نصر المجالي من لندن: ... أتقاعد من المهنة الصحفية "نعم"، أهجر الحب الأول "هيهات"،،هكذا كان مسك ختام رحلة بكر عويضة ذات المسافات الطويلة والقصيرة أيضا في مساحات بلاط صاحبة الجلالة، وبهذه العبارة اختصر مسيرة عمر كأنها البارحة ابتدأت.. فالصحافي العربي الفلسطيني الزميل بكر، وهو أحد مخضرمي الصحافة العربية المهاجرة خرج اليوم بمقال على صفحات (الشرق الأوسط) اللندنية مودعا مكتبه لا المهنة، إذ هل يتقاعد الصحافي أو الكاتب؟، وفيه فسر أسبابه للراحة من أوسع البوابات بعد نيف وخمس وثلاثين سنة لم تكن كلهن سمانا ولا عجافا، فهو ألقى عصا الترحال منذ اللحظة نحو العالم الأرحب عطاء بعيدا عن "النرفزة" و"طوشات" المكاتب والهواتف والاتصالات وقرارات الإدارة و"حساسيات أوامر وتوجيهات رؤساء التحرير".

بكر عويضة أمضى 16 عاما عددا في المبنى الرقم 184 في شارع هاي هولبورن في قلب العاصمة البريطانية ليس ببعيد عن شارع الصحافة (فليت ستريت)، حيث"بيت الصحافة العربية" مقر الشركة السعودية للأبحاث والتسويق التي تصدر الشرق الأوسط الصحيفة الدولية الخضراء، وزميلاتها من المطبوعات الأخرى ألـ 17 ، منها من عاد إلى الديرة ومنها ما زال يواصل غربة جريئة. ومن قلب الشرق الأوسط حيث جاء به رئيس التحرير آنذاك عثمان العمير (ناشر إيلاف ورئيس تحريرها) وجد الصحافي المخضرم وطنا جديدا بعيدا عن مسقط الرأس غزة هاشم، حيث ولد قبل 65 عاما.

هذا الوطن أعطاه بكر عويضة كثيرا من خبرة اكتنزها، وهو ظل يقول "لا زلت أتعلم"، والوطن الأخضر أعطى بالمقابل لبكر، مساحة يطمح لها أي صحافي راغب في الإنجاز، فكل منهما أعطى الآخر، وزاول مهماته مع ثلاثة من رؤساء التحرير هناك هم العمير وعبد الرحمن الراشد وأخيرا رئيس التحرير الشاب طارق الحميد، الذي كان بيده المفتاح السحري لبوابات رحلة العودة الى البدايات الجميلة.. القراءة، التأمل، المتابعة، التحرر من كل قيود الارتباط الوظيفي وتعقيداته، همومه واحباطاته، وحتى مكاسبه التي لها ثمنها الباهظ، ثمن تدفعه من اعصابك، وصحتك، وعلاقاتك الاسرية والاجتماعية. هكذا يرى بكر عويضة إجازته الجديدة.

قبل "الشرق الأوسط"، أنجز بكر عويضة، مهمة صحفية راقية إلى جانب الناشر والكاتب فؤاد مطر في إصدار مجلة (التضامن) حيث غادرها مع احتفاليتها بعيد ميلادها العاشر الذي لم يكن سعيدا، وكان أن اصطحب في رحلة الوداع عثمان ميرغني "الخل الوفي الدائم" وحلا مرحب بهما في هاي هولبورن، وكأن عثمان العمير آنذاك لا يريد أن يبتعدا كثيرا عن رائحة الحبر في مجلة التضامن وعن رفاق الأمس، فالمسافة الفاصلةبين المكانين لا تتجاوز الميل الواحد.

