قضيتُ ثلاثة أسابيع متنقلاً بين فضاءاتٍ مفتوحة تمتد بلا نهاية، رحلةً من الشمال الموريتاني إلى جنوبه، عبر طرقٍ مقفرة لا يزاحمها سوى شوك النباتات وعشبٍ يقاوم الذبول بما تساقط عليه من مطرٍ شحيح. كانت الرحلة محاولةً أخرى لاكتشاف الذات، ولإعادة وصل ما انقطع من ذاكرةٍ قديمة؛ ذاكرة القوافل التي كانت تشق هذه الفيافي جيلاً بعد جيل.

كان أجدادنا يقطعون هذه المسافات الطويلة بثقة من يعرف الطريق وروحها ومبتغاها، يحملون معهم سرّاً كبيراً اعتقدوا أنه لا يفنى: سرُّ الشعر واللغة والدين، ذلك المزيج الذي شكّل هوية بلاد شنقيط. ومع أن هذا السر تفرّق لاحقاً بين الناس، فإنه ظل حاضراً في المرويات الشفوية، وفيما بقي من المدارس والزوايا، وفي أثر تلك القوافل التي عبرت نحو نهر السنغال، مروراً بفضاءات كانت تُعرف قديماً ببحر صنهاجة.

السفر عبر الصحراء ليس مجرد حركةٍ في المكان؛ إنه اختبارٌ للفكرة. فأنت تدافع عن قناعاتك، ثم تجد نفسك وجهاً لوجه أمام قسوة الطبيعة وبساطة التفاصيل. هنا تدرك أن موريتانيا ليست مجرد دولة حديثة على خريطة، بل سلسلة من الفضاءات المترامية، كل طريقٍ فيها يقود إلى آخر. تاريخها، في معظمه، لم يُكتب بالحبر، بل ظل محفوظاً في صدور الرجال.

في منطقة مقسم بن عامر، حيث تمتد الجبال الرملية وتتعانق مع الأفق، يتوقف جزء من تاريخ المرابطين ليبدأ من جديد تحت سماوات أخرى. فالتاريخ هنا لا يُكتب دفعة واحدة، بل يُنقش على مهل، مثل الريح وهي ترسم خطوطها على الكثبان.

كانت القوافل هي شرايين هذه الأرض. تمتد من شنقيط إلى تمبكتو، ومن ولاتة إلى وادي درعة. تحمل الملح والصمغ والجلود، وتعود بالذهب والكتب. لم تكن القافلة وسيلة نقل فحسب، بل كانت جامعةً متنقلة: فقيه يشرح المتون، وشاعر يروي أخبار الملوك، وتاجر يحفظ أسرار الطرق والنجوم. ومن رحم هذه الحركة ولدت المدن الصحراوية التي جعلت من العلم حصناً ومن الصحراء وطناً وحصناً.

لم تكن بلاد شنقيط دولةً بالمعنى الحديث، لكن اللغة العربية والدين والقيم المشتركة نسجت بينها وشائج عميقة. كان الشعر ديوانها، والفقه مرجعها، والزهد سمتها. ومع مرور الزمن أصبحت الطرق الصوفية رئة المجتمع، توازن بين السيف والقلم، وبين القافلة والزاوية.

ثم جاءت المرحلة الاستعمارية. تقدّم النفوذ الأوروبي بوتيرة ثابتة، وتراجعت طرق القوافل التقليدية. قاوم أهل البلاد بما استطاعوا، لكن ميزان القوة كان مختلاً. ومع ذلك بقيت اللغة والدين والذاكرة عصيّة على الاقتلاع.

بعد الاستقلال، نبتت نواكشوط كمدينة جديدة على الأطلسي، نقطة التقاء لشرائح المجتمع المختلفة. ومنذ ذلك الوقت ظل السؤال قائماً: كيف تُبنى دولة حديثة على أرضٍ اعتادت أن تكون فضاءً حرّاً؟ بين الخيمة رمز البساطة، والمؤسسة رمز الدولة، تشكّلت الشخصية الموريتانية: صبورة، معتزة بكرامتها، وتواقة إلى الحرية.

اليوم، حين تسير أسابيع في رمال هذه الصحراء؛ تشعر بأنك تعبر الأزمنة المتوارية خلف المعالم وشواهدها. تمرّ على أطلال مدن عبرت المشاهد المترامية ونسيها المكان، وعلى مقابر أولياء صالحين، وبقايا ثكنات قديمة لم تعد بها حاجة، ثم ترى أعمدة الاتصالات تربط القرى النائية بالعالم، ثابتة لا تلين للريح. هنا يتعايش الماضي والحاضر بهدوء؛ فالرمال لا ترفض الجديد، لكنها تبتلع بسرعة ما لا يثبت نفسه، ويصير له حق الوجود.

واجه البلد تحديات قاسية في العقود الماضية: جفاف، تحولات اجتماعية وسياسية، تغير أنماط العيش. لكنه احتفظ بجوهرٍ أساسي هو التعايش بين مكوّناته المختلفة. هذا التنوع الحيّ لم يكن دائماً سهلاً ولا سلساً وهو يتجذر في سلوكنا الجماعي، لكنه ظل مصدر قوة وثراء إنساني.

تخرج من الرحلة محمّلاً بأسئلة أكثر من الإجابات. تدرك أن تاريخ هذه البلاد ليس فصلاً منتهياً، بل نص مفتوح تكمله الأجيال. ذلك السر الذي حمله الأجداد - لغةً وشعراً وعلماً - لم يمت؛ لا يزال يسكن الذاكرة والصوت والوجدان.

وتظل موريتانيا، رغم كل شيء، فضاءً لا ينغلق، وكل طريقٍ فيها يقود إلى آخر، وكل رحلةٍ بداية لحكاية تالية في تاريخها.