مصباح الغفري
&
&
اختلف فقهاء لغتنا العربية الشريفة في أصل عبارة (وافق شن طبقة ) التي ذهبت مثلا، قال الأصمعي:
-&أظن الشن وعاءٌ من أدم، كان قد تشنن، أي تقبّض، فجعل له غطاء فوافقه، فقيل وافق شن طبقة.
وقال آخرون:
-&طبقة قبيلة من إياد، كانت لاتطاق بسبب ما مارسته من انتهاك لحقوق الأعراب، وإرهاب وقمع وتزوير ورشوة وقبض عمولات، فأوقعت بها قبيلة شن، وهو شن بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، فانتصفت منها لجماهير الأعراب وأصابت فيها، فقيل وافق شن طبقة!
وقال الشرقي بن القطامي:
-&كان شن رجلا ً من دهاة العرب، آلى على نفسه أن لايتزوج إلا من امرأة مثقفة تتقن جميع أنواع النصب والاحتيال ( أي الدهاء ) فسار حتى لقي رجلا ً يريد قرية يريدها شن فصاحَبه، فلما انطلقا وابتعدا عن أعين مخابرات القبيلة، قال له شن هامساً وهو يتلفت ست الجهات:
-&أتحملني أم أحملك؟ فقال الرجل: ياجاهل، كيف يحمل الراكب الراكب؟
-&ثم سارا حتى رأيا زرعاً قد آن أوان حصاده، فقال شن:
-&أترى هذا الزرع قد أكل أم لا؟
-&فأجابه الرجل: مارأيت أجهل منك، أما تراه قائماً؟
-&وانطلقا فاستقبلتهما جنازة، سأل شن صاحبه:أترى صاحبها حي أم ميت؟
-&فثار الرجل وكاد يقول له هذا فراق بيني وبينك وصاح: أتراهم حملوا إلى القبر حياً يا جاهل؟
-&
فلما بلغا القرية نزل شن ضيفاً على الرجل، وكانت للرجل ابنة تدعى طبقة، فأخبرها عن حماقة شن وأنه قرر تسليمه إلى أقرب مفرزة أمن، للتحقيق معه في أقواله المريبة التي تجر الماء إلى طاحونة الامبريالية، في هذه الظروف التاريخية التي تمر بها قبائل مضر وقحطان وبني كلب أيضاً، فقالت له:
ـ ليس الرجل بجاهل و لا أحمق، و لا حاجة بك لتسليمه إلى المخفر. أما قوله أتحملني أم أحملك، فإنه أراد: أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع الطريق، وأما قوله: أترى هذا الزرع قد أكل أم لا؟ فإنه أراد أباعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا. وأما قوله في الميت فإنما أراد: أترك نسلاً يحيا بهم ذكره أم لا.
خرج والد الآنسة طبقة فأخبر شن بقول ابنته، فخطبها إليه فزوجه إياها، حملها إلى مضارب بني شن فلما رأوا عقلها ودهاءها قالوا:
ـ وافق شـــن طبقـــة!
وذهبت مثلا ً.
لكنني لم أقنع بما أورده أبو هلال العسكري في مجمع الأمثال عن حكاية الرفيق المناضل السيد شن، فروايات العسكريين ليس فيها غير الانتصارات والحمد لله، إقرأوا مذكرات العسكرتاريا العربية وسترون أننا لم ننهزم في القرن العشرين مرة واحدة، وأن أمتنا هي خير أمة أخرجت للناس، وأن حكامنا خير حكام بين حلبجة وجبال الأهراس، وديموقراطيتهم ونزاهة أيديهم يضرب بها المثل، وتسير بحكاياتها الركبان. لذلك قررت بعد الاتكال على الباري عز وجل، أن أخصص مابقي لي من العمر في البحث والتنقيب عن القصة الحقيقية للسيد شن وزواجه المشبوه من طبقة، لم أذهب هذه المرة إلى مكتبات لندن و باريس واستامبول، اختصرت الطريق واتصلت بصديق قضى زهرة شبابه في سلاح البصاصين العربي، فتكرم باطلاعي على اضبارة شن وطبقة المحفوظة في أرشيف شرطة حماية الآداب، وإليكم ملخصاً لما جاء فيها:
بدأ اهتمام الأجهزة الأمنية بالسيد شن منذ نعومة أظفاره، فقد ظهرت عليه علامات الذكاء بشكل مبكر مما أثار انتباه المخابرات التي تؤمن بقول المتنبي:
&ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وكما أن التزوير وحده لايشكل جريمة إلا إذا ترافق مع استعمال المزور، كذلــــك فوجود العقل ليس جرماً ولا يشكل تهمة، إلا إذا ترافق مع استعماله، لأن استعماله يجلب الشقاء، وحرصاً من أولي الأمر على سعادة كل أعرابي - والسعادة لاتكون إلا في حالة الجهل كما أكد ذلك شاعر العرب الأكبر المتنبي - وضع السيد شن تحت المراقبة، نصبت كاميرات تلفزيونية حتى في خيمته ومراعي إبله،ووضعت ميكروفونات للتنصت على أقواله، لكن زواجه من طبقة أقنع رجال الأمن الأشاوس، أن في الأمر مؤامرة تستهدف إيقاظ العقل العربي وجعل الناس يشقون بعقولهم، ولم يطل الأمر، فقد وجد شن وطبقة صريعين بحادث سيارة غامض، سجلت القضية ضد مجهول، و تم إغلاق الملف نهائياً.
بعد التخلص من خطر شن وزوجته طبقة، أصبح المثل يضرب لعكس ما وضع له، ترجم المثل إلى اللغة العامية في حكاية العريضة والختم،هكذا عريضة يلزمها هكذا ختم! أومثل هذه البرلمانات يلزمها مثل هؤلاء النواب،أو مثل هذه الصحافة لايليق بها غير هؤلاء الكتاب وهكذا دواليك.
كان عمي عادل الغفري متخصصاً في مخالفة القوانين، تهريب السجائر وتزوير الويسكي وإدارة ألعاب القمار ومخالفات أخرى لا مجال لذكرها في هذا المنعطف التاريخي الذي تمر به عملية السلام، جاءني يوماً إلى قصر العدل وكنت واقفا مع المحامي الصديق فيصل حقي الشهير بالدوتشي، قال لي الدوتشي:
ـ عمك مناضل كبير حضر معركة القادسية واليرموك عمك كان في صفين إلى جانب الأشتر النخعي عمك نبي الأمة المنتظر!
كان عمي يستمع بهدوء، وعندما انتهى الدوتشي من تعداد مآثره أجابه:
ـ مثل هذه الأمة يلزمها نبي مثلي!
أي أن الأمة "طبقة " يلزمها نبي هو " شـــن".
من المفهوم أننا كما نكون يولى علينا، أما أن يولى علينا من هو أكثر سوءاً منا، فتلك لعمري قاصمة الظهر , و لاحول و لاقوة إلا بالله.
من المفهوم أننا كما نكون يولى علينا، أما أن يولى علينا من هو أكثر سوءاً منا، فتلك لعمري قاصمة الظهر , و لاحول و لاقوة إلا بالله.















التعليقات