د. صالح بن سبعان&
&
&

&
&أعلنت ماليزيا أنها ستبدأ العمل باستخدام الدينار الذهبي الإسلامي في تجارتها الخارجية بدلاً من الدولار الأمريكي بحلول منتصف هذا العام (2003)، مثيرة بهذا القرار الكثير من التساؤلات، وطارحة بخطوتها العملية العديد من القضايا، وعلي رأسها : هل اطل العصر الإسلامي الفاعل من جديد ؟ خاصة في هذا الظرف التاريخي الحرج الذي يواجهه العالم الإسلامي من ضغوط وتهديدات، والي أي مدي يمكن أن يعتبر هذا القرار خطوة في اتجاه توحيد العالم الإسلامي ؟ وما الجدوى السياسية والاقتصادية لهذه الخطوة ؟

استعادة الماضي
&وقد لاحظت أن احدي صفحنا المحلية قد أجرت استطلاعاً حول الفكرة والقرار منطلقة من أسئلة حول مدي إمكانية نجاح الفكرة وجدواها، وحول آليات التبادل بالدينار الإسلامي في مواجهة الدولار وما إلي ذلك من أسئلة.
&ثم قرأت إجابات المختصين والتي دخلت في تفاصيل هذه الآليات وحول وضع الأسواق العالمية، وحجم التبادل التجاري بين المملكة العربية السعودية ودولة ماليزيا وتفاصيل تنفيذه من خلال هذا الدينار الإسلامي، وكما لاحظت فان الجميع تعامل مع الموضوع باعتباره واقعاً موضوعياً متحققاً.
&والحال أننا وهذا أمر أصبح لا يدهشني كثيراً نتعامل مع أمنياتنا باعتبارها واقعاً موضوعياً، ثم نعمل فكرنا تنظيرياً حول هذه الأمنيات والأحلام والرغبات.
&والحال أن الدينار الذهبي ليس فكرة جديدة، فهو منجز تاريخي بدا من عام 73هـ - 692م، حينما شرع عبد الملك بن مروان في عملية تعريب منظمة للمؤسسات والنظم في البلاد التي فتحها المسلمون، وبعد أربعة أعوام من حركته هذه أنجز ضرب الدينار الذهبي، والذي يعد أول سكوكة إسلامية كاملة من الذهب الخالص.
&وتم بعد ذلك الحفاظ علي شكل الدينار الذهبي طوال العهود الإسلامية إلي زمن الخلافة العثمانية التي كانت لها قطعها من الدينار الذهبي والدراهم الفضية الإسلامية.
&وكل ما ستفعله ماليزيا هو إعادة إحياء هذا الدينار الذهبي، وحتى في هذا فإنها مسبوقة بعمل تمهيدي قام به غيرها، حين تعود الفكرة في عصرنا إلي عمر إبراهيم فاديلو مؤسس منظمة المرابطين الدولية التي تأسست في عام 1983 في جنوب أفريقيا، ولها فروع كبيرة في أوربا وفي جنوب أفريقيا نفسها، وفاديلو هذا هو نفسه مؤسس دار سك العملات الإسلامية، ومؤسس شركة الدينار الالكتروني في دبي.
&ويعتقد فاديلو ومنظمته أن وحدة العالم الإسلامي لا يمكن أن تتحقق إلا بالعمل الاقتصادي الموحد، لذا فإنها تسعي لإقامة السوق الإسلامية المشتركة بعملة إسلامية موحدة هي الدينار الذهبي الإسلامي.
&وبالفعل فقد صدر أول دينار ذهبي إسلامي في عام 1992 بوزن يعادل (4.25) جرامات من الذهب عيار (22)، وقد تم طرح مجموعة من الدنانير في نوفمبر (2001).

