها في ترشيح نفسها للانتخابات سواء البلدية أو البرلمانية (الشورى).
... وتقول الدكتورة رغد عبد الله مطبقاني التي هي أم لابنتين (رناد وليان) لقد "أصبح لزاما النظر في هذه القضية من منظور موضوعي و تحت المظلة الأكاديمية وليس فقط من المنابر الأخرى المختلفة والتي تناقش أو تعرض فيها قضايا المر أه السعودية كمقطفات إخبارية آنية مبنية على تكهنات وفرضيات ووعود وتصريحات تنتهي بانتهاء المناسبة التي طرح فيها الموضوع لأجله والذي كان نتيجته أن فقد موضوع حقوق المر أه السعودية المصداقية والجدية إلى أن وصل الأمر لحد التندر سواء في بعض المقالات الصحافية والرسوم الكاريكاتورية ناهيك عن الملتقيات الاجتماعية".
وإلى نص الحوار مع الدكتورة مطبقاني التي تحمل أيضا شهادتي ماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية و"اللغويات العربية والإنجليزية والترجمة":
المرأة السعودية والإعلام
* كيف تقومين دور الإعلام النسائي السعودي، مع الملاحظة خصوصا عدم وجود رئيسات تحرير في الصحف السعودية؟
ـ إن الرجال هم الذين يشرفون على وسائل الإعلام النسائية من جرائد ومجلات، ولذلك فان المشهد الإعلامي النسائي هو مشهد مزيف (رجال يتقمَّصون شخصيات نسائية) لا يتناول قضايا المرأة بشكل صادق. وإنما يتناولها حسبما يراها الرجال الذين يتجنون على المرأة في الكثير من الأحيان ، ثم يتم تغليف ذلك بغلاف مزيف يسمونه: الحرص على المرأة والخوف عليها من الانحراف مع أنهم يعلمون علم اليقين أن نسبة المنحرفين من الرجال أضعاف ما هو موجود عند النساء.
أما النساء العاملات في مجال الإعلام - رغم ندرتهن - فان آراءهن مصادرة وممسوخة جراء تدخل المحررين الأوصياء من الرجال الذين يحذفون ما لا يرغبونه، ويضيفون ما يحلو لهم مُنتحلين بذلك شخصيات نسائية وهمية لإيهام القراء، مع أنها ليس لها وجود على صعيد الواقع الاجتماعي. وقِس على ذلك منصب رئيسات التحرير اللواتي لم يتَحَرَّرْنَ حتى يُحرِّرْنَ، فهل أسيرات العرف قادرات على تحرير ما هو مطلوب منهن؟
إن الطاقات الثقافية النسائية متوفرة في المملكة العربية السعودية، ولكنها مقموعة، ومغيَّبة، والأسماء المسموح لها بالظهور هي معادية لتطلعات المرأة الحقيقية، فنحن نقرأ بالصحف تصريحات رنانة لنساء شبه أميات، وإنما يقال ما يقال على ألسنتهن من باب التزلُّف لا أكثر ولا أقل، والشواهد كثيرة، ومنها: "صرحت حرَمُ فلان في مقابلة مع صحيفة …، فقالت: إن المرأة السعودية في أحسن أحوالها تعيش معززة مكرمة ولا ينقصها شيء".
ومن الأمثلة الصحفية اليومية خصوصا على الصفحات الأخيرة: أقامت حرم "فلان مأدبة حضرتها عدد من نساء الأعمال وتداولت الحاضرات قضايا المرأة وتحسين صورتها، وإلى آخر ما هنالك من هذا الهذر الذي لا يسمن ولا يغني من جوع".
* هل النساء اللواتي تلمع أسماؤهن على صفحات الجرائد والمجلات يمثلن ما نسبته واحد في الألف أو العشرة آلاف؟
ـ لا شك أن الأكثرية الصامتة تعيش وتموت وما من أحد يشعر بها، ولا أحد يتحدث عن مشاكلها في وسائل الإعلام لأن الحديث عن ذلك يعدُّ من باب المحظورات عُرفا، ولو كان ذلك مخالفا للشريعة الإسلامية الغراء التي لم تفرق بين الجنسين بل أعطت لكل ذي حق حقه.
