د. رياض الامير
&
&
تقديم صورة العراق بعد التاسع من نيسان/ ابريل وعن العراقيين تكون اكثر وضوحا عندما يدونها كاتب عراقي مهمته الاولى رسم مفرداتها ومن ارض الواقع. الدكتور رياض الامير عاد إلى وطنه بعد اكثر من 34 عاما، التقى خلال وجوده في بلده بالعديد من الناس من مختلف الطبقات الاجتماعية وكذلك المستويات القيادية الحالية. كما أنه زار العديد من المدن، منها الشيعية ومدن من المثلث السني. ينقل لقراء إيلاف في خمسة حلقات مشاهداته تلك التي ستلقي الضوء، ليس فقط على ما خلفه النظام الساقط في بغداد من مآسي، وانما على الجوانب السلبية التي يمر بها العراق اليوم واسبابها. هذه الحلقة الأولى وهي تحت عنوان:
&
صكوك الغفران
&على خلفية انهيار النظام البعثفاشي في بغداد السريعة يتنافس التياران المتحالفان، الاصولي القادم من الخارج وحلفائه من جماعة النظام السابق في زعزعة استقرار العراق الجديد الخالي من الظلم والتعسف، كما تتزايد حالات التشكيك في ان اسقاط نظام المقابر الجماعية كان عملا غير قانوني، استنادا لعدم العثور على اسلحة الدمار الشامل العراقية. أن كشف الغطاء عن الوجه الكالح للنظام البائد في بغداد وتقديم صورة عن الدمار الذي احدثه، ليس فقط في المجتمع العراقي وإنما في الإنسان العراقي ذاته وفي بيئته العائلية واجب إنساني في المقام الاول وسحب البساط من تحت اقدام مرتزقته لإظهار ان إزالته كان عين الصواب، لان نظام صدام حسين ورموزه كانوا اسلحة دمار شامل تفوق فتكا تلك التي يبحث عنها دعاة الشرعية الدولية الزائفون. ان العودة إلى ما قبل التاسع من نيسان والضروف التي عاشها العراقيون لربما تزيح الغشاوة عن عيون المشككين بشرعية إزالته وكذلك الثكالا المطبلين له ورموزه من العرب والذين يقاتلون العراقيين على ارضهم بحجة مقارعة الامريكان باسم الإسلام وهم يرفعون شعارات النظام الكافر نفسه. لقد كتب الكثير عن ظلم نظام صدام وما لحق بالعراقيين من جور على يديه الدمويتين خلال عقود منذ إسقاط الحكومة الوطنية التي قادها الزعيم عبدالكريم قاسم في الثامن من شباط 1963. وفي نفس الوقت كتب عن الرفاهية التي كان ينعم بها رموز النظام وعملائه، ولكنها تبقى بعيدة عن الصورة الحقيقية لما كان يجري في العراق. كان العراقيون في دول الشتات يتداولون اخبار القهر الصدامي وتهديم الإنسان العراقي على شكل قصص وحكايات نقلت شفاها وسجلت في الكثير من المقالات والبحوث وكذلك في بعض الاعمال الادبية، ولكن اغلبها، وان لم يكن جلها لم تستطع ان تصل إلى تقديم الحقيقة كاملة التي عاشها العراقيون بشكل عام دون التواجد القصير او الطويل في العراق لتسجيل معناتهم الحقيقية بعد انهيار النظام وفتح عقدة اللسان العراقي للبوح بما يملكه من اسرار.
في الطائرة المتجهة إلى عمان كان إلى جانبي احد المثقفين اليسارين من الاخوة الفلسطينين وكان حديثنا المشترك عن الوضع في العراق قبل التحرير وبعده. لم يفسد الود اختلافنا فيما اعتقده بان التاسع من نيسان يوم تحرير للشعب العراقي وهو يسميه احتلال امريكي اسرائيلي. كان الشك يراود صاحبي بكل ما ذكرته له عن مجازر النظام البائد ضد العراقيين وضد وطنهم. ولربما كان محدثي افضل كثيرا من مثقفين عرب آخرين قللوا من تضحيات العراقيين وشككوا في المقابر الجماعية وحالوا للنظام اغتصابه حرية العراق والعراقيين وما قامت به اجهزته القمعية من اعمال يندى لها الجبين، وستبقى من هولها كقصص الخيال العلمي البشع.