&
مسارات أخري
&والآن فان السؤال البديهي الذي يطرح نفسه، طالما أن الهدف الأول من الدينار الإسلامي هو توحيد العملة الإسلامية، وقيام السوق المشتركة وتحقيق وحدة الصف الإسلامي علي المستويين السياسي والاقتصادي، يصبح هو : هل توحيد العملة ممكناً ؟.
&وللإجابة علي هذا السؤال دعنا نسجل أولا أن هناك شكلين يمكن أن تتم بهما عملية توحيد العملة الإسلامية :
&الشكل الأول : هو أن تكون العملة موحدة من ناحية المضمون، أي أن تصدر عن جهة مصرفية موحدة، وان تكون للعملة نفس القيمة في مواجهة العملات الاخري، مثل اليورو الأوربي.
أو - وهذا هو الشكل الثاني : أن تكون موحدة في شكلها والقيمة المكتوبة عليها، إلا أنها تختلف في قيمتها بين دولة وأخري حسب التغطية المتوفرة لها، وبالتالي فان كل دينار منها تختلف قيمته التبادلية، والشرائية، من ثم عن الآخر في مواجهة العملات الاخري.
&
والفرق بينها واضح وكبير...
&ففي حين يكون الدينار الإسلامي في الحالة الأولي واحداً في شكله وقيمته ومضمونه..
&فان وحدة الدينار تكون ( شكلية ) في الحالة الثانية.
&وبالطبع فان وحدته الشكلية تكون لا قيمة لها، ولا جدوى منها، ولا تخدم أي غرض ولا تؤدي إلي وظيفة فعلية وعملية، الهم إلا القيمة العاطفية، والتي تشعر المسلمون في أرجاء العالم أن هناك ما يوحدهم فعلياً، عدي الانتماء إلي العقيدة الواحدة وهذا ما ليسو هم في حاجة إليه اليوم، في هذا العالم الذي يتجه في ظل العولمة إلي ابتلاع هذه الكيانات الإسلامية المتشرذمة المتباعدة.
&وان الوصول إلي تحقيق هذه الأهداف والغايات النبيلة مثل الوحدة الإسلامية، والسوق الإسلامية المشتركة وغيرها، فان لها مساراتها واشتراطاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية، والتي لا يمثل شرط توحيد العملة سوي آخر هذه المسارات، أو علي الأصح يمثل واحدة من (نتائج ) توفير الاشتراطات الاخرى.

النقود السياسية
إن ميزان القوي العالمي يعتبر الركن الأساسي في صراع العملات من اجل السيطرة والهيمنة، ويبدو هذا واضحاً لمن يطالع علي عجل تاريخ العملات في العالم، فيوم كانت الدولة الإسلامية هي ذات النفوذ العالمي في العالم، كانت حضارتها الإسلامية هي السائدة، سك عبد الملك بن مروان العملة الإسلامية لتعميمها علي البلدان التي فتحها المسلمون.
وحين مال ميزان القوة عالمياً منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى بداية الحرب العالمية الأولي لصالح الغرب الأوربي وتوسعت مستعمراته في كل القارات، أصبحت لندن هي المستقر العالمي للعملات الدولية، وبالتالي أصبحت هي ركن الثقل في المبادلات التجارية والتحويلات المالية الدولية، واحتل الجنيه الإسترليني مركز الصدارة بين العملات الأوربية الاخري.
وعندما مالت الكفة بعد الحرب العالمية الثانية لصالح أمريكا خرجت أمريكا من محادثات ( برايتون وودز )، والذي عقد تحت رعاية الأمم المتحدة عام 1944، وبحق إشراف مصرفها المركزي علي النقد العالمي، بدلاً من اتحاد المصروفات الدولي الذي اقترحته بريطانيا يومها، ليستقر الدولار منفرداً ليكون هو النقد الوحيد الصالح كأداة تبديل بالذهب بسعر (35) دولار للأوقية الواحدة.
وحينما انخفض رصيد الدولار من الذهب من 100% إلي 20% في الستينات وقع الدولار في أزمة مستعصية، وقامت فرنسا وبريطانيا باستبدال مليارات الدولارات بالذهب لتفريغ الخزينة الأمريكية من ذهبها، فأصدر الرئيس نيكسون قراراً بإلغاء تبديل الدولار بالذهب في عام 1971، ورغم هذه الهزة العالمية وموجة الاحتجاجات، إلا أن العالم انتقل إلي مرحلة جديدة في نظامه النقدي حيث استقر الدولار كقاعدة للنقد يتم علي أساسه تثبيت أسعار الصرف، وصارت المعاملات المالية وحركة البورصات والمبادلات التجارية وتقييم أسعار صرف العملات الاخري مرتبطة بالدولار، ويتبع ذلك أسعار النفط والذهب الذي أصبح سلعة كباقي السلع التجارية في الأسواق الحرة.
ومن هنا يتضح أن موقف العملات في الأسواق العالمية تتحدد باشتراطات أخري : سياسية واقتصادية وثقافية.. الخ، وان نظام العملات إنما هو واحد من بؤر تجليات ميزان القوي من العلاقات الدولية.

