أمين الإمام
&
حتّى عشقنا لـ"خاتم الرسل والأنبياء": مُحمَّد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم (ص)، يُظهِر جانباً قبيحاً من اختلافاتنا كمسلمين، وتأصيلاً لتشرذُمِنا المقيت.
الصوفي يتفانى في عشقه، فيحرص على الاحتفال بذكرى مولد المصطفى (ص)، من اليوم الأوّل لشهر ربيع الأوّل، وحتّى ليلة الثاني عشر، من كلّ عام. وناصر السنّة (الوهّابي أو التيْمِيَاوي)، يكره تلك الاحتفالات علناً، ويوصفها بأقذع الأوصاف. أمّا الشيعي، يرزح في عالمٍ آخر، وهو يتقن فصول النحيب الأزلي، حزناً على ابتعاد الرسالة عن ابن عمّ الرسول، الهاشمي الآخر: علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وعلى اغتيال الخلافة منه، ومن بنيه التوأم: الحسن والحسين، وبقيّة آل البيت، بسبب "طبقيّة وعنصريّة" أسرة "بني أميّة" (الفخذ "القرشي" الحسيب النسيب الأقوى!)، بوصفهم عاشقين للثراء و"الفخْفَخَة"، في الجاهليّة والإسلام معاً (!)... وهذه هي الاختلافات المذهبيّة الرئيسيّة، لدى جموع المسلمين شرقاً وغرباً (يتجاوزن المليار و200 مليون نسمة)، أمّا بشأن "الفرعيّات"، فحدِّث ولا حرج (!).
لهذا لم أندهش للتوقيت الغريب، في إعادة موجات الانفجارات، إلى عمق العاصمة السعوديّة الرياض، بصيغة الـ"سوبر انتحار" (كما أوضحنا هذا الاصطلاح في مقال سابق)، حين جاءت هذه المرّة، متوافقة مع ليلة مولد النبي الكريم (ص)، خصوصاً وأن تيّار الـ"سوبر انتحار"، موغلٌ في تطرِّفٍ، يتجاوز أعراف "الوهّابيّة" (نسبة إلى الشيخ محمّد بن عبدالوهّاب)، أو "التيْمِِيَاويّة" (نسبة للشيخ ابن تيْمِيَّة).
ولأنّنا في ربيع الأوّل (الأغرّ)، وتلك الحادثة تكاد تشوِّه معالمه، حينما يكون المُستهدف ضيفاً مدنيّاً في أرض الإسلام، وليس عسكريّاً أو إدرايّاً "احتلاليّاًَ"، كما في الحالتين الإسرائيليّة والأمريكيّة، ما بين فلسطين والعراق (سبق أن أوضحت انتفاء صيغة الـ"سوبر انتحار"، في الوضعيتين الأخيرتين، والله أعلم!)، علينا أن نستلهم التاريخ والفكر، عسى أن نجيب على السؤال القديم، الذي طرحته الطبقة العليّة في قريش، قبل 1433 عاماً (وفقاً للتقويم الميلادي)، منذ ميلاد خاتم الرسل والأنبياء (ص)، ويطرحه السفسطائيّون حتّى الآن: "لماذا مُحمَّد" (؟).
[#]......................
في كتابه: "الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب"، ذكر المفكِّر الإسلامي مُحمَّد عمارة، أن بني هاشم كانوا الفخذ البسيط والفقير، في القبيلة القرشيّة بمكّة المُكرَّمة، وأنّهم كانوا يمثِّلون الوزارة غير المهمّة في نظر قريش (استخدم عمارة الاصطلاح الحكومي المعاصر تجاوزاً)، وهي "سقاية الحجيج"، حيث كان يتولاّها قبل ظهور الإسلام، عمّ الرسول (ص): العبّاس بن عبدالمطلب، بينما استأثر بالوزرات المهمّة، عناصر بارزة من الفخوذ الثريّة ذات الحسب والنسب، مثل أُميّة، وأسد، وتَيْم، ومخزوم، وعدي، وغيرها (للتذكير: أبوبكر الصدِّيق مثَّل "تَيْم"، وعمر بن الخطّاب مثَّل "عدي"، في نفس تلك الفترة).