كان سائق السيارة التي اقلتني من عمان إلى بغداد واحدا من اولئك المثقفين العراقيين الذين اجبرتهم الضروف الاقتصادية ان يتحول إلى سائق، وعلى الرغم من رفضه الاعتراف بانه جامعي اكتفى بالقول بانه سائق ليس إلا. كان محدثا عارفا بشكل واسع باوضاع الوطن وخاصة باخبار العائلة العوجوية الحاكمة السابقة. ولربما اهتمامه البحثي بشأنها يعود إلى ما اقترفته والنظام الساقط بحق ابناء منطقته وابناء عشيرته. وكانت اولى جراعات معاناته التي حكاها لي والتي اخفاها سنوات طوال كانت عن صدام حسين وحاشيته اثناء حرب الخليج الاولى. ففي الوقت الذي كانت تملأ الشاحنات جثثُ الجنود العراقيين وهي تمر عبر قريته وحناجر الناس بحت من التكبير "إنا لله وإنا إليه راجعون" في مكان غير بعيد عن ذلك كان يقيم صدام حسين حفلات ماجنة ترقص له فيها غجريات ساقطات، لكنه لم يكتفي بذلك إلا ان سطى على ابنة شيخ قبيلة كانت معلمة الاجمل في المنطقة وفي نفس الوقت خطيبة لمحدثي وكانا يعدان العدة لبيت مشترك. اختفت لعدة ايام بعد ان جاءت سيارة عسكرية اخذتها من بيت اهلها إلى حيث يقم " القائد الضرورة". افرج عنها بعد عدة ايام بعد ان انتهك عرضها. اعطى احد حراس صدام حسين لابيها بندقية من الفضة وعدة ملاين من الدنانير العراقية واشارة في ان يسكت. قال السائق": سكت الشيخ إلى ان مات كمدا وسكت انا إلى اليوم دون زواج وقريبتي تنهي حياتها مجنونة لم تعد تعرف أي احد من الناس". سالني السائق المثقف عن نوع ثروات العراق الكثيرة واهمها واجبته كتلميذ بانها البترول، ولم اكمل، بادرني لا ليس هذا وذاك وانما ما يملكه من قصص العائلات العراقية التي عاشت ظلم النظام وتعسفه فان في كل منها كنز يمكن ان يوضع في نص مسرحي او فلم سينمائي. وجدت فيما قاله الرجل عدم وضوح رؤيا لديه حول الثروة الوطنية، ولكنه لم يدعني استرسل في تقيمي إلا ان اضاف بان ما سيكتب من قصص تصور معاناة العراقيين سوف تهز ضمير العالم الذي نساهم في محنتنهم ولم يهتم بحالهم قط وابقاهم خراف في مجزرة صدام حسين التي كان وسعها العراق كله. ان دور النشر وستوديوهات هوليود سوف تتسابق على تقديم بعضها في كتب وافلام تدر ارباحا كبيرة ولكنها ستعوض العراقيين عما لحقهم من ظيم في كشف قصص ذبحهم احياء. وعلى الرغم من سذاجة ما طرحه الرجل لكنها تظهر ايمانه بالحيف الذي لحق بالعراقيين خلال اكثر من ثلاثة عقود من حكم صدام حسين.
ولربما قصة المرسوم الجمهوري لاطلاق سراح المحكومين بالاعدام من القتلة والسراق وجدتها الاكثر اثارة على الاطلاق مما سمعته في بغداد. انها اكثر صور الاستعباد ودموية مفرطة المتاجرة بالإنسان الذي كرمه الله انها قصة بيع "مراسيم جمهورية" التي منحت إلى اعضاء الحرس الخاص والحلقة القريبة من صدام حسين. هي اوراق تحوي على امر جمهوري موقع من قبل صدام حسين باطلاق سراح محكوم بالإعدام، اوراق رسمية فارغة من الاسم يمكن شرائها لقاء مبلغ 50 الف دولار لتحرير قاتل او لص محكوم بالاعدام بعد ان يوضع اسمه في المكان الفارغ. انها كصكوك الغفران التي كانت تبيعها الكنيسة في العصور الوسطى والفرق بينهما ان الثانية بيعت ليست للقتلة واللصوص. لا تشمل صكوك الغفران تلك السياسين، فمن يستطع منهم انقاذ رقبته فيتم تعويضها باحد نزلاء مستشفيات الامراض العقلية او اي شخص عاثر الحظ لم يسأل عنه اهله.
