وضاح يوسف الحلو
لدى قراءة كتاب الهولندي مارسيل كوربرشوك "البدوي الاخير"(*)، نستعيد التشبيه في مطلع معلقة امرؤ القيس "وليل كموج البحر أرخى سدوله" ونتذكر ان الصحراء شكلت تاريخياً استيهاماً موحياً لشعراء البادية والقبائل المنتشرة. ونستشفّ من خلال الشعر البدوي ما اكتنف ذاك الغموض الصحراوي من منازعات قبلية ومغامرات للشعراء.
في هذا الكتاب ذي الموضوعات المتعددة، الى صغر المعالجات واتساع العناوين، حكاية رحالة نهم بحثا عن تاريخ القبائل ونبش ماضيها. فمارسيل كوربرشوك رحالة هولندي انغمس كالعديد من المستشرقين الاوروبيين في حياة البدو فاستذكر اشعارهم البدوية، مصغياً وشاهداً على التحولات الصحراوية، محاولاً تفسير ما غمض عبر مقالات أشبه بالاقصوصة التشيخوفية.
كانت قبيلة عتيبة اول اهتمامات هذا الباحث الذي يعالج موضوعه على طريقة الادباء. ومن عتيبة ينتقل الى قبائل شَمّر، ثم يكتب عن الجبلين اللذين اسماهما امرؤ القيس "بين الدخول فحومل" محاولاً تفكيك الرمز الذي يربط بين الشاعر والمكان.
والكتاب ليس مبحثاً صرفاً، اي ليس تناولاً اكاديمياً او معجمياً لعالم الصحراء، لأن الادب بكل رموزه ولغته واستدلالاته يندرج في اسلوب البحث، مع بعض التفاصيل حول حياة البادية، بدءاً بحظر النساء من مخالطة الرجال، الى تمييز القبائل بين عاربة ومستعربة، الى النظرة الى الآخر الوافد على الجزيرة، الى حروب القبائل طلباً للكلأ والماء، الى عشق الخيول اذ خرج من عند العرب نوع كحيلان أرقى وأهم فصيلة خيول تعرفها مرامح العالم.
والصحراء العربية التقليدية هي ذاك الجزء من عمق الجزيرة العربية الذي رسمت معالمه وتضاريسه للمرة الاولى في القرن التاسع عشر على أيدي مستكشفين غربيين. والصحراء تبدأ من بادية الشام عبر كثبان لا تنتهي بلوغاً الى العاصمة الشمالية حائل مركز قبائل شمر في السعودية، ومركز آل الرشيد امراء تلك القبيلة. ومن حائل يسعنا الاتجاه شرقاً نحو العراق في محاذاة طريق الحج من بغداد الى مكة التي شقتها في القرن التاسع السيدة زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد.
ويقول المؤلف ان سان جون فيلبي، والد الجاسوس الكبير كيم فيلبي، هو اول من شق السفر بلا معوقات عبر قلب الجزيرة العربية. اذ شغل هذا المستكشف الغربي مركز مستشار ديبلوماسي للملك عبد العزيز، وكان حلمه إماطة السر الكبير عن أكبر صحراء رملية تدعى الربع الخالي. وعندما حصل على الإذن للبدء في رحلته اكتشف ان انكليزياً آخر هو بيرترام توماس سبقه الى ذلك قبل فترة. لم ينتظر توماس احداً، اذ انطلق من ظفار وكانت يومها خاضعة لدائرة النفوذ البريطاني بوصفها منطقة مرتفعة خضراء تطل على المحيط الهندي.
كانت الجزيرة العربية الصحراوية، ولا تزال ربما، تتميز عن جزيرة ارض اليمن السعيد بوصفها أرض بخور وتوابل. ويرى المؤلف ان ارض الجزيرة العربية الصحراوية لا يعوزها شيء من السعادة اذ تمضي في طريقها هادئة لا شيء يعكر صفوها، غير مبالية بالركض المحموم وراء التحديث المادي في القصيم والرياض. وتعيش الجزيرة في منأى عن الغليان السياسي في باقي العالم العربي. لا صناعة هناك، لكنها ليست فقيرة لأن عائدات النفط تخصص لتلك المناطق النائية ايضاً وان في مقادير أقل من باقي الاطراف، بيد انها كافية لتحقيق نوع من الرخاء والبحبوحة من غير ابتذال او ثراء فاحش.