قيادة السيارات
* لماذا لا يحق للمرأة السعودية قيادة السيارة، وما هو الحل في وجهة نظرك؟
ـ قيادة السيارة ليست محرمة شرعا – على رأي بعض العلماء – فالنساء كانت تستعمل وسائط النقل منفردة في عهد رسولنا عليه الصلاة والسلام، ومن جاء بعد ذلك من الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والعثمانيين، وحتى الآن نجد أن النساء في معظم أرجاء بلاد المسلمين يقمن بقيادة وسائط النقل والمواصلات مع فارق التطور، ففي الأرياف تسوق المرأةُ الناقةَ والخيلَ مثلما كانت الحال في عهد النبوة، حيث كانت الدواب هي وسائل المواصلات حين ذاك.
ومن المنطقي شرعا القول: إن قيادة المرأة للسيارة أخف حراما من ركوب السيارة مع سائق أجنبي غير محرم لأن في ذلك خلوة داخل السيارة، ولا سيما إذا كانت لزجاجها ستائر، أو كان الزجاج مموها أو مظللاً، مما لا يسمح لمن هم خارج السيارة برؤية ما بداخلها!!!
إن خلوة السيارة بين المرأة والسائق محرمة شرعا، وقد وردت نصوص تُحرّم ذلك، أما مباشرة المرأة لقيادة السيارة فغير محرمة قياسا على مباشرتها لقيادة وسائط النقل المعروفة قديماً.
وأما منع النساء من قيادة السيارات في المملكة العربية السعودية، فهي مرفوضة عرفا باعتبارها خارجة عن تقاليد المجتمع التي فرضَها الرجل السعودي باعتباره النصف الاجتماعي الأقوى والمتحكم بما يزيد عن النصف الاجتماعي الثاني، أي معاشر النساء.
وبما أن الرجال هم الذين فرضوا هذا العرف، فعليهم واجب تحمل الأعباء الناتجة عنه رأفةً بالمرأة المحرومة من استخدام وسائط المواصلات الضرورية.
فإذا أصرَّ الرجال على تكريس هذا العرف غير المنصف، فإنهم يتحملون نتائجه السلبية، وبالإضافة إلى ذلك فأنني أرى أن المخرج من هذه المشكلة هو أن يقدم الرجال السعوديون البدائل. مثلا:
-ومع التحفُّظ : يحقُّ لكل امرأة في السعودية الحصول على تأشيرة سائق مجاناٍ ويتحمل مكتب الاستقدام كافة التكاليف.
- تساهم شركات السيارات التي يمتلكها الرجال السعوديون بتخفيض لا يقل عن 50% من ثمن السيارة إذا كانت السيارة ستسجل بإسم المرأة.
- أما إذا كانت مالكة شركة السيارات امرأة فتدفع المشترية كامل الثمن، وهذا بحد ذاته سيخلق فرص عمل كثيرة للمرأة، فالأعمال التجارية مصرَّح بها للمرأة السعودية، وتجارة السيارات من الأعمال المربحة، وبالتالي تُدار كافة الأقسام في مثل هذه الشركات من قبل نساء سعوديات سواء في أقسام المحاسبة أو المبيعات أو الصيانة الخ ...
مجلس الشورى والبلديات
* تعيش المملكة حاليا حراكا سياسيا وإصلاحيا ملحوظا، واستطراديا يكثر الحديث عن دور المرأة في مجلس الشورى والمجالس البلدية المنتظرة، فأين موقع السعوديات من الخريطة، وخصوصا أن وزير الداخلية سمو الأمير نايف بن عبد العزيز حسم الأمر وقال أن المرأة السعودية لن تشارك في الانتخابات البلدية؟
ـ لا يوجد درو للمرأة السعودية في مجلس الشوري، وليس يوجد عضو فيه يمثل شؤون المرأة، وبالتالي فان مجلس الشورى يتكون من 120 رجلا عضوا معيّنا يمثلون الرجال في المجتمع أي يمثلون أقل من نصف المجتمع، و بعيداً عن معاناة النساء.
أما بالنسبة للمجالس البلدية والتي ستبدأ انتخاباتها للمرحلة الأولى في الشهر القادم ، فمن وجهة نظري الشخصية فإنني أرى: أنَّ من حق المرأة أن تنتخِب قياسا على حقها في البيعة. فالنساء قد بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، شأنهن شأن الرجال ،وكذلك الحال بالنسبة لحقها في ترشيح نفسها للانتخاب قياسا على مهمة الحِسبة التي مارستها النساء المسلمات، والتي كانت مهامّها مقابلة لرئاسة البلدية. فقد مارست الصحابية الجليلة سَمراء بنتُ نُهَيْك حق الولاية على السوق في مكة المكرمة، أي مارست الحسبة.
