شجرة اللبان الظفاري واستخداماتها وخصائصها العلمية والطبية والبيئية
مسقط:تتعدد الموارد الاقتصادية لمحافظة ظفار بسلطنة عمان منذ قديم الزمن. وتمثّل شجرة اللبان واحدة من هذه الموارد التي تدر دخلا جيدا لسكانها. قد
| ظفار |
وتنمو شجرة اللبان بشكل طبيعي على الحواف المتأثرة بالأمطار الموسمية في هذه المحافظة. ونظرا لما تمثله هذه الشجرة من أهمية تاريخية وطبيعية ودينية واقتصادية وصحية، فقد أجريت لها العديد من الدراسات والأطروحات العلمية حولها، والتي تناولت هذه الشجرة من زوايا مختلفة. أما الحقيقة الثابتة حولها فأن محافظة ظفار تنفرد عن باقي المناطق والحافظات العمانية في زرع هذه الشجرة.
وكان للبان يمثل عمود التجارة الأساسي في جنوب شبة الجزيرة العربية قديما ومصدرا هاما من مصادر الدخل حيث اشتهرت محافظة ظفار بإنتاج أجود أنواع اللبان في العالم لتوفير المناخ الملائم لنمو أشجاره في مجموعات صغيرة، ويكون ارتفاع شجرة اللبان حوالي ثلاثة أمتار وتصبح قادرة على العطاء بعد ثماني أو عشر سنوات من زراعتها. وقد احتلت شجرة اللبان أهمية بالغة تضارع قيمة الذهب وهدايا الملوك. ولا تـزال تلعب دورا هاما حتى عصرنا الحديث. و يطلق على أفضل أنواع اللبان اسم " البخور الفضي " وينتج في محافظة ظفار. و لقد وصف المؤرخ الرومان بلينى، مادة اللبان بأنها " مادة بيضاء لامعة تتجمع في الفجر على شكل قطرات أو دموع كأنها اللؤلؤ " إن المقصود باللؤلؤ هو هذه المادة الراتنجية التي تنتج عند جرح الأشجار في مواقع معينة.
ومن الأطروحات العلمية الأخيرة التي تعرضت حول هذه الشجرة وخصائصها أطروحة الفاضل الدكتور محسن بن مسلم بن حسن العامري الذي قدم دراسته لنيل شهادة الدكتورة من أكاديمية موسكو للعلوم الزراعية وبإشراف من جامعة السلطان قابوس، حيث قام بإجراء بحوث ميدانية في ستة مواقع بمحافظة ظفار مثلت بيئة انتشار شجرة اللبان وخصائصها العلمية والطبية والبيئية. وكان موضوع الأطروحة الخصائص البيئية لأشجار اللبان في محافظة ظفار.
ويوضح العامري أن أطروحته تعتبر الأولى من نوعها تتناول بصورة علمية شجرة اللبان في السلطنة، ومن الدراسات العلمية القليلة على المستوى
| لبان |
ويقول الباحث أن الشجرة تمثل أهمية كبيرة على المستوى الاقتصادي، حيث يقوم الأهالي بتجميع اللبان وبيعه في المدن، ويستخدمونه في علاج مختلف الأمراض، وللتبخر، إضافة أنها أوراقها تستخدم كعلف للحيوانات وأزهارها مصدر لجمع العسل.
يضيف أن هذه الشجرة تنمو بشكل طبيعي دون تدخل الإنسان على الحواف المتأثرة بالأمطار الموسمية وتقدر المساحة التي تنمو بها أشجار اللبان 4 آلاف كيلو متر مربع، مشيرا إلى أن الدراسات تشير إلى أن محافظة ظفار كانت حتى وقت قريب تنتج ما بين 6 إلى 6 آلاف طن سنويا من مادة اللبان، وكان اللبان يشكل 75% من دخل البلد.
كما يوضح الباحث لهذه الشجرة أهمية مستقبلية وأهمية اقتصادية حيث أن لمادة اللبان طلب كبير في الكنائس والمعابد وفي الطب الشعبي وهناك دراسات على استخدام اللبان في الطب الحديث.
كما لها أهمية سياحية حيث أن هذه الشجرة تعتبر مقدسة ولا تنمو إلا في مناطق محدودة من العالم لذلك فان البيئة العمانية تناسب شجرة اللبان حيث تتحمل الجفاف وقلة الأمطار وارتفاع الحرارة.
ويقول الباحث أنه في ظروف التنافس الاقتصادي ووجود أنواع مختلفة من اللبان في السوق العالمية لابد من عمل شهادة منشأ للبان العماني وتحديد مكونات اللبان الكيميائية وهذا بدوره سوف يؤدي لحل عدد من المسائل منها تصنيف اللبان إلى درجات على أسس علمية وضبط أسعار اللبان على المستوى العالمي، والاستخدام الأمثل له من خلال التصدير وليس فقط الاستفادة من خام اللبان بل مكوناته حسب متطلبات السوق. ويضيف أنه بعد دراسته لمواقع انتشار أشجار اللبان في جبال ظفار يتبين أن هناك إمكانية واسعة لزراعة هذه الشجرة وهي ذات جدوى اقتصادية.