ويروي المؤلف زيارته الى حائل مركز تلك المديرية فيقول: حائل هي مركز هذه المنطقة وتبتعد عن الرياض ستمئة كيلومتر شمالاً، وللمدينة سحر رعوي خاص. فحائل نظيفة في شكل مدهش. حاكمها الامير مقرن، وهو الابن قبل الاخير للأب الاكبر عبد العزيز، ويتكفل هذا الامير الا تترك قصاصة ورق واحدة مرمية في شوارعها، لذا تفوز حائل بجائزة انظف مدينة عاماً فآخر. طقسها لطيف، مزروعة بالمنتزهات حيث لا ينضب خرير الماء في ارجائها. منطقتها العمرانية تستظل هضبة جرداء لكن خلابة اسمها آجا. وهذا النتوء الصخري يمتد بمئات الكيلومترات مشكلاً حاجزاً بين حائل وصحراء النفود الكبرى. في هذه الجبال نجا عدد من الوعول الجبلية من مجزرة الطرائد على أيدي السعوديين من هواة الصيد. ويقول المؤلف: "في ربيع 1988 منحني الامير مقرن اذناً بالتجوال لدراسة اوضاع البدو في الفلاة العربية القديمة. وفي البقعة التي يلوح فيها جبل سلمى بعيداً عن المناطق الزراعية المحيطة بمدينتي عنيزة وبريدة التجاريتين. اوقفت سيارتي "الجيب" امام المطعم، ومن هنا كانت تبدأ الصحراء الحقيقية". ثم يروي المؤلف طريقة تناول الطعام فيقول: "ينقضون صامتين على جبل الرز والدجاج في الصحون المطلية بالنيكل. وخلف المطعم مكان للمرافق الصحية. حفرة في الارض مع خرطوم مطاطي للشطف. هناك مسجد صغير بقسمين منفصلين: للرجال والنساء". ومن المكان الذي خرج منه شعراء المعلقات خرج الشاعر البدوي - الشعبي عبد العزيز بن سليمان الجريفاني. ليلتها، كان هناك موعد مع الشعر فحضر الامير سلمان أمير منطقة الرياض الذي يأتي بالمرتبة الخامسة في السلم الاميري. انشد الشاعر الجريفاني قصيدة بنبرة شعبية:
"الشعر أعلام للتاريخ نوحي به/ مسموع، مشهود، مكتوب بجرايدنا/ في صادق الشعر نشكر فضل مولانا/ اللي علم صادق النيه وساعدنا/ وهب لنا مخلص وحد جزيرتنا/ بأمر الولي ثم أبو تركي تساندنا/ صقر الجزيرة جعل دستور وحدتنا/ النص بالراية الخضراء يوحدنا/ وصرنا سعودي اسم واحد هدف واحد/ والنهج واحد تلاقت به روافدنا".
إنه شعر اليوم الشعبي، وكان هكذا ايام شعراء المعلقات الفطاحل.
ويسرد كوربرشوك كيف عبر صحراء الشاعر الجاهلي امرئ القيس بحثاً عن الكثيب الواقع بين الدخول فحومل، وكيف التقى هناك شاعراً اسمه عبدالله نشر عمله المؤلف من جزءين "واحة الشعر الشعبي" عن شعراء الشعب في امارة الخماسين عاصمة الوادي. يعترف عبدالله بأن الانحطاط الاخلاقي أخذ يحقق اختراقات في العربية السعودية. مثلاً، بعض الآباء يبيح للمخطوبين ان يلتقيا تحت المراقبة وان ينظر أحدهما الى وجه الآخر قبل عقد القران. وعبدالله فخور بالارتباط بزوجته من دون أن يراها عملاً بالتقاليد العريقة. ولكثرة فضولي أحببت ان أتعرف بالشاعر ابن بتلا وعلى قصائده الحربية. رأيته، تعرفت اليه، صادقته فألقى عليّ شعره الموسيقي. فهمت اكثره اذ كانت ابياته تترى سلسة، طليقة كالغزال الشارد.