وبالتالي لا أرى ما يمنع من مشاركة المرأة في المجالس البلدية سواء ترشحن وتم انتخابهن أو تم تعينهن في تلك الوظائف دون انتخاب، أسوق الأمثلة التالية لأثبت أن المرأة مارست الفتوى، والحسبة، وكانت المؤتمنة على القرآن الكريم دستور الأمة، وكانت لها مهماتها عبر التاريخ الإسلامي ومن ذلك:
1: حق الفتوى وممارستها: إن أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن قد مارسن الفتوى ، ومن أشهرهن في ذلك أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: وهي راوية للحديث ،وقد مارست الفتوى في زمن الخليفتين الراشدين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، وكان الصحابة يسألونها في عويص العلم ومُشكله، فتجيبهم جواباً مُشبعاً بروح التروي والتحقيق، والأدلة على ذلك :قول أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه "ما أشكل علينا أصحاب محمد أمر قط فسألنا عنه عائشة إلاَّ وجدنا عندها منه علما"ً، وقول مسروق " رأيتُ مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض"،[أنظر :كتاب الإصابة لابن حجر العسقلاني ،كتاب النساء، رقم: 11461 ]
2 : ولاية الوقف وحفظ دستور الأمة: فالخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولّى ابنته أم المؤمنين السيدة حفصة رضي الله عنها نَظارَةَ وَقْفِهِ الذي أوقفَه في حياته مع وجودِ أولاده ومنهم الفقيه العالم " عبد الله " ولم يولِ نظارة الوقف لأبنائه،كما حفظ عندها نسخة القرآن الكريم الوحيدة التي كتبت في زمن الخليفة أبي بكر رضي الله عنه، وذلك مع وجود كبار الصحابة ، وفي هذين الأمرين إشارة من الخليفة عمر لإثبات أهلية المرأة للولاية ،ولائتمانها على دستور الأمة .
ولو قال قائل: أمهات المؤمنين يختلفن عن نساء زماننا، فإننا نُقرُّ بفضلهن علينا، ولكننا متساويات في الكثير من شؤون دُنيانا. وممارسة الفتوى لم تقتصر على أمهات المؤمنين، ومن النساء المسلمات اللواتي مارسن الفتوى : أم عيسى بنت إبراهيم بن إسحاق الحربي توفيت في رجب سنة 328 هـ/ نيسان/ إبريل سنة 940م [ انظر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ،والبداية والنهاية لابن كثير ، والمنتظم لابن الجوزي ،وصفوة الصفوة لابن الجوزي ]
3 : حق الشورى : لقد أخذ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بمشورة أم سلمة رضي الله عنها،عندما عزَّ على صحابته رضوان الله عليهم أن يحلوا الإحرام بعد صلح الحديبية دون أن يؤدوا العمرة التي خرجوا من أجلها ، إذ طلب منهم الرسول صلى الله عليه وسلَّم التَّحلل من الإحرام فلم يفعلوا ، وذكر الأمر لأم سلمة رضي الله عنها ،فأشارت إليه أن يبدأ هو بما يريد ، ففعل فقاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق لبعض.
وفي عهد الخلافة الراشدة أخذ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه برأي المرأة القرشية عندما جمع المسلمين ،وكان ذلك بمثابة مجلس شورى ليعرض عليهم أمر تحديد المهور ، ومحاجة المرأة القرشية له دليل على أنَّ في هذا المجلس كان يوجد نساء ورجال ، وأخذه برأيها يوحي أنَّ لها حق الجلوس في مجالس الشُّورى ، ولها حق إبداء الرأي.
لقد حصلت المرأة المسلمة على حق الشورى امتثالاً لقوله تعالى في الآية 159 من سورة آل عمران : ( فَبِمَا رَحمَةٍ مَّن اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك فَاعفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُم في الأَمْرِ)،و واضح من الآية هنا أنَّ الخطاب جاء بصيغة العموم ،أي يشمل الذكور والإناث،وإلاَّ لكانت دعوته صلى الله عليهم خاصة بالرجال دون النساء إن اعتبرنا أنَّ قوله جل شأنه ( وشاورهم في الأمر) قاصر على الرجال ؛إذ لا يمكن تجزئة الخطاب هنا إلى جزئين جزء يشمل الرجال والنساء ،وهو الخاص بالدعوة ،أمَّا الجزء المتعلق بالشورى فهو خاص بالرجال فقط، وذلك من أجل أن نحرم المرأة من حق الشورى! ولو كان الأمر كذلك لاستثنى الله جلَّ شأنه النساء منها. وكذلك قوله تعالى في الآية 38 من سورة الشورى : ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبَّهم وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون) .
