في عام‏2050‏ قدمت أستاذة نابهة من اساتذة تاريخ الفكر كتابا عرضت فيه للافكار العربية وطريقة تعاطيها احداث‏11‏ سبتمبر سنة‏2001,‏ بدأت كتابها علي انه محاولة للتأريخ للتيارات الفكرية التي سادت تلك الفترة من خلال تناول احداثها واخضاعها لتحليل صارم‏,‏ ولاستقراء جاد‏,‏ بهدف ابراز الدروس المستفادة وقد اعتمدت الباحثة في تحليلها علي تجميع مادتها مما كتب في الصحف في الفترة من‏(2001‏ ـ‏2005)‏ أو مادون في الكتب‏,‏ وقد استلهمت في بحثها منهجية الاستاذ البرت حوراني استاذ جامعة اكسفورد ـ عندما أرخ للفترة ما بين‏(1798‏ ـ‏1939)‏ ولتاريخها الفكري في كتاب اسماه تاريخ الفكر العربي في الفترة الليبرالية والذي عرض فيه لاعمال الطحطاوي‏,‏ وخير الدين‏,‏ والبستاني‏,‏ وكذلك عرض فيه لفكر محمد عبده‏,‏ والافغاني‏,‏ وطه حسين‏.‏ ذلك الاختيار من جانب حوراني لدراسة أفكار كتاب بعينهم لم يأت اعتباطا‏,‏ ولكنه بني علي أن كل من هؤلاء كان يمثل نموذج تفكير مختلفا‏.‏ قد تفضل استاذه تاريخ الفكر عام‏2050‏ أن تتناول بدلا من الافراد مدارس فكرية وتعمم فيها علي حساب الاجتهادات الفردية‏,‏ والسؤال هنا هو هل لأحد منا أن يتبين في هذه الفترة اختلافا في المشارب والمناهج بين كتاب اليوم؟ لا شك ان هناك قلة قليلة تحصي علي اصابع اليد الواحدة قد تكون جديرة بالدراسة اما لانها تمثل روح العصر واما خروجا عليه؟
ربما تجد هذه الباحثة ان قليلا منا قدموا معرفة اصيلة‏,‏ أو اعملوا فكرا اصيلا لفهم الاحداث وتبعاتها‏,‏ وربما قلة اقل ذهبت لقراءة المحركات الخفية من وراء الاحداث وبصرت بها‏.‏ لذاقد يأتي كتاب الاستاذة في مائة صفحة أو ربما مائتين‏.‏
سبب رئيسي في ان كتابها جاء صغير الحجم هو تعريفها للفكر وتصنيفها للمفكرين والأحداث‏,‏ إذ هي تناولت المفكرين الذين انطلقوا في تحليلاتهم من رؤية اصيلة ومن ندية لمفكري الحضارات الأخري‏,‏ اذ رآت تلك الاستاذة ان اعمال فكر مستورد علي تحولات محلية لا يقع تحت مظلة مشروعها التحليلي والذي ينصب علي الفكر العربي‏,‏ هذا الفكر الذي اعتبرته ليس فقط عاكسا لحياة العرب وتعاطيهم مع الحياة‏,‏ ولكن اعمالا للفكر لفهم محركات الاحداث‏,‏ كما عرفت المفكرين علي أنهم أناس يرسمون اهداف الأمم ويحددون غاياتها من خلال حوار يعتمد علي قاعدة علمية ومنهج تحليلي اصيل‏.‏
جزء من كتاب استاذة تاريخ الفكر تجاوز المرحلة التي كانت تكتب عنها فبدلا من أن تستخلص نتائجها من قولنا نحن الحاضرين في هذه الفترة وجدتها تعتمد علي رائد من رواد العقلانية رجل سيني قبل احداث‏11‏ سبتمبر رجل اعتبرته الباحثة علما من أعلام مرحلة لم تدم طويلا ورائدا لمدرسة لم يكتب لها النجاح في مصر اقتبست منه قوله‏:‏
وهكذا تراثنا في حياتنا الفكرية كالغرباء في بلد مجهول‏,‏ يسيرون في طرقاته ولايدرون من اين يسيرون أو الي اين‏..‏ ذلك لاننا استوردنا الثياب الفكرية الجاهزة واردنا أن نقحمها اقحاما علي اجسادنا فقلما نفلح وكثير ما نخيب
جاء اقتباسها من كتاب للدكتور زكي نجيب محمود والذي يرافيه ناعما في تناوله لأزمة الفكر العربي ثم مالبث أن اصدر حكما قاسيا استخدمته الباحثة في عام‏2050‏ لتنهي به كتابها اذ تقول في نهاية الكتاب وعلي لسان الفيلسوف العقلاني عن الجيل الراهن بزنه جيل كان رجال الفكر فيه ذوي قامات قصيرة وقدرات متواضعة يصعب علي المتعقب أن يجد لمعظمهم فكرة واحدة يعرف بها وتعرف به‏,‏ لأنهم علي الأعم الأغلب عارضوا ثيابا لاهم ناسجوها و‏,‏لاهم بائعوها‏,‏ ولاهم لابسوها‏,‏ فواضح وضوح الشمس الصافية‏,‏ انه لارجال الفكر في هذا الجيل ولارجال الماضي قد اضطلعوا بالتصدي لمشكلات حياتنا الحقيقية‏.‏
الا ترون معي ان هذا الاستنتاج مجحف للتاريخ الفكري لتعاطي المفكرين العرب مع تتعات احداث‏11‏ سبتمبر؟