البدوي لا يعتذر. نحن نقول إن الجفاف هو الوضع الطبيعي في الصحراء، لكن البدوي لا يعتذر عن طبيعته اذا اسرفت في انحباس المطر او اذا لم يهطل المطر طوال سنين متواصلة، او لم يهطل بما فيه الكفاية ليتوغل مقدار ذراع في الارض فلا يكون هناك ربيع. والربيع عندهم حالة في الطبيعة تحصل بعد وفرة من هطول المطر. فحين تنغلق البذور في التربة وتزهر النباتات والاعشاب الريانة في كل مكان وتنمو الاغصان على الاشجار ويخضر الزرع بحيث تستطيع الإبل ان تأكل حتى تملأ السنام شحماً وتدر الحليب انهاراً، حينذاك يكن الربيع، وهو الربيع في كل مكان على هذه الارض. وشعر ابين بتلا مشحون بالحياة البدوية التي تفتقر الى المال لكنها لا تفتقر الى وفرة المواشي.
اللغة التي يتكلمونها آتية من ماض لا يمكن ان يعاد بناؤه من نتف الا جزئياً. النخيل كان يسقى بمساعدة جمال تدير النواعير. عين البدوي صقر وهي سلاحه الاول في الصحراء. الخنساء رأت على مدى ثلاثة ايام. العين تصبح حدة هنا. الشعر هنا وثني رغم دخول القرآن الذي انتقد اليهود في قسوة التأملات المحلقة غريبة على البدوي الذي يتأخر في رؤية الجمال. غروب الشمس وقت الصلاة لا وقت التحليق بالتأملات الطبيعية. عربي الصحراء واقعي، احساسه بالجمال يحدده استعمال الاشياء استعمالاً عملياً. فالخلق كله موجود ليفيد الانسان منه. لا شيء يحصل الا إن شاء الله. حين يستمر الجفاف اعواماً ليس للانسان من خيار سوى التحلي بالصبر والتضرع الى الله ان تنزل رحمته. ودار البدوي هي مكان الماء والعشب والاخضرار.
حياة الصحراء لا تنتهي. حبات رمل هي حبات الضوء. أخذ البدوي ينفتح على حياة اخرى لكن جزئياً. إنه صادق في حذر. والمؤلف المستعرب مارسيل كوربرشوك أحب هذه الحياة أكثر من حياة بلده هولندا. كتب عنها في شاعرية لا كباحث. مقالاته الصغيرة تشي ولا تشي. تخبرك ولا تخبرك لانها في حاجة الى معلومات اكثر وربما أعمق. (عن "النهار" البيروتية)
في هذا الكتاب ذي الموضوعات المتعددة، الى صغر المعالجات واتساع العناوين، حكاية رحالة نهم بحثا عن تاريخ القبائل ونبش ماضيها. فمارسيل كوربرشوك رحالة هولندي انغمس كالعديد من المستشرقين الاوروبيين في حياة البدو فاستذكر اشعارهم البدوية، مصغياً وشاهداً على التحولات الصحراوية، محاولاً تفسير ما غمض عبر مقالات أشبه بالاقصوصة التشيخوفية.
كانت قبيلة عتيبة اول اهتمامات هذا الباحث الذي يعالج موضوعه على طريقة الادباء. ومن عتيبة ينتقل الى قبائل شَمّر، ثم يكتب عن الجبلين اللذين اسماهما امرؤ القيس "بين الدخول فحومل" محاولاً تفكيك الرمز الذي يربط بين الشاعر والمكان.
والكتاب ليس مبحثاً صرفاً، اي ليس تناولاً اكاديمياً او معجمياً لعالم الصحراء، لأن الادب بكل رموزه ولغته واستدلالاته يندرج في اسلوب البحث، مع بعض التفاصيل حول حياة البادية، بدءاً بحظر النساء من مخالطة الرجال، الى تمييز القبائل بين عاربة ومستعربة، الى النظرة الى الآخر الوافد على الجزيرة، الى حروب القبائل طلباً للكلأ والماء، الى عشق الخيول اذ خرج من عند العرب نوع كحيلان أرقى وأهم فصيلة خيول تعرفها مرامح العالم.
والصحراء العربية التقليدية هي ذاك الجزء من عمق الجزيرة العربية الذي رسمت معالمه وتضاريسه للمرة الاولى في القرن التاسع عشر على أيدي مستكشفين غربيين. والصحراء تبدأ من بادية الشام عبر كثبان لا تنتهي بلوغاً الى العاصمة الشمالية حائل مركز قبائل شمر في السعودية، ومركز آل الرشيد امراء تلك القبيلة. ومن حائل يسعنا الاتجاه شرقاً نحو العراق في محاذاة طريق الحج من بغداد الى مكة التي شقتها في القرن التاسع السيدة زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد.