الازدواجية النقدية
المبادلات التجارية وعمليات البورصات العالمية والأسواق الحرة تعمل وفق آليات محددة، وسلة العملات لا زالت تعتمد علي الدولار مرجعية نقدية في التقدير والتقييم، فأين سيكون موقع الدينار الذهبي الإسلامي ؟.
إن أقصي ما يمكن أن يصل إليه حدود التعامل بالدينار، ربما لن يتعدى التعاملات التجارية بينها وبين بعض الدول التي خاطبتها مثل ليبيا والبحرين والمغرب وإيران، مما يجعلها أشبه ما تكون بنادي محدود العضوية، في مجالات محددة للغاية.
إذ أن هذه الدول ستعتمد في تبادلاتها التجارية الدولية إلي اعتماد الدولار وحده، بينما تكتفي بالتعامل الثنائي فيما بينها بهذا الدينار الإسلامي، وكما تري فان هذا لا اثر له ولا قيمة في مجريات الاقتصاد العالمي.
كما أن هذه الدول ستعاني نظمها الاقتصادية والتجارية من ازدواجية في في تعاملاتها، لأنها ستضطر إلي اعتماد الدولار في تبادلاتها الدولية والعالمية، بينما تتعامل ثنائياً بالدينار الذهبي الإسلامي، إضافة إلي التعامل الداخلي بالعملات المحلية في أسواقها الداخلية، وستترب علي مثل هذا الوضع اشتراطات أخري ستكون مكلفة علي المستويات الإدارية والمالية للدولة.
وحتى ماليزيا صاحبة المبادرة سيظل الرنغيت الماليزي ( هو عملتها الوطنية) مستخدماً في المعاملات المحلية.
إذن، وكما سبق وقلنا، فان للوصول إلي دينار إسلامي موحد، أو توحيد العملة الإسلامية أيا كان الاسم الذي سيطلق عليها، يمر عبر مسارات أخري مختلفة.

الحصان أمام العربة
وان توحيد العملة الإسلامية يحتاج إلي أعمال أخري كثيرة تسبقه، وتشكل في مجملها ما يمكن أن نسميه الأرضية، وان البنيات التحتية لأي شكل من أشكال وحدة الصف الإسلامي.
وتتباين وتتنوع هذه الأعمال التي تشكل الأرضية الملائمة للوحدة الإسلامية.
فالمسلمون في حاجة أولا إلي وضع رؤية مشتركة لذواتهم المبعثرة كذات واحدة موحدة.
ثم هم مدعوون إلي وضع استراتيجية كبيرة تنتظمهم جميعاً في إطار موحد.
ثم في الخطوة التالية، يشرعون قوانين، ويضعون نظماً ثقافية واقتصادية تفتح أبواب التعاون والتكامل بينهم.
ويضعون سياسات من شانها أن تفعل عمليات إدارة الموارد في الدول الإسلامية، وتعزز سبل التعاون والتكامل بما يحقق قوة هذه الدول والمجتمعات، ويدفع بخطط التنمية إلي الأمام، وان تفتح الأبواب فيما بينها لتسهيل عمليات انتقال رؤوس الأموال والكفاءات والعقول فيما بينها، ولتتصادق هذه الشعوب الإسلامية المشتته، والتي لا يجمعها الآن سوي المؤتمر الشعبي الذي تعقده كل عام في ضيافة الرحمن بموسم الحج.
&
رؤيا وافق جديد
&
مسالة توحيد العملة الإسلامية لا يمكن أن يثبت بقرارات فوقية، وإنما هي مسار دؤوب وشاق يحتاج إلي تضحيات، ويحتاج إلي دراسة الوقع دراسة متأنية علمية لا تستند علي أسس عاطفية.
وهي تبدأ بتغيير مناهج التعليم الأساسي إلي ما فوقه، والي إعادة كتابة تاريخ الأمة الإسلامية، ثم إلي وضع استراتيجية إسلامية تضمن في خطوطها الحد الادني من أشكال التكامل بين المجتمعات والأفراد، ونحتاج إلي قوانين جنسية هجرة جديدة، والي نظم عمل موحدة.. الخ.
وهذا عمل سياسي وثقافي واقتصادي واجتماعي وقانوني كبير، يحتاج إلي النوايا الصادقة، والهمة العالية، والنفوس الكبيرة التي تتجاوز رؤياها الذات الصغيرة إلي الذات الإسلامية الكبرى.
حينها يصبح الحديث عن الدينار الذهبي الإسلامي ممكناً.
وليس قبل ذلك.
وبالله التوفيق.
أكادبمي وكاتب سعودي
E-mail:[email protected]&&&&&&&&
&