لهذا ثارت ثائرة القرشيين، خصوصاً أهل الحسب والنسب، لظهور النبوّة في بيت "بني هاشم" الفقير دونهم، فجافوها صدوداً وعارضوها عقوداً، وليس من سبب يخرج من ذلك المنظور الطبقي الغريب، الذي جعلهم يتساءلون: "لماذا مُحمَّد، أليس الأحقّ بالنبوّة، غنيٌ من أغنياء شبه الجزيرة العربيّة، خصوصاً عظمائها"، وقد حدَّدوا من أولئك العظماء في نظرهم، كلاً من عظيم مكّة: الوليد بن المغيرة الأُموي، وعظيم الطائف: عروة بن مسعود الثقفي. ولم يتركهم القرآن الكريم، فردّ عليهم في سورة الزخرف (الآيتين 31 و32)، عبر هذا السياق: "وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم"، وذلك ضمن هذا الاستنكار الجليل: "أهم يقْسِمُون رحمةَ ربِّك"، ليحدِّثهم عن أطياف مجتمعهم الطبقي، وأن قسمة الأموال وامتيازاتها لبعضهم، على حساب بعضهم الآخر، تمثِّل واقعاً بائساً، أثمر إذلال بعضهم لبعضه الآخر أيضاً، فتواصلت الآية الكريمة بالقول: "نحنُ قسمنا بينهم معشتَهُم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوقَ بعض درجاتٍ ليتخذ بعضهم بعضاً سخريّاً"، ثمّ حدّثهم عن ذلك الدين الجديد ونبيِّه، ونضال المسلمين من أجل بنائه، وأنّه أفضل من واقعهم السيء المنهار الذي يتمسّكون به، عبر هذا القول الكريم: "ورحمةُ ربِّك خيرٌ ممّا يجمعون".
للردّ القرآني مغزاه العميق، لكن لتتأملوا التحوُّلات في الحياة الاجتماعيّة، لمّا سادت في قريش، وما جاورها من قبائل عربيّة، قيم العدل والمساواة والحرِّية والاشتراكيّة، ممّا أعلن اندثار المنظور الطبقي، يوم بزغت الرسالة المُحمَّدية، كآخر رسالات السماء للأرض. لهذا آثر فقراء الصحابة، أن تأتي خلافة النبي في بيته، وهو ما أقرَّه مُحمَّد (ص)، في شخص ابن عمّه وزوج ابنته فاطمة: علي بن أبي طالب، لكنّها أي الخلافة لم تصله، إلاّ بعد الصدِّيق وابن الخطّاب وابن عفّان (رضوان الله عليهم). وفي عهد الخليفة الثالث، ظهرت الفتنة الأولى، ومعها الثورة الأولى، لمّا عادت بعض الملامح الطبقيّة، بسبب أقرباء عثمان بن عفّان الأٌمويين، فالتاريخ لا ينسى منذ ذلك الوقت، بدايات الفرقة والاختلاف، وانشقاقيّة النظريّات والتيّارات الجديدة، مثل تيّار الخوارج، وظهور الرجال الذين يقدِّسون نهج المصطفى (ص)، ويناضلون من أجل تطبيقه، مثل الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري وغيره.
[#]......................
مضت السنوات الـ1433 من مولد النبي الكريم (ص)، والسؤال السفسطائي يتداول كما هو: "لماذا مُحمَّد" (؟)، خصوصاً مع تجلِّيات عودة "صراع الأديان"، الموسومة شكلاً بـ"صراع الحضارات".
أي رسالة يقف منها الناس أربعة مواقف: التأييد وهو موقف المؤمنين بها، اللامبالاة، الإعراض والتكذيب وهو موقف أغلب أعدائها، والاستهزاء والسخريّة وهو موقف معادٍ متشدِّد (الموقف الأخير قد يكون من مؤمن، لا يرى الإيمان إلا مجرد اعتقاد فحسب، كمن يؤمن بالله تعالى وشريعته ولا يعمل بأحكامه، أو يعمل ببعضها دون البعض الآخر).
إذن الإعراض عن رسالة مُحمَّد بن عبدالله (ص)، ذلك العربي الأمِّي الزاهد، يشغل عقول أهل الكنيسة المسيحيّة والكنيس اليهودي، وبعض "زنادقة القشور" من المسلمين.