ويقول المؤلف ان سان جون فيلبي، والد الجاسوس الكبير كيم فيلبي، هو اول من شق السفر بلا معوقات عبر قلب الجزيرة العربية. اذ شغل هذا المستكشف الغربي مركز مستشار ديبلوماسي للملك عبد العزيز، وكان حلمه إماطة السر الكبير عن أكبر صحراء رملية تدعى الربع الخالي. وعندما حصل على الإذن للبدء في رحلته اكتشف ان انكليزياً آخر هو بيرترام توماس سبقه الى ذلك قبل فترة. لم ينتظر توماس احداً، اذ انطلق من ظفار وكانت يومها خاضعة لدائرة النفوذ البريطاني بوصفها منطقة مرتفعة خضراء تطل على المحيط الهندي.
كانت الجزيرة العربية الصحراوية، ولا تزال ربما، تتميز عن جزيرة ارض اليمن السعيد بوصفها أرض بخور وتوابل. ويرى المؤلف ان ارض الجزيرة العربية الصحراوية لا يعوزها شيء من السعادة اذ تمضي في طريقها هادئة لا شيء يعكر صفوها، غير مبالية بالركض المحموم وراء التحديث المادي في القصيم والرياض. وتعيش الجزيرة في منأى عن الغليان السياسي في باقي العالم العربي. لا صناعة هناك، لكنها ليست فقيرة لأن عائدات النفط تخصص لتلك المناطق النائية ايضاً وان في مقادير أقل من باقي الاطراف، بيد انها كافية لتحقيق نوع من الرخاء والبحبوحة من غير ابتذال او ثراء فاحش.
ويروي المؤلف زيارته الى حائل مركز تلك المديرية فيقول: حائل هي مركز هذه المنطقة وتبتعد عن الرياض ستمئة كيلومتر شمالاً، وللمدينة سحر رعوي خاص. فحائل نظيفة في شكل مدهش. حاكمها الامير مقرن، وهو الابن قبل الاخير للأب الاكبر عبد العزيز، ويتكفل هذا الامير الا تترك قصاصة ورق واحدة مرمية في شوارعها، لذا تفوز حائل بجائزة انظف مدينة عاماً فآخر. طقسها لطيف، مزروعة بالمنتزهات حيث لا ينضب خرير الماء في ارجائها. منطقتها العمرانية تستظل هضبة جرداء لكن خلابة اسمها آجا. وهذا النتوء الصخري يمتد بمئات الكيلومترات مشكلاً حاجزاً بين حائل وصحراء النفود الكبرى. في هذه الجبال نجا عدد من الوعول الجبلية من مجزرة الطرائد على أيدي السعوديين من هواة الصيد. ويقول المؤلف: "في ربيع 1988 منحني الامير مقرن اذناً بالتجوال لدراسة اوضاع البدو في الفلاة العربية القديمة. وفي البقعة التي يلوح فيها جبل سلمى بعيداً عن المناطق الزراعية المحيطة بمدينتي عنيزة وبريدة التجاريتين. اوقفت سيارتي "الجيب" امام المطعم، ومن هنا كانت تبدأ الصحراء الحقيقية". ثم يروي المؤلف طريقة تناول الطعام فيقول: "ينقضون صامتين على جبل الرز والدجاج في الصحون المطلية بالنيكل. وخلف المطعم مكان للمرافق الصحية. حفرة في الارض مع خرطوم مطاطي للشطف. هناك مسجد صغير بقسمين منفصلين: للرجال والنساء". ومن المكان الذي خرج منه شعراء المعلقات خرج الشاعر البدوي - الشعبي عبد العزيز بن سليمان الجريفاني. ليلتها، كان هناك موعد مع الشعر فحضر الامير سلمان أمير منطقة الرياض الذي يأتي بالمرتبة الخامسة في السلم الاميري. انشد الشاعر الجريفاني قصيدة بنبرة شعبية:
"الشعر أعلام للتاريخ نوحي به/ مسموع، مشهود، مكتوب بجرايدنا/ في صادق الشعر نشكر فضل مولانا/ اللي علم صادق النيه وساعدنا/ وهب لنا مخلص وحد جزيرتنا/ بأمر الولي ثم أبو تركي تساندنا/ صقر الجزيرة جعل دستور وحدتنا/ النص بالراية الخضراء يوحدنا/ وصرنا سعودي اسم واحد هدف واحد/ والنهج واحد تلاقت به روافدنا".
