قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


الإنتخابات العراقية: سباق إلى التقسيم أم الحرب الأهلية
الزرقاوي جوكر "الأرض الخراب" يضرب الدول المنكوبة

جندي من الحرس الوطني انتقل الى بعقوبة من المناطق المضطربة قبل الانتخابات
ألبير خوري من بيروت: مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية العراقية، صعّد أبو مصعب الزرقاوي، أو "أمير القاعدة" في بلاد الرافدين، كما أسماه أسامة بن لادن، عملياته العسكرية ضد جيش الاحتلال، أدت إلى سقوط مئات القتلى والجرحى خلال الثلاثة أسابيع الأخيرة، ما يهدد، ليس فقط بتعطيل الانتخابات، كما أشار أكثر من مصدر عراقي وإقليمي ودولي، إنما أيضاً إلى تقسيم العراق، كخطوة أولى إلى إعادة ترسيم المنطقة المتفجرة في أكثر من موقع. والسؤال الذي يطرح نفسه أكثر من أي وقت مضى يتناول حجم العلاقة بين بن لادن والزرقاوي، والاستراتيجية المشتركة التي جمعتها السنوات الماضية لمواجهة التحديات الآتية.
أول ما يلفت النظر أن استراتيجية "القاعدة" تحفظت طويلاً حول استراتيجية الزرقاوي في العراق، وذلك لأسباب عديدة أهمها أن العراق لم يشكل أبداً اهتماماً للمنظمة، وهذا ما أوضحته رسالة بن لادن الاولى التي أعلن فيها الحرب على الولايات المتحدة والغرب في الثالث والعشرين من آب (أغسطس )1996 وحملت "رسالة بن لادن إلى اخوانه المسلمين في العالم، وخصوصاً في الخليج العربي"، وحيث بالكاد جاء زعيم "القاعدة" على ذكر العراق. فضلاً عن ذلك، تحاشى قادة "القاعدة" على الدوام،ا لاصطدام بأي شكل من الاشكال مع ايران وسكانه الشيعة، الذين يشكلون في الوقت نفسه الأكثرية السكانية في العراق، حفاظاً على مواقعهم في شتى أنحاء بلاد الرافدين.
وعلى عكس ذلك، عمل الزرقاوي وجماعته على زرع الفوضى، كما اتهم شيعة العراق وأكراده بمساعدة القوات الاميركية في احتلال أرض الرافدين، ووصف الشيعة في رسالة بثتها قوات الاحتلال في الثالث والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2004 بـ "عدو الإنسانية الاكبر"، لتحالفها مع العدو، وشبّههم بـ "السرطان اللعين" الذي يخفي سلاحه تحت ثياب البراءة "ليطعن به من الخلف وغدراً "السنة ممثلي الاسلام الحقيقيين"، علماً بأن قادة القاعدة لطالما اعتبروا قوات الاحتلال الاميركية هدفهم الأول والمباشر في العراق، وهذا ما كشف عنه احد مسؤولي "القاعدة" في السعودية، من خلال ما نشرته مجلة "صوت الجهاد" في تشرين الاول(اكتوبر) 2003، مشيراً إلى أن مهمته الرئيسية هي طرد "الكفار" من السعودية "الارض المقدسة"، اما العراق فيبقى من الاهداف الثانوية في استراتيجية المنظمة.
غير أن الامور لم تبق على هذا التوجه. فمع إصرار "القاعدة" على قلب النظام في السعودية "حليف أميركا"، إلا أن اهتمامها بالعراق أخذ أبعاداً أخرى وفق تعاليم أبو قتادة ويوسف القرضاوي اللذين شدّدا على الجهاد في بغداد وسائر الاراضي العراقية، وأفتيا للزرقاوي وجماعته بالعمليات "الاستشهادية" وخطف الرهائن وذبحهم...
علاوة على ذلك، خفف وصول "الاستشهاديين" بكثرة للمشاركة في الحرب العراقية "المقدسة" من هامش الحركة والتدخل لقادة "القاعدة"، خصوصاً أن اعداداً كبيرة من انصارها، التحقوا بالمقاومة العراقية ودخلوا ساحة الجهاد المقدسة، ما خفف، إن لم يلغ بالكامل، إمكانيات المنافسة والتصادم بين "القاعدة" والزرقاوي، علماً بأن بن لادن أو أياً من قادته ومستشاريه، لم يكن ليتوقع وصول الشاب الاردني من مدينة الزرقاء، نزيل السجون و"جندي الاسلام"، إلى قائد عسكري، وهو الذي لم يكن حتى فترة قصيرة، اكثر من ظل لأسياده الدينيين والعسكريين.