للمسيحيين أن يتساءلوا: لِمَ كان ميلاد المسيح (عليه السلام) في الشرق الأوسط، على حدود الإمبراطوريّة الرومانيّة، ولماذا ولِد المسيح يهوديّاً يتحدّث "الآراميّة". وللمسلمين أن يتساءلوا أيضاً: لماذا اختير مُحمَّد (ص)، من بلاد العرب تحديداً، ليحمل خاتم الرسالات بـ"العربيّة"، وينشرها في العالم كلِّه (؟)... ونعلم أن مشيئة الله لا تُفسَّر، لكن الاجتهاد يقول بأنّ المسيحيّة التي جاءت من صلب اليهوديّة، تفرّق أتابعهما في جميع أنحاء العالم، مع حلول القرن السادس الميلادي (قبل ميلاد مُحمّد "ص")، في عجزٍ واضحٍ عن تصحيح التحريفات، التي لحقت ديانتيهما، خصوصاً تصوُّر "شعب الله المُختار" بالنسبة لليهود، والطبيعة الإلهيّة وفكرة "الثالوث" لدى المسيحيين. كما أن بلاد العرب، كانت تقع في ذلك، تقع خارج نفوذ القوّتين العظميين: الفُرس والرومان، وتطوّرت اللغة العربيّة أيضاً، مع ذلك التوقيت الذي سبق مولد النبي المُختار (ص)، حتّى صارت فصيحة بليغة، تصلح أن تكون وعاءً لغويّاً للرسالة السماويّة الجديدة، بعد أن كانت غير ذلك، خصوصاً أنّها بحاجة إلى لغة عذريّة، على المستوى الديني والفلسفي (كما يقول بعض العلماء)، حيث أن أهمِّيتها تبرز في إزالة اللبس، الذي قاد أحبار اليهود وقساوسة المسيحيين، إلى ممارسة التحريف المُتعمَّد، قبل الإسلام وبعده، وإلى أبد الآبدين (!).
ونزيد من "الفكر" بيتاً، من خلال فلسفة بعثة الأنبياء، التي تأتي عبر هذه الأهداف: التربية والتعليم، إقامة القسط والعدل، حرِّية الإنسان، رفع الاختلاف، وإتمام الحُجَّة... ألا تنطلي تلك الأهداف، مع الدعوة المُحمَّدية التي تلغي كلّ اجتهادات العقول، إلاّ في استزادة التفسير والتطبيق العملي الميداني (ليس إلاّ).
ومع ذلك، لا يزال المنظور الطبقي و"العنصري"، ينحي نفس المنحى، ولا نهاية (!).
[#]......................
لن تمنعنا مهابة هذه الأيام، أن نستزيد أيضاً من "الشعر" بيتاً.
صديقي الشاعر السوري الذي لا يعرفه أحد (للأسف): إبراهيم الأسود، أهداني قبل أيّام نصّاًَ كما المُعلّقات، تحت عنوان: "حديث الهوى"، يدور في الفلك "المُحمَّدي": ذكرى، وسيرة، ونبوءة، وفكر، وفلسفة، مع شكوى لـ"مآل المسلمين". لتتأملوا هذا المقطع بداءةً:
إن بحر الهوى الحقيقيَّ شيءٌ *** ما قراه، ولا دراه الخليلُ
لم يقاربه سيبويه ولم يسـْ& *** ـبره قيسٌ والشاعر الضلِّيلُ
هو بحرٌ يستغرق الأبحر السبـ *** ـعة، يتلوها دجلةٌ والنيلُ
كل بحرٍ سواهُ ملحٌ أجاجٌ *** وهو عذبٌ وماؤه سلسبيلُ
كل بحرٍ يجتاحُ راكبَهُ الخـ *** ـوفُ عداهُ وهو الأمين الذلولُ
ربّما ظنّ بعضكم أن هذا حسـ *** ـب علم الجغرافيا، مستحيلُ
فليفتِّش في ذاته يجد الإيـ *** ـمانَ بحراً، أعراضُه تستطيلُ
وإذا لم يجده، فليمعن النظرة، في الرفض *** كي يسعْه القبول
قصيدة أخي "الأسود"، تصل إلى نحو 190 بيتاً، ولا يمكن الإتيان بها هنا، لكن لكم هذه الأبيات هدِّية لحاضرنا:
ولدينا والحمد لله حُكّامٌ *** لهم في الخداع فضلٌ فضيلُ
فلكلٍّ فيما نُثَمِّرُ كَفٌّ *** وله في آمالنا إزميلُ
وَعَدَتنا تكريتُ أن تُرجِعَ القُدس *** فكادت بغداد منّا تزولُ
وغريبٌ في شخصِ كل زعيمٍ *** أن يعيش الحجَّاج والبهلولُ
إنّ من مارس "القيادة" يوماً *** فعلى الصدق كذبه محمولُ
ثمّ قال (وهذا يكفي!):
دعْكَ يا مولد الرسول فإنّ *** كل قُطرٍ منّا لديهم رسولُ
لم تعُدْ حاجةٌ بنا لرسولٍ *** نحن قومٌ رسولنا هابيلُ
نحن سلطاننا المهيب رسولٌ *** في يديه التحريم والتحليلُ
ثمّ ماذا بعد (؟)... سؤال لا معنى له، والسلام.















التعليقات