نعم اعطت الباحثة تحليلا مطولا عن كتابات الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي والتي اعتبرت مقالاته نموذجا لمفكر كوزمابولتان انطلق من ثقة حضارية وناقش كتاب الغرب بجدية وندية‏,‏ ولكن ثناء الباحثة علي مفكر واحد لا يعفيها من انها تجاهلت نماذج اخري لكتاب أصليين‏,‏ كما أن تركيزها غير المبرر عن المناخ الثقافي العام علي انه الأساس في اضمحلال الفكر في هذه الفترة فيه ظلم بين‏.‏ المناخ الثقافي بالفعل ربما يكون مسئولا الي حد ما‏,‏ ولكن لماذا لم تتعرض الباحثة الي العوامل الخارجية التي عاني منها المفكرون العرب‏,‏ أليس ظلما أن تعتبر الباحثة أن النسق الثقافي العربي تعلق معلقا‏,‏ نحن نتفاعل مع العالم والعالم يتفاعل معنا‏,‏ يعمل فكره علي مجتمعاتنا وثقافتنا‏,‏ ونعمل افكاره علي مجتمعاته وثقافته‏,‏ اذن لماذا تطالبنا الباحثة بفكر أصيل؟
اغرب ما في البحث هو تحليل الاستاذة للحركات الاسلامية‏,‏ تلك الحركات الاصيلة التي تحاول الدفاع عن الثقافة ضد هيمنة الغرب‏,‏ ولكن الباحثة صورت فكر الحركات الاسلامية علي أنه نموذج صارخ للتغريب وعلي انه استعارة كاملة لافكار الغرب واضافة صفة اسلامية بعدها‏,‏ اذ يستخدم هؤلاء ـ علي حد قولها ـ البنوك الغربية التي ظهرت مع الحداثة الغربية ثم يطلقون عليها بنوكا اسلامية‏,‏ يستخدمون مصطلح الدولة بمعناه الأوروبي ثم يلصقون بها كلمة اسلامية‏,‏ ان وصف الباحثة لفكر الحركات الاسلامية علي انه بالضبط مثال لما قاله زكي نجيب محمود علي انهم عارضو ثياب ناسجوها مدعاه للحوار والجدل‏.‏
استاذة تاريخ الفكر قسمت افكار تلك المرحلة الي نوعين مرتبطين بممارسات الناس وعاداتهم‏,‏ اذا اعتبرت أن هناك افكارا أشبه بعملية النسيج اذ تبدأ الفكره بخيوط متعددة‏,‏ وتتشابك تلك الخيوط‏,‏ وتتعدد ألوانها لتضع في النهاية فكرة كاملة متكاملة كقطع نسيج الحرير القادمة من أخميم وليس كالملابس الجاهزة القادمة من تايوان‏.‏ وقد راق لي شخصيا تشبيه الفكرة ومجال الافكار بمجال النسيج والغزل ذلك لان في النسيج تأنيا واضحا وحساسية واضحة وكذلك ذوق وجهد يهدف الي انتاج قطعة فنية في المقام الأول‏,‏ وحبي لهذه الصورة البليغة ناتج من كوني بدأت حياتي نساجا للفركه‏,‏ وهو نوع من النسيج اليدوي تنتجه قري نقاده في الصعيد ونرسله الي السودان‏,‏ وقد ماتت هذه الصناعة بعد انهيار الاقتصاد في السودان وها أنا أعمل استاذا بدلا من كوني نساجا‏,‏ لسوء الحظ‏.‏ ونسيج القماش ونسيج الفكر يدل علي عناء وعلي اهتمام بالنتائج‏.‏
اما النوع الثاني من الافكار والذي ساد هذه الفترة في رأي الباحثة فهو ما أسمته وبطريقة فيها استخفاف علي أنه الفكر الفشار وبالفكر الفشار تعني الباحثة الفكرة التي تطرأ علي رأس صاحبها بسرعة كما تنفجر حبه الذره تحت النار لتنتج ما نسميه بالبوب كورن أو ما يسميه العامة بالفشار وهي هنا تقصد أن معظم الافكار جاءت وليدة اللحظة دونما تأن أفكار انفجرت في لحظتها وكتبت في لحظتها من الرأس الي القلم الي القاريء دونما مرور بالعقل‏.‏
وتوصي الباحثة في نهاية كتابها بمراجعة تاريخ هذه الفترة بدقة ذلك لانها كانت نقطة تحول في تاريخ العرب السياسي والذي لم يقابله تحول فكري يتناسب مع أحداث كبري مرت بهم شكلت ملامح مجتمعاتهم وخارطتهم السياسية‏.‏
ليس لدي شك في ان في هذا الكتاب ظلم بين لكثير من النماذج الفكرية التي كانت ربما لا تمثل أنساقا فكرية كاملة‏,‏ ولكنها كانت تعبر عن بداية مشروع فكري عربي‏,‏ كما انها غفلت عن ان هناك محاولات في تلك الفترة من أجل أعمال الفكر كوسيلة للنهضة بالمجتمعات العربية ليس بالضرورة أن كل افكارنا كانت مستوردة أو انها فقط ردة فعل وزعيق ضد الآخر‏,‏ كان لدينا عقلاء ولكن البحث عن اصواتهم يتطلب مزيدا من التنقيب‏.‏(الأهرام المصرية)