ينتمي الزرقاوي، واسمه الأصلي أحمد فاضل نزال الخلايلي، إلى عائلة أردنية متواضعة، نشأ في أحد الأحياء الشعبية في ضواحي عمان، انتقل بعدها إلى مدينة الزرقاء حيث أمضى مراهقته وجزءاً من شبابه متسكعاً،عاطلاً عن العمل، سكيراً ومهووساً بوشم جسمه بكل أنواع الصور والأشكال الشيطانية، وبما يتعارض مع الشريعة الإسلامية ومبادئها. ويحمل أرشيفه تعهداً على نفسه وقّعه أمام الشرطة الاردنية في العام 1987، بالتخلي عن العنف والإرهاب، وهو وعد ظلّ حبراً على ورق. وبعد تسعة أعوام أمضى بعضها في أفغانستان، تحول الاردن إلى هدف أساسي لمجموعة ارهابية بقيادة الزرقاوي الذي اعتقلته الشرطة الاردنية في العام 1994 وحكم عليه بالسجن 15 سنة بتهمة التخطيط لأعمال ارهابية في عمان، حيث فرض شخصيته، بما تميّزت به من كاريزما مؤثرة وقوة نافذة، على رفاقه المساجين، وكان بينهم عدد غير قليل من المتدينين الاصوليين الذين خدموا في افغانستان، وأثروا بتعاليمهم على "اميرهم" الذي بات ينتظر استعادة حريته بفارغ الصبر ليبدأ دعوته الجهادية التي تلقاها كما يقول من "الله العلي القدير". وكان أن نفذ دعوته "المقدسة" بعد خمس سنوات حين جاءه عفو خاص من ملك الاردن الجديد عبد الله، وحيث باشر للحال عملياته ضد المملكة الهاشمية حيث اصبح مطارداً من جديد من قبل المخابرات الاردنية إلى أن تمكن من الهرب إلى افغانستان عن طريق باكستان، حيث انضم الى "القاعدة" ووضع نفسه في خدمة قادة العمليات.
وحدث بعد اعتداءات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر )على مركز التجارة العالمية في نيويورك ووزارة الدفاع الاميركية في واشنطن، ان تمكن الزرقاوي من اختراق الحركات الاسلامية الكردية وتزعم عدد من الشبكات العاملة في اوروبا، خصوصاً في ألمانيا، وايطاليا، واسبانيا وبريطانيا، في حين كانت "القاعدة" تجاهد للحفاظ على ما تمكن من قواعدها، الامر الذي مكن الزرقاوي من تأكيد زعامته أكثر فأكثر، وفيما بعد، قيام "منظمته" التي شكلت الحليف الاقوى لـ "القاعدة". تأكد ذلك من خلال مقال نشرته مجلة "صوت الجهاد" ووصفت فيه الزعيم "الجهادي" الجديد بـ "أمير الجهاديين". وجاء ردّ الزرقاوي بأحسن منه في السابع من تشرين الاول (اكتوبر) 2004، ومن خلال رسالة موقعة باسم "قائد حركة التوحيد والجهاد الامير الزرقاوي ومجاهدوه يضعون أنفسهم في أمرة "القاعدة" ويعاهدون أسامة بن لادن على الوفاء والالتزام بدعوته". وبعيداً عما احتوته الرسالة من وجدانيات، فإن إعلان الزرقاوي أدى إلى مزيد من الالتفاف حوله، خصوصاً من جانب أنصاره "القاعدة" في العراق. وأكثر من ذلك تحقيق حلمه القديم الذي يعود إلى العام 1999، اثناء وجوده في افغانستان، حيث خضع لتدريبات قاسية لمدة سنتين، مكنت الشاب الاردني الطموح والمغامر من آداء قسمه امام بن لادن، والتزامه شروط وسياسة واستراتيجية المنظمة الاسلامية التي وضعت الولايات المتحدة، سلطة ومؤسسات وشعباً، في حرب صعبة وقاسية مستمرة حتى اليوم، ودائماً في افغانستان والعراق، وحيث المواجهات تتصاعد حتى وصلت إلى حدودها القصوى بينما يستعد العراقيون للادلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية قد تحصل وسط انقسامات شعبية خطيرة، وقد لا تحصل بفضل العمليات الجهادية المتنقلة بين عموم المناطق، وفي جميع الاحوال، تستمر بلاد الرافدين على قاب قوسين من الانفجار الكبير الذي قد يطيح باستقرار المنطقة، وهي التي تعاني اصلاً من هزات تفتح المجالات واسعة امام كل الاحتمالات، اقربها إلى التنفيذ ما هدّد الزرقاوي القيام به لايام قليلة مضت بتشديد عملياته وتكثيفها لإفشال عملية الانتخابات التي يقودها الاحتلال الاميركي "بدعم من شيعة العراق ضد سنته وتحويل البلاد إلى مقبرة للغزاة" على حد قوله.