بين سحر العمارة القديمة ودفء المكان

حسام شحادة من دمشق: دمشق القديمة، تعج بالمآثر التاريخية التي تحكيها قبابها، وأبوابها السبعة، ومآذن جوامعها، وخاناتها، وحماماتها، وبيوتها المرصعة بالفسيفساء والموزاييك.
والبيت الدمشقي القديم رائعة من روائع فن العمارة العربية والإسلامية، هذا الفن الذي تطور وازدهر على مدى قرون عديدة الى أن بلغ القمة في الإبداع والتوزيع الوظيفي، وسحر البيت الدمشقي القديم، خير مثال على جمال البيت العربي المغلق من الخارج والمفتوح الى الداخل، حيث "أرض الديار" واسعة وتتوسطها بحرة جميلة تحيط بها غرف البيت المكونة من طابقين في غالب الأحيان، ويتصدر البيت الإيوان والى جانبه غرفة الاستقبال المفروشة.. وطبعاً، لا يخلو أي بيت دمشقي قديم من النباتات وخاصة شجرة النارنج وشجرة الياسمين.
ويقال أن أول بيت دمشقي قديم شيد في دمشق كان للخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، حيث شيد داره والتي تعرف بدار الإمارة وبقصر الخضراء أيضاً نسبة الى القبة الخضراء التي كانت تعلوها، وكانت الى جانب الجدار الجنوبي للجامع الأموي الكبير وتتصل به بباب خاص.

الجمالية الهندسية للبيت الدمشقي:
يصف البعض جمالية هندسة البيت الدمشقي القديم ببساطته الهندسية وتشكيله الخارجي ودقة توزيعه، فهذه البيوت الأثرية لا يمكن للإنسان تلمس سحرها إلا إذا دخلها، حيث يمكنه عند ذاك أن يشاهد المستور خارجياً، فيجد جدران البيت باسقة، والزخارف الهندسية والفنية متناسقة، وأيضاً يجد النباتات والأشجار المتنوعة.
عندما يدخل الزائر هذه البيوت، فإن ما سيصادفه هو "الخوخة" والتي تسمح بمرور الإنسان وحيداً ضمن باب البيت الكبير، وفي طريقه الى صحن الدار يمر الزائر بدهليز هو عبارة عن ممر ضيق ومعتم ويفضي الى فسحة كبيرة مفتوحة الى السماء تزينها الأشجار والنباتات الشامية العريقة والزهور الدمشقية النادرة، حيث هناك النارنج والياسمين والتوت والورد الجوري، وجميع هذه الأشجار والنباتات دائمة الخضرة لا تسقط أوراقها على مدار الفصول الأربعة مما يجعل البيت روضة غناء تغني عن الحدائق الخارجية.
وكيفما نظر الزائر في صحن الدار، سيجد الزخارف المنفذة من الرخام المشقق والزخارف الحجرية السوداء والبيضاء، وفي وسط هذه الفسحة السماوية، توجد البحرة والتي تصنع من الآجر المشوي المكسو بالرخام أو الأحجار السوداء والبيضاء وتزينها خطوط هندسية وتتوزع على أطرافها ألواح رخامية أو من الحجر المفصص باللونين الأحمر والأبيض. وفي وسط البحرة، نافورة ماء.
وبهذا الوضع يكون صحن الدار، باعثاً لمنح المتعة والهدوء وصفاء النفس وراحة الروح، حيث تجتمع كل عناصر الجمال والمتعة من مياه البحرة الى عبق الورود وزقزقات العصافير وفن التشكيل الجداري ودقة وروعة التصميم الهندسي.
بعد صحن الدار، هناك الإيوان والذي هو مكان أعلى من صحن الدار والى جانبه قاعات الاستقبال والضيافة، ولا يخلو "الإيوان" من الزخارف الخشبية المنفذة بعدة أشكال.
كما ستوزع في البيت الدمشقي القديم فتحات جدارية فيها الكوى وهي ذات أبعاد صغيرة وتستخدم للشمعدانات وقناديل الكاز.
وبشكل عام، يمكن تقسيم البيت الدمشقي القديم الى ثلاثة أقسام رئيسية وهي قسم الرجال ويسمى "السلملك"، وقسم النساء ويسمى "الحرملك"، وقسم الخدم ويسمى "الخدملك".
و"السلاملك"، مكان مخصص للاستقبالات ويدخل إليه من الخارج مباشرة وتبعاً للحقب الزمنية المختلفة فإن هذه البيوت ضمت بين جدرانها الكثير من الاجتماعات السياسية والاقتصادية وحفلات استقبال الضيوف والمهتمين بشؤوةن المدينة.
أما "الحرملك"، فمؤلف من سلسلة غرف تشرف على فناء مرصوف بالحجارة مرصع بالفسيفساء والألوان المختلفة ومزين بالنباتات الخضراء والورود وبحرة ماء.
ومن حيث الأثاث المنزلي، فإن غرف الدار لها دكات وعتبات، فالدكات تفرش بالحصير أولاً وفوقه تمتد الطنافس والبسط وعلى أطرافها توضع الدواوين ومساندها المغطاة بالدامسكو الشهير عالمياً. وفي الطوابق العلوية هناك منشر للغسيل يسمى المشرفة وهو شبيه بالفسحة السماوية ويفصل البيوت جدار خفيف الوزن مصنع على نموذج البغدادي. وفي المطبخ نجد المدخنة والموقد وبيت المؤونة وفي أسفل الدرج "الداكونة" ـو الخرستان. ويغلق البيت من الخارج بباب خارجي كبير له ما يسمى بالزعرور وهو مفصل اسطواني من الخشب الصلب المصفح بالصاج السميك. كما شاع في دمشق القديمة، استخدام الشرفات المطلة على الحارات والأزقة ووسيلة تدفئة البيت القديم هي الموقد الحديدي أو النحاسي الذي يملأ فحماً ويوقد خارج البيت ويترك الى أن يتطاير منه الغاز ثم يدخل به الى الغرفة، ثم استبدل هذا الموقد مع الزمن بـ "الصوبيا" والتي توقد بالحطب أو المازوت.