في الجريدة الخضراء وقبلها التضامن والعرب حيث محطته اللندنية الأولى في سبعينيات القرن الفائت، وقف بكر عويضة ليشد من أزر مخضرم الإعلام والوزير الأسبق الحاج أحمد الهوني في إصدار أول مطبوعة عربية يومية في عاصمة الضباب، لم يكن عند بكر عويضة نظرة تفريق بين الصحافي والكاتب في الهموم المتوازية وهو يقول "وهذه واحدة من مشكلات هذه المهنة، او أمراضها، في العالم العربي. ثانيا، نعم... يتقاعد الصحافي طوعا، إذا أدرك من تلقاء نفسه ان أوان الانسحاب حان، وهذا هو الأمثل، أو إيحاء له بأن الأكرم له ان يستأذن، أو بآخر الدواء، إذا تجاوز تاريخ انتهاء الصلاحية، وأصر على تمديد فترة الضيافة اصرارا لا معنى له".

ومن بعد هذه السنين، يطرح بكر عويضة في مقاله المعنون "انسحاب طوعي من الخدمة في بلاط صاحبة الجلالة"، سؤالا استصعب الكثيرون الإجابة عليه وهو : .. وهل يتقاعد الصحافي او الكاتب؟ ويجيب على ذلك بتجربته حين حسم أمر نفسه "وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان،، حين دقت ساعة اتخاذ القرار"، ويشير بكر إلى أنه "منذ صيف 1998 يواجهني السؤال. معظم من تسربت اليهم رغبتي في الانسحاب، ردوا فورا بذاك السؤال. وكنت، وما أزال، أجيب: أولا،. هذا بالنسبة للصحافي، ثم لماذا يجب ألا يتقاعد الكاتب؟".

وهو هنا أعطى مثالين لصحافيين أحدهما البريطاني برنارد ليفين وهو من أبرز كتاب «التايمز» البريطانية، حين فوجئ قراؤه ذات صباح يوم جمعة، يعلن في مقاله أن رئيس التحرير أبلغه بضرورة الخلود الى التقاعد، والآخر أميركي، حيث في الرابع والعشرين من يناير الماضي، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقال تقاعد واحد من ابرز كتابها، وليام سافاير. وإليه يسأل بكر عويضة "حقا، لماذا لا يتقاعد الصحافي، أو الكاتب، طوعا واختيارا؟".

وفي مقال الوداع الذاهب به إلى مرحلة جديدة، يتكلم بكر عويضة بأسطر معدودات عن النشأة الأولى لفكرة كيف يمكن أن تكون صحافيا محترفا بعد هواية وعشق ومراهقة لمهنة ما سيأتي من متاعب هي الأصل في الراحة والإنجاز والعطاء المتواصل في مفاصل مهنة الأرق في الليالي الطويلة من العشرين ربيعا إلى الخامسة والستين عطاء لا ينقطع لا إجازة بين أيامه وحتى لياليه. وهو هنا يشير إلى موعده مع ادعاء التعب، لقد كان صيف 1998 هذا الموعد ويقول "الآن يحق للمحترف ان يقول: كفى لقد تعبت. أما حين تسبق صيغة الاحتراف حالة عشق للصحافة تبدأ في سنين الصبا والمراهقة، فالطلاق يغدو مستحيلا، بل وغير جائز أصلا. تنصرف من ميدان المعاناة اليومية مع متاعب المهنة ومشاكساتها، لكنك لا تنفصل عن هوى يسري فيك مسرى الدم في العروق. والفرق بين الحالتين كبير. في الحالة الاولى، تشعر اذا كنت صادقا مع نفسك أولا، انك بلغت نهاية الخط. ان القطار بلغ محطته الاخيرة، وإن لم تغادره طوعا، سيأتي حارس ما في المحطة ليوقظك قائلا: تفضل انزل. في الحالة الثانية".

