قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


إيريك رولو *
على لائحة المحظيين بين حلفاء واشنطن المطلقين، تبرز ثلاث من دول الخليج: البحرين والامارات العربية المتحدة وقطر. وهي تتحلى بكل المواصفات المطلوبة. ولأنها كانت تشعر بنفسها معرضة فقد لجأت الى حماية العم سام، فاستقبلت قواعده العسكرية ورجال البحرية والعملاء في وكالة المخابرات المركزية (سي.آي.إي) ومكتب التحقيقات الفيديرالي (أف.بي.آي.)، وفي خضم ذلك تجار المدافع من عنده، وخبراؤه في مختلف المجالات. ولأنها أرادت أن تكون من أبطال العولمة، فقد اعتمدت اقتصاداً نيوليبيرالياً وأودعت في "وول ستريت" مئات المليارات من الدولارات، وهي عند الحاجة تضحي بمصالحها الخاصة لمصلحة الصناعات الغربية فتحافظ على سعر البترول عند مستويات "معقولة". وتتمون على نطاق واسع بالمنتجات من نوع "صنع في اميركا". وقد استضافت الدوحة مؤخرا المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية. أما زعماء هذه الدول ونخبها، وهم في معظمهم خريجو الجامعات الانكلوسكسونية، فانهم يعيشون حياتهم الخاصة على الطريقة الغربية فيستمتعون بموسيقى الجاز من نيو اورليانز وبالأفلام الهوليودية، ويفتنون ببراغماتية الأمة الأميركية الابتكارية وبديناميتها. وكما يفترض بها تالياً، فإن هذه الدول، غداة اعتداءات 11أيلول/سبتمبر، انضوت تحت لواء تحالف "الحرية بلا حدود" لمكافحة الارهاب.
ومع ذلك سرعان ما يكتشف المراقب الأجنبي أن كل هذا ليس سوى مظهر خادع يمكنه من خلاله أن يستشف في خلفيته الهوة الغير القابلة للردم التي تفصل هذه الشعوب العربية الاسلامية عن الولايات المتحدة. ولمزيد من الدقة، هي تفصلها عن السياسة الخارجية والاستراتيجية العالمية التي تنتهجها القوة العظمى الاميركية. الإجماع هو الذي يلفت الأنظار: فمن شخص رئيس الدولة الى أي شخص عادي، تتوافق الانتقادات على الجوهر سواء تميزت عن بعضها ام لا، حتى وان كانت ردات الفعل تختلف بحسب المتحدث، أكان ذا نزعة ليبيرالية أم قومية ام إسلامية. ورغم كل شيء، فإن ما يثير الدهشة هو سماع أمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة، يصرح قائلاً: "ليست بلادي مضخة بنزين لأميركا"، أو عندما يتحدث الى شخصية فرنسية رفيعة المستوى مشدداً على هذه الكلمات: "لست دمية في يد واشنطن ولن أكون" .
فالأمير الحاكم في دولة الإمارات الواسعة الثراء، والتي قد يكون دخل الفرد فيها هو من الأعلى في العالم، عاد أخيراً من العاصمة الأميركية بخيبة امل كبيرة، وحتى بشيء من الذل بسبب الاستقبال الذي قوبل به. ومن الاساءات التي تعرض لها، أن محادثيه فرضوا عليه ان يعيد الى جادة الصواب المؤسسة التي طالما امتدحوها، والمقصود قناة "الجزيرة" التلفريونية الزاهرة ورمز التوجه الليبيرالي والتي استثمرها الأمير بمباركة من واشنطن. والأسواً انهم رفضوا بكل صراحة ان يقدموا اليه اي دليل يؤكد& تورط السيد أسامة بن لادن في اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر. وقد باح لنا في حديث غير رسمي بأن "شكوكي لا تزال هي هي" قبل أن يتحدث عن فرضيات أخرى، هي ايضاً معقولة.
وتشكيكه هذا يشاطره إياه الرأي العام على نطاق واسع، فقد بيّنت بعض الاستفتاءات أن شعوب المنطقة ترى ان زعيم تنظيم "القاعدة" ليس هو منظم الاعتدءات، من دون ان يعترفوا له في ذلك بأي شرعية دينية. وقد صرح لنا نائب رئيس الوزراء في إمارة أبو ظبي، الشيخ سلطان بن زايد ان: "الغرب جعل من ابن لادن زعيماً روحياً اسلامياً فيما هو ليس سوى مجرد دجال". وهذا الرأي يدعمه أحد مديري كبريات الصحف في دبي إذ يؤكد أن لا احد يصدق ابن لادن حين يهاجم دولة اسرائيل، فالكل يعلم أن هذا الملياردير السعودي لم يقدّم دولاراً أو طلقة مسدس واحدة الى منظمات المقاومتين الفلسطينية أو اللبنانية.