ذكريات لا تنسى:
يقول د. أحمد السمان: عندما أتذكر طفولتي في البيت القديم، أكاد أرى وأسمع وأشتم الماضي، أشتم رائحة الياسمين وزهر النارنج في ساعات الصباح الأولى أو خلال الليل، مازالت أمامي صورة شجرة النارنج التي كانت وكأنها المزار لنا وللجيران توفر الظل والفيء صيف شتاء ونقطف أوراقها العطرية.
ويتابع السمان: "وإن نسيت لا يمكن أن أنسى عرائش الكرمة الثلاث التي كانت تتسامى من الأحواض المحيطة في باحة البيت لتتعملق متسلقة على جدران البيت نحو الغرف العلوية للمنزل، وكانت العرائش قد وزعت على هياكل خشبية لتوفر جلسات جميلة رائعة، غريب أمر هذه الكرمات كم كانت عملاقة ومعمرة وكم هي اليوم قزمة.. مازلت أرى البحرة ونافورة الماء المتدفقة، مازلت أذكر الجيران وهم يدخلون البيت لأخذ بعض الماء العذب.. ولن أنسى ملامح طيب والدتي وهي ترحب بالناس.. ولن أنسى البراني الذي لم يعد اليوم مجلساً لحل مشاكل الناس أو منتدى اجتماعي أو مجلس قضاء يفصل في قضايا الناس".

أما الدكتورة ناديا خوست فتقول عن البيت الدمشقي: "البيت الدمشقي، فسحة للهواء والشمس، وتقسيم ذكي لما يناسب الصيف ولما يناسب الشتاء، وتوظيف مهم جداً للظلال والعرائش والماء، وفيه الصلة مستمرة بين الإنسان وبين الطبيعة، فسطح البيت الدمشقي مكان مهم ليس فقط لنشر البرغل والمربيات والغسيل تحت الشمس، وإنما أيضاً للصلة بالقمر والنجوم، وللصلة الإنسانية بالجيران، ولرؤية فن المدينة المطرز بالقباب والمآذن".

البيت الدمشقي والأعمال الفنية:
الفنانون السوريون الذين استمدوا مادتهم الفنية من الواقع (د. فؤاد شربجي وبسام الملا ونذير نبعة وحمزة شنتوت وعبد الرزاق السمان ويوسف عقيل وغيرهم)، ثم أضفوا عليها رونقاً مثالياً من خلال أناقة التصوير وروعة الإضاءة أكسب الأشكال قيمة أحالتها الى عالم السحر.. بالتأكيد ما كان لهذا السحر أن يعاش لولا استخدامهم أجواء مكانية يظهر فيه البيت الدمشقي بما فيه من مفروشات عريقة، وفسحات واسعة تزدان بنوافير الماء، وتعبق بالورود والأزهار وتغريد العصافير.
إن هذا الجو الدمشقي العريق النابض بالحضارة والأصالة، يتحول اليوم في ظل التطورات الهائلة والمتسارعة، الى مطاعم وأماكن لجلب السياح العرب والأجانب للفت انتباههم الى هذه المدينة العريقة الزاخرة بالأوابد الأثرية والمواقع السياحية ولا سيما أن هناك عدة بيوت معروفة، تميزت ببنائها وعراقتها وأصالتها والتي ازدهت بالرسومات والزخارف الرائعة مما أضفى عليها جمالاً ورونقاً أخاذاً وذوقاً مرهفاً، ومن هذه البيوت: بيت نظام – وبيت جبري – بيت السباعي وبيت القوتلي وبيت الطيبي والعقاد وحولانية وغيرها من البيوت العريقة.