ويستطرد شارحا اللحظات الأخيرة التي جاء فيها ما يريح كتفيه ويجلو هم السؤال عنده ،، حيث القرار إذ "بعد إلحاح سنين منذ صيف 1998 زفّ إلي طارق الحميد البشرى، مضطرا، إذ ورث هو ايضا، منذ تسلم رئاسة تحرير «الشرق الأوسط» في اكتوبر الماضي، الاستماع الى الحاحي على التقاعد، ثم انه على علم بها منذ اكثر من ثلاث سنوات، وكان هو ايضا ضمن الذين يجادلون باخلاص لاقناعي بانني لا ازال قادرا على العطاء. لكنه، اخيرا قالها: خلاص، مبروك، رغبتك مستجابة. كان ذلك منتصف مارس الماضي. بيد انني عندما دلفت الى مكتب الحميد، الاربعاء الماضي، لتوديعه والزملاء والزميلات، فاجأني باقتراح ان اكتب مقالا عن لماذا التقاعد، وعن تجربتي في «الشرق الأوسط»، ثم عن ادارة صفحات الرأي. استقبل رادرار المخ الاقتراح بسرعة وابلغني على الفور كيف أرد: كلا، لا استطيع. لكن الحميد لم يمهلني كي انطق، بل عاجلني بما خلاصته ان لا مجال للاعتذار. ثم اوضح المبرر، وخلاصته ان الفكرة تتجاوز الشخص الى استحداث السابقة".

يعترف بكر عويضة بورطته مجددا حتى في آخر اللحظات التي ربما تكون أجملها وأصعبها نبوغا "التوضيح شل قدرتي على الاعتذار لحظتها، فأسكته مؤقتا، كما تفعل حبة الاسبرين بوجع الرأس. لكن سرعان ما هجم الصداع مجددا. هذا مقال صعب. كيف تكتب عن تجربة امتدت ستة عشر عاما في مقال؟ ثم، كيف تكتب محيّدا ذاتك في مقال عن تجربتك؟ .. لكن طارق ورطني إذ انتزع مني وعدا بأن اكتب. توريطه هذا اعادني الى اول ورطة واجهتني في «الشرق الأوسط». كان ذلك صباح الخامس عشر من مارس 1989 عندما تلطف عثمان العمير واخذني معه الى دار الصحافة العربية في اول يوم عمل لي في «الشرق الأوسط». لفتة لا يمكن نسيانها. ومن المدخل الى مكتبه في الطابق الثاني، فالى قاعة اجتماع التحرير الصباحي، ليفاجئني العمير بما افزعني. بضع كلمات قدمني بها العمير، فاذا بي أجفل من أول كلمة نطق بها. اراد تكريمي، لا شك. ولكن ربما ايضا توريطي في استشعار ثقل المسؤولية والكم المتوقع مني. سألته يومها، فاكتفى بتلك الابتسامة التي يجيدها اللاعبون الكبار في ساحاتهم. ابتسامة يصعب فك شفرتها. أهي موافقة أم منكرة؟ جادة أم ساخرة؟ أم هي خلطة من هذا كله؟ لا تدري. وهذا سرها وسحره."

ويختم، كأنه يحاول إيصال رسالة لجيل آت من الخلفاء البناة في مداميك الصحافة، ولسانه حاله يقول ـ هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد ـ يقول بكر عويضة "ولكن ما هي تلك الكلمات؟ ليس لتكرارها معنى الآن. المهم ان الذي أفزعني في كلمات العمير قبل ستة عشر عاما، هو ذاته ما افزعني في اقتراح الحميد قبل ايام. ثقل المسؤولية. ولكن باب الاعتذار أقفل باحكام، ولم يعد امامي مفر من الاستجابة الى لفتة لا يمكن نسيانها ايضا.
يمكن الحديث عن معنى التقاعد وضرورته. اشرت الى ذلك قبل قليل. لكن لا يمكن تلخيص تجربة ستة عشر عاما في مقال. ويمكن ايضا الحديث عن تجربة الاشراف على صفحات الرأي في جريدة لها وزن «الشرق الأوسط» ودورها. ويمكنني القول، بسرعة وبلا تردد، انها تجربة صعبة، وان معاناتها وحدها، بعد عدة سنين من تحملها، سبب كاف للانسحاب طوعا".