الرباط من محمد بوخزار: اشرأبت أعناق الحاضرين نحو المنصة وهم يحاولون تبين ملامح الشيكات التي وزعت في مظاريف خاصة على الفائزين ( ثلاثة مغاربة وشاعر عماني) بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي في دورتها الأولى، خلال حفل الافتتاح الذي أشرف عليه وزير الثقافة المغربي محمد الأشعري ، وراعي الجائزة والمشروع الجغرافي العربي "ارتياد الآفاق" محمد أحمد السويدي، الأمين العام للمجمع الثقافي العربي(أبو ظبي) ليلة الجمعة بالمركب الثقافي (أكدال) بالعاصمة المغربية، وتميزت بإقبال كثيف. وبقي سر مبلغ الجائزة مطويا حتى بعد انتهاء وقائع الجلسة وانتقال المدعوين إلى حديقة المركب لتناول المشروبات والحلوبات، فتحلق بعض الفضوليين حول الفائزين يسترقون السمع لدردشاتهم مع المهنئين، لعلهم يلتقطون إشارة عن قيمة المكافئة الممنوحة.
وتتزامن ندوة "الرحالة العرب والمسلمون اكتشاف الآخر المغرب منطلقا وموئلا" التي تستمر إلى يوم الاثنين بأحد فنادق الرباط ، مع قرب انطلاق الاحتفالات بمرور سبعمائة سنة على ميلاد الرحالة المغربي الأشهر: شمس الدين الطنجي ، المعروف (بابن بطوطة) الذي أقلع من بلدته مدينة طنجة، مبحرا وقاطعا المسافات، في أمتع وأطول رحلة قادته إلى بلدان وأمصار نائية ، فدون ما لاقاه من أهوال وعجائب وغرائب وطرائف وعادات شعوب وأقوام ،وصلتنا في شكل كتاب اختار له مؤلفه ذلك الاسم الموحي "نزهة المشتاق". كما تندرج الندوة ضمن فعاليات الرباط عاصمة الثقافة العربية.
تحدث في الافتتاح إلى جانب الوزير الأشعري ، كل من& محمد أحمد السويدي ، والشاعر السوري نوري الجراح، المشرف على مشروع "ارتياد الأفاق" الذي سبق أن زار المغرب خلال السنة الجارية، للترتيب للندوة وإجراء الاتصال بالباحثين المغاربة المختصين والمهتمين بالرحلة ،نشرا وتحقيقا وقراءة، من زوايا نظر ومنهجيات& متعددة
قارن "الأشعري" في كلمة مرتجلة، بين صورة العالم في زمن ابن بطوطة وأقرانه المغامرين من بلدان إسلامية أخرى، الذين لم تصدهم عن تحقيق متعة حب الاستطلاع واستكشاف الآخر، حدود أو حواجز، وبين ما نشاهده& اليوم من قوارب تفشل في عبور البحر المتوسط (في إشارة إلى حوادث غرق المهاجرين السريين المغاربة)، بينما تخطته (البحر) في الماضي كتب ونصوص، مضيفا أن حدود السفر اليوم محاصرة بكثير من الوسائل والإجراءات الوقائية ،في حين يتحرك المال بسرعة عكس الثقافة والبشر. ومن سوء حظنا ، يوضح الوزير،أن تكون السحنة العربية الإسلامية مطاردة ."
ولا يعتبر "الأشعري" الاهتمام بأدب الرحلة من قبيل استعادة أطياف الماضي بل يراه وسيلة لإقامة حوار حول الحاضر والمستقبل، يربطنا مجددا بنصوص مبهرة ، ظلت قابعة في هوامش النسيان، ستمكننا من اكتشاف صورتنا في مرآة الآخر.
ومن جهته ،لا حظ الشاعر نوري الجراح أن الاشتغال بالأدب الجغرافي على مدى سنوات ، بين بجلاء أهمية موقع المغرب في إنتاج خطابات الرحلة التي ما تزال مجهولة في المشرق، لكنه موقف& غير مقصود، فالتجاهل يطال أيضا& نصوصا لرحالة وجوالين من المشرق نفسه ، منتقدا استمرار ظاهرة جهل العرب بأنفسهم وشكواهم من& إهمال الآخرين لهم.
السويدي والجراح، أعلنا في الندوة الأولى، التي ستصبح مستقبلا ، دورية، عن مشروع طموح يتمثل في نشر نحو مائة رحلة عربية إسلامية إلى الغرب ، وموسوعة الرحلة إلى بيت المقدس ،إضافة إلى موسوعة خاصة برحلات الحج وأخرى عن فضائل المدن وأشهرها، كما وصفها رحالون عرب ومسلمون ، حاولوا في أزمانهم وبأدواتهم الخاصة أن يثيروا من خلال ذلك النمط الفريد من الكتابة، سؤال الحداثة وإشكالية اتصالهم بالآخر، حضارة وثقافة.
يذكر أن لجنة الجائزة، توصلت باثنين وعشرين مخطوطا من سبع دول عربية ، توزعت على الرحلة المعاصرة بصورة أكبر، وعلى المخطوطات المحققة بصورة أقل.
صنفت المخطوطات إلى ثلاثة أصناف: من لا تقل صفحاتها عن مائتين ، وفازت بالجائزة مخطوط رحلة "إحراز المعلى في حج بيت الله الحرام" للمغربي محمد بن عبد الوهاب بن عثمان المكناسي، بتحقيق الدكتور محمد بوكبوط. ومنحت الجائزة الثانية إلى مخطوطة تقل صفحاتها الأصلية عن مائة وخمسين، وكانت من نصيب " الرحلة الأوروبية" لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي،& بتحقيق سعيد الفاضلي. أما المخطوطة التي لا تزيد صفحاتها الأصلية عن المائة ، فنالها& مخطوط " الرحلة التتويجية لعاصمة البلاد الإنجليزية" من تحقيق عبد الرحيم مودن.
لم يبخل ابن بطوطة على أتباعه المعاصرين ، فاقتنص جائزتهم الشاعر العماني محمد الحارثي ، عن كتابه " عين وجناح: رحلات في الجزر العذراء ، زنجبار ، تايلاند، فيتنام ، الأندلس& والربع الخالي.
صدرت الرحلات الثلاث ضمن سلسلة "ارتياد الآفاق" والرابعة في سلسلة "السندباد الجديد".
بموازاة ندوة ابن بطوطة، يقام& معرضان& ابتداء من الأول إلى العاشر من شهر ديسمبر المقبل. الأول (على خطى ابن بطوطة) بمسرح محمد الخامس، حيث& يحاول الفنان العماني بدر النعماني ، بعد سبعة قرون، اقتفاء أثر الرحالة المغربي وتسجيل ملامح من الأمكنة التي مر بها. في المعرض الثاني( وزارة الثقافة) الخاص بالكاليغارفيا ، يستلهم الفنان منير الشعراني من القول العربي عن السفر والأمكنة لوحات كاليغرافية تبرز جماليات الخط العربي وتعيد صياغته في رؤية تشكيلية مبتكرة.
&