وحول المميزات الأخرى لمادة اللبان يقول الباحث: ما يميز اللبان العماني وجود نسبة عالية من مادة الفابنين وعدم وجود مادة اينسينسول. ويعتبر اللبان الحوجري افضل للاستخدام في الطب الشعبي وللحرق (البخور)، بينما يفضل اللبان الشعائبي لإنتاج زيت اللبان. وعند دراسة مكونات مادة اللبان الكيميائية من الممكن تتبع مصدرها وهذا سوف يؤدي إلى تحديد العلاقات بين الشعوب والحضارات القديمة.
أما حول أوجه الشبه والاختلاف بين شجرة اللبان في محافظة ظفار وأشجار اللبان في باقي مناطق العالم يقول العامري، تصنف مادة اللبان محليا حسب اللون والنقاوة ووقت الجمع والمكان الذي تنمو فيه شجرة اللبان، وقد اشتهرت 4 مواقع وسمى نوع مادة اللبان عليها وهي مواقع متداخلة وليس هناك حد فاصل بين المواقع وهي لبان الشعاب (الأودية) وهو الشريط القريب من الساحل غرب ريسوت بمحاذاة البحر ويمتد غربا حتى رأس ساجد، ولبان الشزر امتداد من شمال غرب ريسوت بمحاذاة جبل القمر حتى حدود اليمن، ولبان النجد وهو ما وراء سلسلة جبال ظفار ناحية الربع الخالي، ولبنان حوجر ويجمع من شمال جبال سمحان ناحية وادي انفور.
وقد بينت الدراسة التي قام بها الباحث أنها نفس النوع من الشجرة ولكن هناك أصناف داخلية تختلف في الشكل الخارجي وقشرة الشجرة وبعض الصفات الأخرى، كذلك يختلف لون وتركيز بعض العناصر في مادة اللبان حسب تأثير الخصوصية البنية. وهذا ما يطلق عليه الأهالي بطريق الخطأ لبان ذكر ولبان أنثى، هذا الكلام لم يثبت علميا حيث أن أزهار شجرة اللبان تحمل صفات التأنيث والتذكير معا.
كما يوجد في محافظة ظفار نوع واحد من أشجار اللبان واسمها العلمي (Boswelliasacra flueck) وهذا النوع هو الوحيد الموجود في ظفار، وتنتمي أشجار اللبان إلى جنس يسمى (Boswellia) يوجد منه 25 نوعا منه، وأربعة أنواع منها منتجة لمادة اللبان وهو النوع العماني ونوع آخر هندي ونوعان آخران في منطقة القرن الإفريقي.كما أن هناك اختلافات على مستوى شكل الشجرة وشكل الأوراق.
أما المكونات الكيميائية لمادة اللبان فهناك أيضا اختلافات أخرى، واهم هذه الاختلافات هو أن
اللبان العماني لا يحتوي على مادة تسمى(iusoi)، وتحتوي المادة العطرية فيه بشكل عال تصل إلى 83% وتسمى الفاينين، كما يحتوي اللبان العماني على نسبة عالية من زيت اللبان تصل إلى 15%، إضافة إلى ذلك أن اللبان العماني يحتوي على نسبة عالية من الصمغ.
وبشأن الاستخدامات الطبية لمادة اللبان يقول الباحث أن اللبان تستخدم في الطب الشعبي على نطاق واسع، فسكان ظفار يستخدمون اللبان كمسكن لآلام البطن والصدر والتهاب العيون ومضاد للسموم والتئام الكسور، مشيرا إلى أن الدراسات الحديثة قد أثبتت أن المادة الفعالة المسئولة عن الفعالية العلاجية تسمى حامض الابسوليك، وتبين انه مسكن للألم ويقوي الجهاز المناعي للجسم والكبد وسرطان الدم وضد الالتهابات، وهذه الفعالية مبنية على تأثير اللبان على انزيم (5)-lipoxyjenas وللبان تأثير على التخفيف من الربو وتقرح المصران الغليظ.
ومن ميزات العلاج بمادة البوليك انه على المدى البعيد لا يؤدي إلى تأثيرات جانبية والزيوت الطيارة المستخرجة من اللبان تدخل في صناعة العطور وكريمات الوجه وعلاج التهاب الشعب الهوائية.
لقد أصبحت المناطق التي تزرع فيها شجرة اللبان في محافظة ظفار معالم بارزة ضمن المعالم والمقومات السياحية التي يرتادها الزوار القادمين إلى هذه المحافظة، حيث يحرص السياح وخاصة الخليجيين منهم في زيارة تلك المناطق ومعرفة أهمية وتاريخ تلك الأشجار وفوائد اللبان، ويلتقطون الصور التذكارية بجانبها. كما تحرص العائلات الزائرة إلى هذه المحافظة سواء من المواطنيين أو الخليجيين والعرب وغيرهم بشراء اللبان الظفاري لاستخدامها في الأغراض المختلفة. وقد أصبحت هذه المواد تعبأ اليوم في علب بلاستيكية وتصدر إلى مختلف دول العالم. كما تعرض هذه المواد في بعض المعارض التي تنظمها الشركات المحلية والدولية كالمعرض الذي أقيم في اليابان خلال العام الماضي حيث عرضت مختلف أنواع اللبان ضمن العطور التي تنتجها الشركات العمانية من تلك المواد.




التعليقات