فاليوم وعلى الرغم من المطبات التي تعيق بداية اعادة اعمار العراق ووصول مجموعات طفيلية إلى سوق السياسة العراقية وتخلف البنى التحتية يملك العراقيون امل كبير في تحسين حياتهم وعمل طفرة جادة لمجتمعهم،على الرغم من الاعمال الارهابية. كان العراقي يقول في العهد البائد ان يوم امس افضل من يومه هذا. اما الآن فيقول ان غده افضل من هذا اليوم.
&على خلفية انهيار النظام البعثفاشي في بغداد السريعة يتنافس التياران المتحالفان، الاصولي القادم من الخارج وحلفائه من جماعة النظام السابق في زعزعة استقرار العراق الجديد الخالي من الظلم والتعسف، كما تتزايد حالات التشكيك في ان اسقاط نظام المقابر الجماعية كان عملا غير قانوني، استنادا لعدم العثور على اسلحة الدمار الشامل العراقية. أن كشف الغطاء عن الوجه الكالح للنظام البائد في بغداد وتقديم صورة عن الدمار الذي احدثه، ليس فقط في المجتمع العراقي وإنما في الإنسان العراقي ذاته وفي بيئته العائلية واجب إنساني في المقام الاول وسحب البساط من تحت اقدام مرتزقته لإظهار ان إزالته كان عين الصواب، لان نظام صدام حسين ورموزه كانوا اسلحة دمار شامل تفوق فتكا تلك التي يبحث عنها دعاة الشرعية الدولية الزائفون. ان العودة إلى ما قبل التاسع من نيسان والضروف التي عاشها العراقيون لربما تزيح الغشاوة عن عيون المشككين بشرعية إزالته وكذلك الثكالا المطبلين له ورموزه من العرب والذين يقاتلون العراقيين على ارضهم بحجة مقارعة الامريكان باسم الإسلام وهم يرفعون شعارات النظام الكافر نفسه. لقد كتب الكثير عن ظلم نظام صدام وما لحق بالعراقيين من جور على يديه الدمويتين خلال عقود منذ إسقاط الحكومة الوطنية التي قادها الزعيم عبدالكريم قاسم في الثامن من شباط 1963. وفي نفس الوقت كتب عن الرفاهية التي كان ينعم بها رموز النظام وعملائه، ولكنها تبقى بعيدة عن الصورة الحقيقية لما كان يجري في العراق. كان العراقيون في دول الشتات يتداولون اخبار القهر الصدامي وتهديم الإنسان العراقي على شكل قصص وحكايات نقلت شفاها وسجلت في الكثير من المقالات والبحوث وكذلك في بعض الاعمال الادبية، ولكن اغلبها، وان لم يكن جلها لم تستطع ان تصل إلى تقديم الحقيقة كاملة التي عاشها العراقيون بشكل عام دون التواجد القصير او الطويل في العراق لتسجيل معناتهم الحقيقية بعد انهيار النظام وفتح عقدة اللسان العراقي للبوح بما يملكه من اسرار.
في الطائرة المتجهة إلى عمان كان إلى جانبي احد المثقفين اليسارين من الاخوة الفلسطينين وكان حديثنا المشترك عن الوضع في العراق قبل التحرير وبعده. لم يفسد الود اختلافنا فيما اعتقده بان التاسع من نيسان يوم تحرير للشعب العراقي وهو يسميه احتلال امريكي اسرائيلي. كان الشك يراود صاحبي بكل ما ذكرته له عن مجازر النظام البائد ضد العراقيين وضد وطنهم. ولربما كان محدثي افضل كثيرا من مثقفين عرب آخرين قللوا من تضحيات العراقيين وشككوا في المقابر الجماعية وحالوا للنظام اغتصابه حرية العراق والعراقيين وما قامت به اجهزته القمعية من اعمال يندى لها الجبين، وستبقى من هولها كقصص الخيال العلمي البشع.