وما من احد يرى ان لدى ابن لادن مشروعاً سياسياً، اللهم إلاّ سعيه الى زعزعة الانظمة العربية وفي درجة اولى نظام المملكة العربية السعودية الذي يكرهه أكثر من أي نظام آخر. والمفارقة بالغة الوضوح، فرغم كل شيء يحظى هذا "الدجال" بشعبية هائلة، فيطلق عليه أحياناً اسم "روبن الغابات" واحياناً "تشي غيفارا العرب"، والرأي العام مفتون به، إذا ليس لسبب، بحسب ما يوضحون، فلأنه الوحيد الذي تحدى القوة العظمى الوحيدة في العالم آخذاً عليها رياءها وانحيازها ومظالمها. وعلى سبيل الايضاح، يصرح الشيخ سعود، رجل السياسة المتخرج من الجامعات الأميركية، وابن حاكم إمارة رأس الخيمة: "أليس أن تشي غيفارا قد اجتذب الملايين من غير الشيوعيين في العالم الثالث؟".
ومع ذلك فان حكومات المنطقة حاولت ان تطبق بكل دقة تعليمات واشنطن في ما خص مكافحة الارهاب. فقدمت جميع التسهيلات الى القوات الأميركية وتعاونت في شكل وثيق مع الـ"سي.آي.إي." ومع الـ"آف.بي.آي."، بل أيضاً مع أجهزة المخابرات الفرنسية والبريطانية. وقد نفذت دولة الامارات العربية الموحدة عمليات اعتقال طاولت المئات بينهم حوالى مئة عسكري، وذلك بعدما قطعت علاقاتها الديبلوماسية مع نظام "طالبان". ووصفت هذه العمليات في شكل شبه رسمي بأنها "اعتقالات احترازية"، وقامت بالتعاون مع عملاء من أجهزة الأمن الأميركي بعمليات استجواب عنيفة، وطردت بعض المقيمين من الأفغان أو الباكستانيين الذين يشتبه في تعاطفهم مع ابن لادن، كما ان بعض أئمة المساجد الذين ثاروا لمنعهم من إلقاء الخطب الدينية، قد أعيدوا الى منازلهم. أما المستشار الخاص لولي عهد رأس الخيمة، الدكتور حسن القم، وهو من الاسلاميين البارزين، فصُرف من الجامعة حيث يدرّس العلاقات الدولية وذلك رغم ما يبديه من ميول ديموقراطية جريئة. لكنه لا يزال، وهو خريج جامعات بريطانية واميركية، ينشر مقالاً أسبوعياً في صحيفة "الاتحاد" شبه الرسمية.
ولم تكن حكومتا البحرين وقطر في حاجة الى استخدام القوة، فالحركات الاسلامية في البحرين، سنية كانت ام شيعية، هي في المبدأ معادية للارهاب ولم تمارسه قط في الأساس. ومعظمها يناضل منذ ربع قرن الى جانب الأحزاب العلمانية من أجل التعدد الديموقراطي، معترفاً في الوقت نفسه بالشرعية التامة للأمير الحاكم الذي عمد منذ بداية السنة الجارية الى تحرير النظام السياسي. ولأنه بلد سياحي متساهل ومنفتح على التقاليد الغربية، فان مئات الالوف من المسلمين، وخصوصاً من المملكة العربية السعودية، يتوافدون الى البحرين من أجل التمتع بالحريات التي يُحرمون في بلدانهم الأصلية.
أما في قطر فلا وجود للحركات الاسلامية التي تدعي الانتماء الى دين النبي، فيما الافراد المنتمون الى حركة "الاسلاميين وراء مقود المرسيدس"، مثلما يسمّونهم بشيء من السخرية، فإنهم غير عدائيين كلياً، بل أن لهم وجودهم في أروقة السلطة. فالشيخ فهد، الابن الأصغر للأمير الحاكم، محاط مثلاً بـ"الأفغان العرب" من المجاهدين الذين قاتلوا المحتل السوفياتي في الثمانينات. وفي عائلة الأمراء المنقسمة على نفسها، هناك العديد من "أنصار الحداثة" وفي مقدّمهم الحاكم نفسه، المشهور بحبه لفرنسا، تسانده زوجته المناضلة، الشيخة موزا المسناد، ووزير خارجيته الشيخ حمد بن جاسم. وهناك عضو آخر من الاسرة، هو وزير الداخلية، اعتبر محافظاً جداً فجرى إقصاؤه من أجل تسريع عملية تحرير التقاليد. وفي هذا البلد التابع للاسلام الوهابي، يعتبر ارتداء الحجاب اختيارياً كما أن الكحول متوافرة في الأماكن العامة لابناء البلد.