فالخطاب هنا جاء بصيغة العموم أيضاً ،ولو قصرنا قوله تعالى ( وأمرهم شورى بيْنهم ) على الرجال دون النساء ،فهذا يعني أنَّنا قصرنا الصلاة والزكاة والصدقات التي هي من الإنفاق على الرجال أيضاً ،وأسقطنا ذلك عن النساء ،وهذا يتنافى عمّا جاء به الإسلام.
4 : حق البيعة : لقد بايعت النساء الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة ،وفي المدينة وآية البيعة صريحة في سورة الممتحنة،إذ يقول جلَّ شأنه ( يا أيها النَّبيُ إذا جاءك المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنكَ على أنْ لا يُشْرِكنَ باللهِ شيئاً ولا يَسْرِقَنَ ولا يزْنِينَ ولا يَقْتُلنَ أوْلاَدَهُنَّ ولا يأتِين بِبُهْتانٍ يفترِينَهُ بين أيديِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ولاَ يَعْصِينَكَ في معْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ واسَتغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غفُورٌ رَّحيم).
وهذا نص قرآني واضح وصريح ،ولا يحتاج إلى اجتهاد أو تأويل قد خصَّ الله جلَّ شأنه فيه النِّساء بالبيعةِ تأكيداً على أنَّ بيعتَهنَّ مستقلةٌ عن بيعة الرِّجال ،أي ليست تابعة لمبايعة الرجال ،وإنَّما متممة ومكملة لها ولا تكتمل البيعة إلاَّ بها، وبالتالي اذا استُبعَد النساء من حق البيعة والانتخاب فسيكون ذلك ليس لأن الأمر مخالف للشرع وانما يدخل تحت نطاق محظورات العرف والتقاليد.
5 : حق ولاية المرأة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشهور عند المسلمين، فقد مارست الصحابية الجليلة سمراء بنت نُهَيْك حق الولاية على السوق في مكة المكرمة، أي مارست الحسبة ،فقد ذكر ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ( أنَّها من ربات الوعظ والإرشاد ،أدركت الرسول صلى الله عليه وسلم ،وقد عمَّرت ،فكانت تَمُرُّ في الأسواق ،وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وتضرب الناس بسوط كان معها) ، وقد ذكرها ابن حجر في الإصابة.
وقد ولى سيدنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه منصب الحسبة للسيدة الشِّفاء من بني عدي ،واعتبر الفقهاء الحسبة نوعاً من أنواع القضاء. هنالك أمثلة كثيرة تدل على أن من حق المرأة أن تبايع وتنتخب، وتتولى الحسبة، والتدريس للنساء والرجال، ومن حقها أن تهاجر قياسا على هجرة النساء إلى الحبشة إذا خافت على نفسها ودينها.
تعليم المرأة
* هل هناك صعوبات في التعليم العالي للمرأة السعودية كما هو الحال بالنسبة لعملها؟
ـ من خلال تجربتي في العمل لدى رئاسة الكليات لسنوات عديدة أستطيع أن أجزم بأن قطاع تعليم البنات في المملكة ليس فقط يعاني من المشاكل، بل هو أمُّ المشاكل بدأً من محدودية المجالات التخصصية للمرأة، ومرورا ببدائية أساليب التدريس، وعدم توفّر الكفاءات المطلوبة، وعدم توفر المراجع والمكتبات الغنية بالمصادر العلمية، إضافة إلى تفويت فرصة المنح الدراسية للمراحل العليا للواتي لا يعملن في الكوادر الحكومية، وانتهاءً بأن الجامعات والكليات لا تعدو عن كونها ملتقيات اجتماعية، و ملاذ للخروج من داخل جدران المنازل، ولملء ساعات الفراغ الطويلة، والوحدة الموحشة.
وبعدها تدخل المرأة في مشكلة ما بعد التخرج، حيث لا وظائف لعدم وجود شواغر في قطاع التعليم، أو البنوك والمستشفيات والعيادات، وبذلك تدخل المرأة في متاهات الفراغ التي تجر الويلات على المرأة، وبالتالي على المجتمع، وإلى قطاع البطالة، وتعطيل طاقة إنتاجيه مهمة من طاقات المجتمع، وبذلك تصبح المرأة عالة على مُعيلها، وعلى المجتمع.