إنه شعر اليوم الشعبي، وكان هكذا ايام شعراء المعلقات الفطاحل.
ويسرد كوربرشوك كيف عبر صحراء الشاعر الجاهلي امرئ القيس بحثاً عن الكثيب الواقع بين الدخول فحومل، وكيف التقى هناك شاعراً اسمه عبدالله نشر عمله المؤلف من جزءين "واحة الشعر الشعبي" عن شعراء الشعب في امارة الخماسين عاصمة الوادي. يعترف عبدالله بأن الانحطاط الاخلاقي أخذ يحقق اختراقات في العربية السعودية. مثلاً، بعض الآباء يبيح للمخطوبين ان يلتقيا تحت المراقبة وان ينظر أحدهما الى وجه الآخر قبل عقد القران. وعبدالله فخور بالارتباط بزوجته من دون أن يراها عملاً بالتقاليد العريقة. ولكثرة فضولي أحببت ان أتعرف بالشاعر ابن بتلا وعلى قصائده الحربية. رأيته، تعرفت اليه، صادقته فألقى عليّ شعره الموسيقي. فهمت اكثره اذ كانت ابياته تترى سلسة، طليقة كالغزال الشارد.
البدوي لا يعتذر. نحن نقول إن الجفاف هو الوضع الطبيعي في الصحراء، لكن البدوي لا يعتذر عن طبيعته اذا اسرفت في انحباس المطر او اذا لم يهطل المطر طوال سنين متواصلة، او لم يهطل بما فيه الكفاية ليتوغل مقدار ذراع في الارض فلا يكون هناك ربيع. والربيع عندهم حالة في الطبيعة تحصل بعد وفرة من هطول المطر. فحين تنغلق البذور في التربة وتزهر النباتات والاعشاب الريانة في كل مكان وتنمو الاغصان على الاشجار ويخضر الزرع بحيث تستطيع الإبل ان تأكل حتى تملأ السنام شحماً وتدر الحليب انهاراً، حينذاك يكن الربيع، وهو الربيع في كل مكان على هذه الارض. وشعر ابين بتلا مشحون بالحياة البدوية التي تفتقر الى المال لكنها لا تفتقر الى وفرة المواشي.
اللغة التي يتكلمونها آتية من ماض لا يمكن ان يعاد بناؤه من نتف الا جزئياً. النخيل كان يسقى بمساعدة جمال تدير النواعير. عين البدوي صقر وهي سلاحه الاول في الصحراء. الخنساء رأت على مدى ثلاثة ايام. العين تصبح حدة هنا. الشعر هنا وثني رغم دخول القرآن الذي انتقد اليهود في قسوة التأملات المحلقة غريبة على البدوي الذي يتأخر في رؤية الجمال. غروب الشمس وقت الصلاة لا وقت التحليق بالتأملات الطبيعية. عربي الصحراء واقعي، احساسه بالجمال يحدده استعمال الاشياء استعمالاً عملياً. فالخلق كله موجود ليفيد الانسان منه. لا شيء يحصل الا إن شاء الله. حين يستمر الجفاف اعواماً ليس للانسان من خيار سوى التحلي بالصبر والتضرع الى الله ان تنزل رحمته. ودار البدوي هي مكان الماء والعشب والاخضرار.
حياة الصحراء لا تنتهي. حبات رمل هي حبات الضوء. أخذ البدوي ينفتح على حياة اخرى لكن جزئياً. إنه صادق في حذر. والمؤلف المستعرب مارسيل كوربرشوك أحب هذه الحياة أكثر من حياة بلده هولندا. كتب عنها في شاعرية لا كباحث. مقالاته الصغيرة تشي ولا تشي. تخبرك ولا تخبرك لانها في حاجة الى معلومات اكثر وربما أعمق. (عن "النهار" البيروتية)
&














التعليقات