وإذا كان قمع النشاطات الاسلامية قد مر بنجاح، فإن مسألة التمويل السري لبعض المنظمات الارهابية لم تسوَّ حتى الآن. وقد تبين انه لا يمكن اللجوء الى تجميد الحسابات المصرفية المشبوهة في البحرين حيث تعمل عشرات المصارف الاجنبية، "أوف شور"، التي تخرج عن رقابة الدولة. والمؤسسات المالية في قطر، والتي يديرها في الغالب مقربون من العائلة المالكة، تؤكد ان زبائنها، باستثناء البعض، هم خارج كل الشبهات. وفي دولة الامارات "وضعت تحت الرقابة" الحسابات المصرفية لـ149 شركة وشخصية، ولن يتم تجميدها الا إذا اكتشفت بعض العمليات المشبوهة.
أما في ما خص الجمعيات الخيرية البالغة الثراء والتي يشك الأميركيون في انها تنقل اموالاً للحركات الارهابية، فان السلطات تأخذ في الاعتبار ازدواجية الدور المميز الذي تضطلع به. فمن جهة هي تساعد الناس المعوزين في العالم الاسلامي وتحديداً عبر تمويل إنشاء البنى التحتية ذات المنفعة العامة، وعبر تقديم المعونات الى العائلات المحتاجة. ومن جهة أخرى، تؤمّن مساعدة متعددة الاشكال الى "مجاهدي الحرية" في مختلف البلدان، من الشيشان الى البلقان والقوقاز وفلسطين. وفي الحقيقة، يجري تحويل بعض الأموال لدعم قضايا غير مشروعة، لكن كيف يمكن معرفة ذلك وخصوصاً كيف الحصول على البرهان؟ وفي مواجهة هذا المأزق، أسقط في أيدي الحكومات رغم الضرر الذي يلحق بالحليف الأميركي.
والعجز نفسه برز في مكافحة عملية تبييض الأموال. فمرفأ دبي يشتهر بكونه منطلقاً للتجارة الثلاثية والتهريب وتجارة المخدرات على اشكالها التي تمارسها منظمات المافيا الدولية، والتي تغطي مساحة جغرافية تمتد من موسكو الى الكاب، ومن تكساس الى شبه القارة الهندية، الى كونه جنة ضرائبية يهتم لها كثيراً المستثمرون والمضاربون. ويشتهر أيضاً بأنه ملجأ وممر لتحويل الرساميل ذات المصادر المشبوهة. ويتساءل وزير خارجية الامارات، الشيخ حمدان بن زايد، بشيء من الغضب: "لماذا التشديد على دبي؟" ثم يتابع: "في زمن العولمة ليس هذا المرفأ سوى حلقة في سلسلة مالية تمتد من نيويورك الى جنيف، ومن سنغافورة الى لندن مروراً بهونغ كونغ"." وفي كلمة أخرى، فإن الارهابيين من اي نوع كانوا، لن يكون عليهم ان يخافوا على عملية تمويل نشاطاتهم أياً يكن مصير ابن لادن والمتعاملين معه.
وهناك إجماع على كره نظام "طالبان"، غير أن الحملة العسكرية الأميركية في أفغانستان تثير استياء الرأي العام (بحسب احد الاحصاءات 80 في المئة يعارضونها) بمقدار ما تثير تحفظات الزعماء. فما من واحد منهم أيّد علناً عملية التدخل الاميركي، إذ يبدون جميعاً متأكدين من انها لن تتمكن من وضع حد للشر الذي تدّعي استئصاله، حتى وإن توجت بالنجاح.
وفي الدوحة، أكد وزير خارجية قطر في حديث له أنه "يتفهم الدواعي الأميركية الملحة للانتقام للضحايا" الا انه يخشى ان يكون للحرب الطويلة الأمد نتائج "الكارثة". ويؤكد معاونوه ان زعزعة نظامي باكستان والسعودية في نوع خاص لن تلبث أن تغرق البلدان المجاورة في الاضطرابات.