سفر المرأة السعودية
* هناك أيضا قضية سفر المرأة، فلم في وجهة نظرك أن لا تسافر المرأة السعودية وحدها إلا بإذن من رجل؟
ـ هذه القضية هي تمام النقيض لموضوع قيادة السيارات. فبينما قيادة السيارة للمرأة جائزة شرعا، ومحظورة عرفا، فإن سفر المرأة أكثر من 3 ليال بدون محرم غير جائز شرعاً، ولكنه مسموح به في المملكة عرفا.
والأدلة من السنة النبوية المطهرة ماورد في صحيح الإمام البخاري حيث قال: "حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ: قُلْتُ لأبي أُسَامَةَ حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ا اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثلاثة أَيَّامٍ إِلا مَعَ ذِي مَحرم"، وعلق ابن حجر العسقلاني على الحديث في فتح الباري، فقال: "قَوْله : ( إلا مَعَ ذِي مَحْرَم ) فِي رِوَايَة أَبِي ذَرّ الغفاري وَالأصيلي " إلاا مَعَهَا ذُو مَحْرَم " وَالْمَحْرَم: بِفَتْحِ الْمِيم الْحَرَام، وَالْمُرَاد بِهِ: مَنْ لَا يَحِلّ لَهُ نِكَاحهَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْد مُسْلِم وَأَبِي دَاوُدَ " إِلا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَو أَخُوهَا أَوْ زَوْجهَا أَوْ اِبْنهَا أَوْ ذُو مَحْرَم مِنْهَا " ، أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيق الأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْه.
وورد في صحيح الإمام مسلم: " و حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَل: لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاثِ لَيَالٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم"، وقال الإمام مسلم: "حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثلاثًا إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرم".
هَذِهِ رِوَايَات صحيح مُسْلِم، وكل هذه الروايات الصحيحة تلغي مفعول إذن السفر المعمول به في المملكة العربية السعودية، ولكنها تبيح للمرأة أن تركب راحلتها منفردة ضمن مسافة محدودة لا تتجاوز مسيرة ثلاث ليال
وبالتالي فإن ما هو مبني على التناقض لا ينتِج إلاَّ تناقضات أيضا. فكيف يُعقل أن يُطلب من أمٍّ أن تحصل على إذن مكتوب وموقع من ولدها الطفل بالنسبة لها، وأيّ مدلول احترام لمكانة الأم فيه؟ فماذا لو كانت المرأةُ وحيدةَ والديها ووالدها متوفى؟ أَ عليها أن تطرق أبواب الأعمام والأخوال (الخيلان)؟ وقِسْ على ذلك حالات وأوضاع أُخرى متعددة.
وما الفائدة المرجوة من ورقة تحمل توقيعا وختما ودائرة حول كلمتي " عدة سفرات" تعطي منها نسخه لموظف الجوازات في المطار، أو أي موقع حدوديٍّ، وتسافر بعدها أنّا شاءت والى أين ما شاءت!!.
فأنا لا أرى في هذا الأمر إلا تقليل من شأن المرأة وحسها بالمسؤولية وسوء الظن بها، وإضاعة وقت "المحرم" ووقت الموظف الحكومي، وهذا الموضوع يدخل في باب الحيل الفقهية التي تحدث عنها وفندها محمد بن أبي بكر ابن قيِّم الجوزية الزُّرعي يرحمه الله، وذلك في المجلد الرابع من كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين، كما تحدث عنها عبيد الله بن محمد العكبري في كتابه : إبطال الحيل ، وقد حققه زهير الشاويش، ونشره المكتب الإسلامي في بيروت.
المرأة السعودية سالفا
* كيف ترين وضع المرأة السعودية قبل عشرين عاما مقارنة بوضعها الحالي؟
ـ إن ما وصلت إليه المرأة السعودية في غضون السنوات الماضية، وبجهود فردية هو إنجاز كمِّي ونوعي كبير، ودليل على قدرتها على الكفاح لتحقيق ما تصبو إليه، وجديتها في تناول قضاياها، والبحث فيها، وإيجاد أفضل السبل لحلولها، ولم يساعدها المجتمع الرجالي الذي تعيش فيه كي تخطوَ تلك الخطوات المتقدمة، ولكنها عملت في إطار سماحة الشريعة الإسلامية التي كفلت لها حقوقها المشروعة، رغم ضيّق إطار العادات والتقاليد التي تضيق الخناق حول رقبتها بفضل تدخل الرجال غير المشروع.