كان سائق السيارة التي اقلتني من عمان إلى بغداد واحدا من اولئك المثقفين العراقيين الذين اجبرتهم الضروف الاقتصادية ان يتحول إلى سائق، وعلى الرغم من رفضه الاعتراف بانه جامعي اكتفى بالقول بانه سائق ليس إلا. كان محدثا عارفا بشكل واسع باوضاع الوطن وخاصة باخبار العائلة العوجوية الحاكمة السابقة. ولربما اهتمامه البحثي بشأنها يعود إلى ما اقترفته والنظام الساقط بحق ابناء منطقته وابناء عشيرته. وكانت اولى جراعات معاناته التي حكاها لي والتي اخفاها سنوات طوال كانت عن صدام حسين وحاشيته اثناء حرب الخليج الاولى. ففي الوقت الذي كانت تملأ الشاحنات جثثُ الجنود العراقيين وهي تمر عبر قريته وحناجر الناس بحت من التكبير "إنا لله وإنا إليه راجعون" في مكان غير بعيد عن ذلك كان يقيم صدام حسين حفلات ماجنة ترقص له فيها غجريات ساقطات، لكنه لم يكتفي بذلك إلا ان سطى على ابنة شيخ قبيلة كانت معلمة الاجمل في المنطقة وفي نفس الوقت خطيبة لمحدثي وكانا يعدان العدة لبيت مشترك. اختفت لعدة ايام بعد ان جاءت سيارة عسكرية اخذتها من بيت اهلها إلى حيث يقم " القائد الضرورة". افرج عنها بعد عدة ايام بعد ان انتهك عرضها. اعطى احد حراس صدام حسين لابيها بندقية من الفضة وعدة ملاين من الدنانير العراقية واشارة في ان يسكت. قال السائق": سكت الشيخ إلى ان مات كمدا وسكت انا إلى اليوم دون زواج وقريبتي تنهي حياتها مجنونة لم تعد تعرف أي احد من الناس". سالني السائق المثقف عن نوع ثروات العراق الكثيرة واهمها واجبته كتلميذ بانها البترول، ولم اكمل، بادرني لا ليس هذا وذاك وانما ما يملكه من قصص العائلات العراقية التي عاشت ظلم النظام وتعسفه فان في كل منها كنز يمكن ان يوضع في نص مسرحي او فلم سينمائي. وجدت فيما قاله الرجل عدم وضوح رؤيا لديه حول الثروة الوطنية، ولكنه لم يدعني استرسل في تقيمي إلا ان اضاف بان ما سيكتب من قصص تصور معاناة العراقيين سوف تهز ضمير العالم الذي نساهم في محنتنهم ولم يهتم بحالهم قط وابقاهم خراف في مجزرة صدام حسين التي كان وسعها العراق كله. ان دور النشر وستوديوهات هوليود سوف تتسابق على تقديم بعضها في كتب وافلام تدر ارباحا كبيرة ولكنها ستعوض العراقيين عما لحقهم من ظيم في كشف قصص ذبحهم احياء. وعلى الرغم من سذاجة ما طرحه الرجل لكنها تظهر ايمانه بالحيف الذي لحق بالعراقيين خلال اكثر من ثلاثة عقود من حكم صدام حسين.
ولربما قصة المرسوم الجمهوري لاطلاق سراح المحكومين بالاعدام من القتلة والسراق وجدتها الاكثر اثارة على الاطلاق مما سمعته في بغداد. انها اكثر صور الاستعباد ودموية مفرطة المتاجرة بالإنسان الذي كرمه الله انها قصة بيع "مراسيم جمهورية" التي منحت إلى اعضاء الحرس الخاص والحلقة القريبة من صدام حسين. هي اوراق تحوي على امر جمهوري موقع من قبل صدام حسين باطلاق سراح محكوم بالإعدام، اوراق رسمية فارغة من الاسم يمكن شرائها لقاء مبلغ 50 الف دولار لتحرير قاتل او لص محكوم بالاعدام بعد ان يوضع اسمه في المكان الفارغ. انها كصكوك الغفران التي كانت تبيعها الكنيسة في العصور الوسطى والفرق بينهما ان الثانية بيعت ليست للقتلة واللصوص. لا تشمل صكوك الغفران تلك السياسين، فمن يستطع منهم انقاذ رقبته فيتم تعويضها باحد نزلاء مستشفيات الامراض العقلية او اي شخص عاثر الحظ لم يسأل عنه اهله.
فاليوم وعلى الرغم من المطبات التي تعيق بداية اعادة اعمار العراق ووصول مجموعات طفيلية إلى سوق السياسة العراقية وتخلف البنى التحتية يملك العراقيون امل كبير في تحسين حياتهم وعمل طفرة جادة لمجتمعهم،على الرغم من الاعمال الارهابية. كان العراقي يقول في العهد البائد ان يوم امس افضل من يومه هذا. اما الآن فيقول ان غده افضل من هذا اليوم.
يتبع















التعليقات