وفي أبو ظبي، أدلى وزير خارجية دولة الامارات بموقف أكثر دلالة، فقد أكد الشيخ حمدان بن زايد: "إنها مسألة مبدأ بالنسبة الينا، إذ يبدو لنا من غير المقبول أن تتولى دولة كبرى، أياً تكن، مهمة إسقاط نظام من دول العالم الثالث، مهما كان مكروهاً في العالم، لأننا نخشى أن يشكل هذا سابقة خطيرة في العلاقات الدولية". أما الشيخ سلطان بن زايد، نائب رئيس الوزراء، فأعرب من جهته عن الأسف "لتصرف الولايات المتحدة من جانب واحد، مهمشةً دور الأمم المتحدة في مسألة كان يفترض بها هي، بل وفي امكانها، أن تعالجها بطريقة أخرى وفضلى".
وفي المنامة، شدد الشيخ محمد بن مبارك، وزير خارجية دولة البحرين، مثل جميع نظرائه في مجمل العالم العربي، انه كان الأولى بالولايات المتحدة أن تهتم بمعالجة الاسباب السياسية لقيام الارهاب. وهو يقر بأنها متعددة بالتأكيد، لكن أعمال الكبت التي يجسدها نزاع الشرق الأوسط المزمن تحتل موقع الأولوية بينها.
وهناك إجماع في هذا الاطار الى درجة أن كبار المسؤولين يبدون على كلمة واحدة يمكن تلخيصها على الشكل الآتي: إنه لمن الملح على الولايات المتحدة ان تعمل بتنسيق دقيق مع أوروبا والأمم المتحدة من أجل حل النزاع الاسرائيلي ــ العربي، ووضع حد، في أسرع ما يكون، للقمع الدموي الذي تتعرض له الانتفاضة، وهي ثورة مشروعة من جانب شعب يتعرض للاحتلال والقمع. ويجب عدم التذرع بديماغوجية زعيم تنظيم "القاعدة"، الذي يحاول إضفاء الشرعية على جرائمه باستنكاره انحياز واشنطن، من أجل تجاهل الغضب المتزايد في اوساط الرأي العام العربي، هذا الغضب الذي يؤدي الى بروز مختلف أشكال التطرف. وعلى العكس من ذلك، فإن تسوية النزاع من شأنها ان تفتح الطريق أمام تطبيع تام بين اسرائيل ودول الشرق الأدنى والاوسط.
وليس من باب الصدفة،على الأرجح، أن يذكرنا جميع محدثينا في شكل عفوي بأن "السلام مع اسرائيل هو هدف استراتيجي لبلدان الجامعة العربية"، وذلك بحسب بنود القرار الذي اعتمد غداة توقيع اتفاق أوسلو. فقد صرح مثلاً وزير خارجية الامارات: "لقد أكدنا على الدوام للولايات المتحدة أننا مستعدون للاعتراف بالدولة اليهودية ولتطبيع علاقاتنا بها بمجرد ان توافق على الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة". وقد أكدت قطر على حسن النيات هذا، عندما لم تلجأ الى إغلاق "المكتب التجاري" الاسرائيلي في الدوحة بل اكتفت بـ"وقف" نشاطاته، سامحة بذلك للديبلوماسيين الاسرائيليين بالبقاء في مراكزهم في انتظار تحسن الأوضاع.
ورغم التصريحات الداعية الى التهدئة، الصادرة عن الرئيس جورج دبليو بوش وعن وزير خارجيته كولن باول، لا يزال التشكيك قائماً في رغبة واشنطن في تحقيق تسوية عادلة في الشرق الأوسط وحصر "حربها ضد الارهاب". وليس من برهان اوفى من العريضة التي وقعها 89 من اعضاء مجلس الشيوخ الاميركي (من أصل مئة) تطالب الرئيس بوش بعدم إعاقة المعركة التي يخوضها السيد أرييل شارون "ضد الارهاب الفلسطيني". واكثر ما يخشاه زعماء الخليج هو ان تهاجم الولايات المتحدة المنظمات الفلسطينية ، مثل "حماس" أو "الجهاد الاسلامي" او الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي تعتبر حركات مقاومة، او تهاجم بلداناً تعتبرها تخريبية مثل العراق في درجة اولى. وهم يجمعون على القول انه إذا كانت هذه هي نيات الولايات المتحدة فإن الهوة بين الغرب والعالم العربي الاسلامي ستزداد عمقاً، وآنذاك يجب توقع الأسوأ.&&&&&&&&
&
ايريك رولو : صحفي فرنسي، ورئيس تحرير صحيفة اللوموند سابقا.
عن اللوموند دبلوماتيك