لكنني أرى أن الخطوات التي تخطوها المرأة السعودية حتى وإن بدت متواضعة وبطيئة إلاَّ أنَّها ثابتة، وتكوِّن حجرَ أساس للخطوات التي سوف تليها بإذن الله.
وزارة لشؤون المرأة
* هل ترين أن هناك خطوات عملية يمكن أن تتخذها المرأة السعودية لتسريع عجلة تطورها؟
ـ نعم هنالك خطوات مشروعة. وبدون الرجوع الى الأمثلة الموجودة في الغرب فنحن لسنا منهم وهم ليسوا منا. وبدون الرجوع الى أمثلة من الدول العربية المجاورة لان الثقافة السعودية لها شخصيتها المميزة التي لا يوجد لها مثيل في العصر الحديث وبالتالي فإنني اقترح الآتي:
أولا: أن تُستحدث وزارة حكومية خاصة بشؤون المرأة السعودية على أن لا يكون وزيرها أو أي من العاملين عليها من الرجال.
ثانيا: أن تتوحد جهود المرأة السعودية من خلال العمل المؤسساتي وليس العمل الفردي. وهذا سيتيح للمرأة وضعا مميزا،ويجسد لها ثقلا أقوى في الثأثير والمساهمة في صناعة القرارات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والعملية، ومن خلال هذين المنبرين ستتمكن المرأة من المطالبة بالحقوق المشروعة بشكل كامل حسبما أقرّها ديننا الإسلامي الحنيف.
إن أبواب الاجتهاد مُشرعة لمن بلغوا درجة الاجتهاد، ومن شروطه الإلمام بما سلف، ومعرفة ما حضر من مسائل تتطلب استنباط أحكامٍ تُحقّقُ مقاصد الشريعة للرجال والنساء وذلك بحفظ الحقوق الضرورية والتكميلية والتحسينية وفقهاؤنا قادرون على تحقيق ذلك بإذن الله.
المواطنة والبعد
* أنت باحثة سعودية وتقيمين في الخارج فكيف تستطيعين المساهمة في دراسة شؤون وحقوق المرأة السعودية وأنت بعيدة آلاف الأميال؟
ـ إن حسّ الانتماء والمواطنة لا يقاس بالآميال، فأنا أولا وأخيرا بنت المملكة العربية السعودية، وفي عصر التقنية لم تعد الحدود الجغرافية عائقا يحول دون مُتابعة أي شأن من شؤون الحياة. كما أنني ومن خلال "مركز متابعة التطوير العلمي للمرأة" أُشَكّل حلقة وصل بين مواقع الفرص العلمية والمهنية والدورات التدريبية الموجودة في بريطانيا وبين المرأة السعودية وذلك بتسهيل السبل أمام المرأة السعودية للالتحاق بهذه المجالات كلٌ حسب تخصصها واهتماماتها وبالتنسيق بين الطرفين أعني بين المرأة السعودية من جهة و القائمين على هذه البرامج في بريطانيا من جهة أخرى.
.. وأخيرا
*ما هو الهدف من البحث الذي تقومين به حول حقوق المرأة السعودية في جامعة لندن؟
ـ الهدف هو إحساس الانتماء إلى الوطن أصبح ضعيفا حيث نَمَت أحاسيس أخرى كحسّ الانتماء إلى المنطقة الجغرافية، أو الانتماء إلى مدارس فكرية ، أو إلى الوظيفة، وحتى إلى فريق كرة القدم الذي قد يكون في البرازيل مثلا. هذه الانتماءات الجانبية أدت إلى إلحاق الأذى بحس الانتماء، ونشرت ضبابية تغلف مفهوم الوطن والمواطنة، مما فتح الأبواب أمام صراعات جانبية، وأصبحنا نحارب بعضا في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى وحدة في الصف للنهوض بمجتمعنا.
وختاما، فإنني أرى على رأس هذه الخلافات قضايا المرأة غير المنصفة من قِبل الأعراف الرجالية، بمعنى: أن نصف المجتمع ضد النصف الآخر، وهذه بحد ذاتها كارثة يجب العمل على التخفيف من حدتها بإيجاد جامع مشترك ضمن إطار الشريعة الإسلامية، جامع مشترك يكفل حقوق المرأة، ويقّدم المصلحة الوطنية على العادات والتقاليد السلبية، مع احترام وبلورة القضايا الإيجابية منها.













التعليقات